انتهت اليوم الثلاثاء، عملياً، قصة عاطف نجيب، العميد في منظومة نظام الأسد الأمنية المعقدة، بإصدار حكم الإعدام بحقه من قبل القضاء السوري.
رمز مفصلي
تحول اسم نجيب مع عمر الثورة الأول إلى رمز مفصلي بالانتهاكات التي ارتكبها في محافظة درعا، متحصناً بقرابته العائلية من الأسد، والتي منحته قبضة أمنية مطلقة على فرع الأمن السياسي فيها، قبل أن ينتهي به المطاف أمام قضاء الثورة التي كان هو سبباً رئيساً في إشعال فتيلها بقوة وقسوة ما قاد بعد 14 عاماً إلى تغيير المشهد السوري برمته.
ينحدر نجيب من مدينة جبلة في ريف اللاذقية على الساحل السوري، وفيها درس الابتدائية والإعدادية والثانوية، قبل أن يتخرج من الكلية الحربية في حمص، والمعروفة بـ"أم الكليات العسكرية في سوريا"، برتبة ملازم، ثم التحق بجهاز المخابرات، وشغل مناصب أمنية عدة، أبرزها رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا.
ويرتبط نجيب بقرابة عائلية من رئيس النظام المخلوع، فهو ابن خالته، إذ أن أمه هي فاطمة مخلوف شقيقة أنيسة مخلوف والدة بشار الأسد، وهو ما عزّز من نفوذه الميداني، وجعلت سلطته تتجاوز الصلاحيات الإدارية التقليدية للضباط في منصبه.
وشغل عاطف نجيب خلال مسيرته في منظومة نظام الأسد الأمنية، عدة مناصب، أبرزها: رئيس فرع الأمن السياسي في درعا من 2008 حتى العام 2011، ورئيس فرع الفيحاء للأمن السياسي ورئيس قسم التحقيق والدوريات في دمشق، وذلك إلى جانب شغله منصب رئيس فرع الأمن في منطقة الشيخ محيي الدين في دمشق، ثم نائب رئيس قسم أمن الشرطة، ثم نائب رئيس قسم قطاعات المحافظات في أمن العاصمة السورية.
قبضة أمنية
واتسمت فترة إدارته لهذه المناصب الأمنية، لاسيما فرع الأمن السياسي في درعا، بالصرامة والقبضة الأمنية المشددة على الحياة العامة والأنشطة المحلية في المحافظة.
واتُهم نجيب في شباط/فبراير2011، باعتقال 15 طفلاً وتعذيبهم خلال شغله رئيس قسم الأمن السياسي في محافظة درعا، يعد أن خطّ هؤلاء الأطفال حينها كتابات مناهضة لنظام الأسد، وهو ما تسبب باتساع رقعة الاحتجاجات في المحافظة، قبل أن تمتد لاحقاً إلى محافظات أخرى رفضاً لممارسات نجيب بحق الأطفال.
وبحسب شهادات، فإن هؤلاء الأطفال اعتقلوا في فرع الأمن السياسي بدرعا 45 يوماً، تعرضوا أثناءها لأنواع شتى من التعذيب مثل الضرب والصعق بالكهرباء والتعليق على الجدران، وصولاً إلى حد قلع أظافر الأطفال.
وتقول الشهادات إن الأسد رفض بداية الاستماع إلى ما فعله نجيب في درعا، قبل أن يصدر بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاجات الغاضبة، أمراً بإقالته من منصبه في آذار/مارس 2011، وتشكيل لجنة تحقيق، لامتصاص غضب الشارع، لكن التطورات الميدانية كانت أسرع من هذه الإجراءات الصورية.
ملاحقة دولية
أدرجت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اسم عاطف نجيب في العام 2011، على لوائح العقوبات لضلوعه المباشر في انتهاكات حقوق الإنسان وقمع الاحتجاجات السلمية والتورط بجرائم ضد المدنيين السلميين.
ومع سقوط نظام الأسد، كان نجيب من أوائل الضباط الذين جرى القبض عليهم، إذ أعلنت السلطات السورية القبض عليه في ي 31 كانون الثاني/يناير 2025، بعملية نوعية للأمن السوري في محافظة اللاذقية.
وقال مدير مديرية الأمن العام السابق في محافظة اللاذقية المقدم مصطفى كنيفاتي، إن نجيب كان مختبئاً في ريف اللاذقية، وإنه تم اعتقاله و"تحويله للجهات المعنية ليصار إلى محاكمته ومحاسبته على الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري".
وظهر نجيب للمرة الأولى بعد اعتقاله، من خلال لقطات عرضتها وزارة العدل السورية وذلك أثناء عملية التحقيق معه من قبل السلطات السورية، قبل أن يعلن رئيس لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل القاضي جمعة العنزي، عن جلسة محاكمة علنية لنجيب.
وفي في 26 نيسان/أبريل الماضي، ظهر نجيب للمرة علناً أمام قاضي محكمة الجنايات الرابعة بدمشق فخر الدين العريان، وكانت هي جلسة محاكمته الأولى، والتي حضرها النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف.
ونسب العريان لنجيب، تهماً أبرزها، التورط والمشاركة في القتل والتعذيب النفسي والجسدي والاعتقال التعسفي، واعتقال أطفال في درعا في شباط/فبراير 2011 وقلع اظافرهم وصعقهم كهربائياً بأماكن حساسة، وقمع الاحتجاجات السلمية وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين، إضافة لتعذيب معتقلين جسدياً ونفسياً.
استمرت المحاكمة ثماني جلسات، جرى خلالها الاستماع إلى شهادات الشهود بحضور منظمات حقوقية إلى جانب وسائل إعلام مختلفة. فيما استندت الدعاوى المقامة ضد نجيب إلى شهادات أهالي الضحايا والمعتقلين السابقين، إضافة إلى تقارير لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة.
واليوم الثلاثاء، أصدر العريان حكماً بالإعدام ضد عاطف نجيب، وهو ما يثمل خطوة بمسار العدالة الانتقالية السورية، إلى جانب إنهاء مسيرة ضابط أمني وصل إلى ذروة النفوذ والسلطة، مستفيداً من قرابته المحصنة مع الرئيس المخلوع، وانتهى به الحال أما سلطة العدالة.




