بعد 5 سنوات من قيس سعيد.. لماذا عاد التونسيون للشارع؟

أحمد عبد الحليمالثلاثاء 2026/08/11
احتجاجات تونس (Getty).Jpg
الاحتجاجات الأخيرة تتركز حول أزمة الخدمات الأساسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد خمس سنوات على "التدابير الاستثنائية" التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 تموز/ يوليو 2021، عاد الشارع في تونس ليطرح السؤال نفسه بإلحاح متجدد: إلى أين يمضي المسار الذي بدأ بوعد "التصحيح" وينتهي اليوم بمشهد من الاحتجاجات المتقطعة؟

تظاهر آلاف التونسيين احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وما وصفوه بسوء إدارة الدولة، في وقت تتحدث فيه منظمات حقوقية دولية عن تدهور مأساوي لحالة حقوق الإنسان في البلاد بعد خمس سنوات من استحواذ الرئيس على سلطات تنفيذية استثنائية.

لكن المتابع لهذا المشهد عن قرب يدرك أن ما يجري ليس مجرد فورة غضب موسمية ارتبطت بموجة حر أو انقطاع كهرباء، بل تعبير عن تراكم بطيء لأزمات ثلاث متداخلة: سياسية وحقوقية واقتصادية، تتغذى كل واحدة منها على الأخرى وتعيد إنتاجها. وهذا ما تحاول هذه المقالة قراءته، بوصفه محصلة لخمس سنوات كاملة من تجربة حكم انفرادي لا تزال تونس تدفع كلفتها.

 

انسداد سياسي متواصل

ويبدو أن الجدل الذي لا يزال قائماً حول توصيف ما جرى في 25 تموز/ يوليو 2021، انقلاباً كان أم تصحيحاً لمسار مأزوم، أصبح اليوم أقل أهمية من سؤال آخر أكثر إلحاحاً، وهو: إلى أين يقود هذا الانفراد بالسلطة بعد خمس سنوات من ممارسته؟

فالدستور الذي صاغه الرئيس بنفسه ومنح بموجبه رئاسة الجمهورية صلاحيات تنفيذية شبه مطلقة، لم ينتج حتى الآن استقراراً سياسياً يمكن البناء عليه، بل أنتج، على ما يبدو، مركزية قرار تجعل أي أزمة خدمية أو اجتماعية تتحول تلقائياً إلى أزمة ثقة بالنظام برمته، لأن لا أحد غير الرئيس يتحمل مسؤوليتها في نهاية المطاف.

الأخطر من ذلك، هو أن السلطة تبدو اليوم في موقع دفاعي أكثر منه في موقع مبادر؛ فتكليف وزارة العدل بملاحقة من تعتبرهم مسؤولين عن الاضطرابات الأخيرة، واتهام أطراف سياسية بتأجيج الأوضاع، يوحيان بأن خيار المعالجة الأمنية لا يزال هو الأقرب إلى ذهنية الحكم، فيما تبقى المعالجة السياسية للأزمة غائبة عن الطاولة تماماً.

وفي المقابل، لا تبدو المعارضة التونسية في وضع أفضل لاستثمار هذا الانسداد. فرغم خروج مكونات متعددة من الطيف السياسي والمدني إلى الشارع خلال العام الجاري، ظل هذا التحرك أقرب إلى تقاطع لحظي في توصيف الأزمة منه إلى مشروع سياسي بديل متماسك.

ولعل الرسالة التي وجهها معتقلون سياسيون من داخل السجون، داعين مختلف مكونات المعارضة إلى تأجيل خلافاتها الفكرية إلى حين استعادة المسار الديمقراطي، تختصر جوهر المشكلة، وهي تكمن في معارضة تدرك حجم الفرصة التاريخية المتاحة، لكنها لم تجد بعد الصيغة التي تحوّل بها الغضب الشعبي إلى ضغط سياسي فعلي وموحد.

وبين سلطة مرتبكة ومعارضة مشتتة، يبقى المشهد السياسي التونسي أسير معادلة لا غالب فيها ولا مغلوب، وهو بالضبط ما يفسر استمرار الأزمة بدل حلها.

 

تراجع حقوقي متصاعد

إذا كان الملف السياسي محل خلاف في التوصيف، فإن الملف الحقوقي بات أقرب إلى نقطة اتفاق واسعة بين المراقبين المستقلين. فحين تصف منظمة بحجم هيومن رايتس ووتش الوضع الحقوقي في تونس بعد خمس سنوات من تركز السلطة بأنه "تدهور مأساوي"، فهذا وصف لا يصدر عادة عن مبالغة إعلامية، لكنه عن رصد ميداني متراكم.

والأرقام والوقائع تسند هذا التوصيف. حكم بالسجن خمسة وعشرين عاماً بحق سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، مع غرامة مالية ضخمة بالتضامن مع متهمين آخرين، في قضية اعتُبرت ضربة موجعة لما تبقى من مسار العدالة الانتقالية الذي انطلق بعد ثورة 2011. وإلى جانبها، أحكام مماثلة بحق مئات من ناشطين حقوقيين آخرين، من بينهم رئيسة جمعية مناهضة للعنصرية ومحامٍ سابق في الهيئة نفسها.

ما يستحق التوقف عنده هو اتساع دائرة الأحكام لتشمل شخصيات من خلفيات متنوعة سياسياً وحقوقياً ومهنياً، بما يوحي بأن الملاحقة لم تعد تستهدف تياراً بعينه بقدر ما تستهدف فعل المعارضة والنقد نفسه.

وتشير التقديرات الحقوقية إلى أن عدد المعتقلين وسجناء الرأي بالمئات في تونس، وهو رقم يصفه محامون بأنه غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.

ولم يعد هذا القلق حكراً على الداخل التونسي؛ فقد عبّر خبراء ومنظمات المجتمع المدني، خلال الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عن انزعاجهم من تفاقم أزمة الحريات في البلاد، فيما وُجهت انتقادات إضافية لطريقة تعامل السلطات مع ملف الهجرة غير النظامية للقادمين من دول جنوب الصحراء الأفريقية.

وفي المقابل، ينفي الرئيس قيس سعيد أي تضييق على الحريات العامة أو ضغط على القضاء، معتبراً أن ما يجري هو محاسبة قانونية طبيعية. غير أن اتساع رقعة الملاحقات وتنوع خلفيات من طالتهم يجعل هذا النفي أقل إقناعاً كلما تراكمت الأحكام.

 

اقتصاد ينهار ببطء

لو أردنا تحديد الشرارة الحقيقية للاحتجاجات الأخيرة، فهي بلا شك أزمة الخدمات الأساسية: انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه تزامنت مع موجة حر شديدة، في مشهد اعتبره كثير من التونسيين دليلاً إضافياً على عجز منظومة الحكم عن إدارة أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

لكن الأخطر هو أن هذه الأزمة الآنية ليست سوى العرض الظاهر لخلل هيكلي أعمق يتمثل في تضخم مرتفع يواصل التهام القدرة الشرائية للأسر، مقابل ركود شبه تام في الأجور وتراجع مستمر في قيمة الدينار.

وعلى صعيد المديونية، صحيح أن الأرقام الرسمية تُظهر تراجعاً طفيفاً في نسبة الدين العمومي إلى نحو 82 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025، مقارنة بـِ 85 في المئة في العام السابق، لكن هذا التحسن الظاهري يخفي، في تقديري، كلفة باهظة، فقد تحقق عبر الوفاء المستمر بالالتزامات الخارجية دون إعادة جدولتها، وعبر اعتماد متزايد على الاقتراض الداخلي منذ تعليق التعاون المالي مع صندوق النقد الدولي أواخر 2022، بما يعني أن الدولة تموّل استقرارها المالي الظاهري على حساب مدخرات مواطنيها وقدرتها المستقبلية على الاستثمار.

فخدمة الدين وحدها تلتهم اليوم جزءاً كبيراً من نفقات الموازنة، تاركة هامشاً ضيقاً لأي إنفاق تنموي حقيقي.

ولا تبدو آفاق الخروج من هذا النفق قريبة؛ فقد أبقى صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي عند مستوى متواضع لا يتجاوز 2.1 في المئة خلال 2026، مع تباطؤ إضافي متوقع في العام الذي يليه، محذراً من تأثير صدمات أسعار الطاقة على الصناعة والصادرات والسياحة.

وهذا يعني، عملياً، أن الأزمة المعيشية التي أشعلت الاحتجاجات الأخيرة ليست استثناءً عابراً، بل نمط متكرر مرشح للعودة كل صيف ما لم تتغير السياسات الاقتصادية الكامنة خلفه.

في النهاية، ما يجعل صيف 2026 مختلفاً عن سابقيه، في تقديري، ليس حدة أي من الأزمات الثلاث منفردة، إنما تزامنها وتغذيتها المتبادلة: انسداد سياسي يحرم البلاد من أي أفق تفاوضي، وتراجع حقوقي يقفل الباب أمام أي معارضة سلمية فاعلة، وانهيار اقتصادي بطيء يجعل الشارع الشعبي هو المتنفس الوحيد المتبقي للتعبير عن الغضب.

وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تحولت الذكرى الخامسة لإجراءات 25 تموز/ يوليو إلى مناسبة لتجدد الاحتقان بدل أن تكون محطة احتفالية كما كانت الحال في سنواتها الأولى.

أعتقد أن مستقبل هذا المسار سيبقى رهيناً بمعادلة صعبة: هل تملك السلطة القدرة على تقديم تنازلات إصلاحية حقيقية قبل فوات الأوان، أم أنها ستستمر في خيار الاحتواء الأمني إلى أن تتفاقم الأزمة أكثر؟ وهل تنجح معارضة منقسمة في إيجاد صيغتها التوحيدية قبل أن يستنزف اليأس الشعبي طاقته الاحتجاجية؟

بين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال الذي طرحه التونسيون في شوارعهم معلقاً بلا جواب حاسم: هل تعيد تونس اكتشاف طريقها نحو المسار الديمقراطي الذي فتحته ثورة 2011، أم أنها تتجه، بخطى بطيئة لكن ثابتة، نحو مرحلة جديدة وأكثر غموضاً من تاريخها السياسي؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث