تقرير :دمشق تقلص نفوذ موسكو وتعيد رسم الوجود الروسي

ترجمة حنان الخطيبالاثنين 2026/08/10
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرطوس (سانا)
تقرير إسرائيلي: دمشق تستعيد السيطرة على منشآت استراتيجية (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

أفاد تقرير لمركز "ألما" الإسرائيلي بأن الوجود الروسي في سوريا يشهد تحولاً جوهرياً بعد سقوط نظام بشار الأسد، من انتشار عسكري واسع وقواعد تتمتع فيها موسكو بسيطرة مستقلة، إلى حضور أكثر محدودية يخضع بدرجة أكبر للسيادة السورية ويرتكز على التدريب والتعاون العسكري والروابط الاقتصادية والتقنية.

وبحسب التقرير، فقدت روسيا موقعها بوصفها القوة العسكرية والسياسية الخارجية المهيمنة في سوريا، لكنها لا تتجه إلى التخلي عن البلاد، بل تعمل على إعادة صياغة وجودها بما يسمح لها بالحفاظ على قدر من النفوذ، ضمن شروط مختلفة عن تلك التي سادت خلال حكم الأسد.

وذكر مركز ألما، استناداً إلى تقرير سابق أصدره في أيار/مايو 2022، أن تعداد القوات الروسية في سوريا عشية اندلاع الحرب في أوكرانيا بلغ نحو 10 آلاف جندي، تمركزوا بصورة رئيسية في قاعدة حميميم الجوية والقاعدة البحرية في طرطوس، إلى جانب قواعد أصغر ونقاط انتشار ميدانية في أنحاء البلاد.

وشمل الانتشار الروسي مكونات جوية وبحرية، ووحدات للدفاع الجوي والاستخبارات والمدرعات والمشاة والهندسة والقوات الخاصة والشرطة العسكرية. وكانت قاعدة حميميم تمثل مركز العمليات الجوية الروسية في سوريا، كما ضمت مقر التنسيق مع إسرائيل، فيما أتاحت القاعدة البحرية في طرطوس لموسكو موطئ قدم بحرياً استراتيجياً في شرق البحر المتوسط، إلى جانب استخدامها مركزاً لوجستياً واستخباراتياً.

وأوضح التقرير أن الوجود الروسي استند خلال عهد الأسد إلى اتفاقيات إيجار طويلة الأمد منحت موسكو سيطرة واسعة على المنشآت التي تستخدمها، ومكنتها من حماية النظام السابق والتأثير في تطوير القوات المسلحة السورية، إلى جانب منافسة إيران على مراكز النفوذ داخل البلاد.

وفي الوقت نفسه، أدى انتشار القوات الروسية بالقرب من أهداف مرتبطة بإيران إلى تقييد هامش التحرك الإسرائيلي في سوريا، ما استدعى إنشاء آلية للتنسيق وتفادي الاحتكاك بين روسيا وإسرائيل.

وأشار مركز ألما إلى أن مؤشرات تقليص حجم الانتشار الروسي بدأت تظهر عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، مع تحويل موسكو جزءاً من قواتها ومواردها واهتمامها نحو الجبهة الأوكرانية. ومع ذلك، قدّر المركز في ذلك الوقت أن روسيا ستواصل النظر إلى سوريا باعتبارها أصلاً استراتيجياً ولن تتخلى عنها.

 

روسيا تفقد موقعها المهيمن 

ونقل تقرير مركز ألما عن تحليل نشره معهد واشنطن في 27 تموز/يوليو الماضي، أن روسيا فقدت موقعها المهيمن في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لكنها تكيفت سريعاً مع الواقع الجديد.

وبحسب تحليل المعهد، تسعى موسكو إلى البقاء واحدة من عدة قوى تتنافس على النفوذ داخل سوريا، بعدما لم تعد الراعي العسكري والسياسي المهيمن على الحكومة السورية. وأشار التقرير إلى أن القيادة السورية الجديدة تقترب من الولايات المتحدة والغرب، لكنها لا تبدو مهتمة في المقابل بقطع علاقاتها مع روسيا بصورة كاملة.

ولا تزال موسكو، بحسب التقرير، تمتلك أوراق نفوذ مهمة في سوريا، بينها حق النقض في مجلس الأمن الدولي، وإمدادات القمح والطاقة، وقدرتها على صيانة المعدات العسكرية الروسية والسوفياتية التي تمتلكها القوات السورية، فضلاً عن علاقاتها بقطاعي طباعة العملة والفوسفات.

وأضاف التقرير أن الحكومة السورية الجديدة ورثت ديوناً مستحقة لروسيا تبلغ نحو 1.2 مليار دولار، وهو ما يشكل عنصراً إضافياً في شبكة العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

 

دمشق تبحث عن بدائل

في المقابل، أشار مركز ألما إلى أن سوريا تعمل على تقليص اعتمادها على موسكو، لافتاً إلى أن دمشق تدرس بدائل لطباعة العملة السورية في الإمارات العربية المتحدة وألمانيا.

ونقل المركز عن تقرير آخر أن سوريا وافقت على خفض وارداتها من النفط الخام الروسي بصورة كبيرة، في إطار محادثاتها مع الولايات المتحدة بشأن رفع ما تبقى من العقوبات المفروضة عليها.

وبحسب تقييم المركز، يمكن أن تؤدي هذه الخطوة إلى إضعاف أحد المصادر الرئيسية للنفوذ الروسي في سوريا، لكنها قد تتسبب في الوقت نفسه بنقص في الطاقة داخل البلاد في حال عدم العثور على مصدر بديل قادر على تعويض الإمدادات الروسية.

واعتبر المركز أن ملف النفط سيكون أحد الاختبارات الرئيسية لقدرة دمشق على تقليص اعتمادها على روسيا. فإذا تمكنت سوريا من إيجاد موردين بديلين ومصادر تمويل جديدة، سيضعف أحد أهم مصادر النفوذ الروسي، أما إذا ثبت أن البدائل غير كافية، فقد يستمر اعتماد دمشق على الطاقة الروسية بالتوازي مع تقاربها مع الغرب.

 

ترتيبات جديدة في حميميم

وبحسب تقرير مركز ألما، تمثل التطور الأبرز في ما أُعلن عنه في 9 آب/أغسطس، عندما أفادت وزارة الخارجية السورية بأن دمشق وموسكو توصلتا إلى اتفاق بشأن مستقبل المنشآت العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس.

ووفق ما أورده المركز نقلاً عن البيان السوري، ستُنقل البنية التحتية المدنية، بما في ذلك مطار حميميم والمنشأة البحرية التجارية في طرطوس، تدريجياً إلى إدارة الحكومة السورية، بينما ستتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة. ومن المتوقع، بحسب الاتفاق، استكمال هذه العملية خلال ثلاثة أشهر.

وأشار التقرير إلى أن الهيئة العامة للطيران المدني السوري كانت قد تسلمت بالفعل من روسيا مطار اللاذقية الدولي، الواقع ضمن مجمع حميميم، وبدأت العمل على تجهيزه لاستقبال الرحلات المدنية. كما أورد التقرير في سياق المعلومات المتعلقة بالترتيبات الروسية في سوريا المكتب التنفيذي للرئاسة الروسية، بتاريخ 28 كانون الثاني/يناير 2026، مصدراً للمعلومات ذات الصلة.

ورأى مركز ألما أنه في حال تنفيذ الاتفاق بالكامل، فإنه سيمثل تحولاً جوهرياً مقارنة بالوضع الذي كان قائماً خلال عهد الأسد، إذ ستفقد روسيا سيطرتها الحصرية على بنية تحتية استراتيجية، مع احتفاظها في الوقت نفسه بموطئ قدم عسكري ومهني عبر آليات التدريب المشترك.

 

من الوجود العسكري إلى الشراكة الأمنية

وخلص مركز ألما إلى أن التطورات الجديدة لا تمثل انسحاباً روسياً كاملاً من سوريا، وإنما تغييراً في نمط عمل موسكو داخل البلاد. وبحسب تقييم المركز، تنتقل روسيا من وجود عسكري مستقل قائم على منشآت تخضع لسيطرتها إلى نموذج أقرب إلى شراكة أمنية مع الدولة المضيفة، وهو نموذج اعتبره المركز أقل كلفة وأقل عرضة للضغوط السياسية، وفي الوقت نفسه يسمح لموسكو بالحفاظ على إمكانية الوصول الميداني إلى سوريا.

ورأى التقرير أن ميزان القوى في العلاقة بين دمشق وموسكو تحول لمصلحة الحكومة السورية. ففي عهد الأسد، منحت اتفاقيات الإيجار روسيا سيطرة طويلة الأمد على المنشآت من دون مقابل يُذكر، بينما يعيد الترتيب الجديد السيطرة على البنية التحتية المدنية إلى الحكومة السورية ويحد من هامش الاستقلالية الروسية.

وبحسب المركز، لا تقطع دمشق علاقاتها مع موسكو، وإنما تستفيد من تقاربها مع الدول الغربية لتحسين شروطها في التعامل مع روسيا.

وأشار مركز ألما إلى أن مركز ثقل النفوذ الروسي في سوريا يتحول من الاستخدام المباشر للقوة إلى ما وصفه بالاعتماد المؤسسي في مجال تطوير القوات المسلحة السورية.

وبموجب هذا التحول، قد تصبح صيانة الأسلحة الروسية والسوفياتية، والتدريب العسكري، وتوفير قطع الغيار، والحفاظ على العلاقات مع الضباط السوريين، أدوات أكثر أهمية للنفوذ الروسي من حجم القوات الروسية أو عدد الطائرات الموجودة على الأراضي السورية.

وبذلك، تستطيع موسكو، وفق تقييم المركز، الاحتفاظ بدرجة من التأثير داخل المؤسسة العسكرية السورية حتى مع تقلص وجودها العملياتي المباشر وفقدانها السيطرة المستقلة التي كانت تتمتع بها على منشآتها.

 

إسرائيل تراقب 

ومن المنظور الإسرائيلي، اعتبر مركز ألما أن التحول في طبيعة الوجود الروسي قد يؤدي إلى تراجع خطر الاحتكاك المباشر بين القوات الروسية وإسرائيل.

وبحسب التقرير، يمكن أن يؤدي الانتقال من منشآت عملياتية تخضع للسيطرة الروسية إلى مراكز تدريب مشتركة إلى تخفيف القيود المرتبطة بالتنسيق التي كانت تؤثر سابقاً في النشاط الإسرائيلي داخل سوريا. لكن المركز رأى أن استمرار وجود مدربين روس وأنظمة روسية وروابط استخباراتية يعني أن الحاجة إلى آليات تفادي الاحتكاك والتنسيق لم تنتفِ بالضرورة، وإنما تستدعي إعادة تقييم تلك الآليات بما يتناسب مع شكل الوجود الروسي الجديد.

وخلص تقرير مركز ألما إلى أن روسيا كانت، خلال عهد الأسد، قوة عسكرية مهيمنة في سوريا تمتلك قواعد مستقلة وقدرة على ممارسة نفوذ مباشر في الساحة السورية، بينما أصبحت بعد سقوط النظام لاعباً أكثر محدودية، يفقد السيطرة على جزء من البنية التحتية وعلى السياسات السورية، لكنه يحتفظ بأدوات نفوذ من خلال التدريب العسكري وصيانة الأسلحة والعلاقات الاقتصادية ومكانته الدولية.

وأكد المركز أن الترتيب الجديد لا يمثل نهاية الوجود الروسي في سوريا، وإنما تحولاً من وجود قوة عظمى تتولى حماية نظام حليف إلى وجود مشروط ومشترك وقائم على التفاوض مع الدولة السورية.

وبحسب التقرير، سيكون الاختبار الرئيسي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة هو مدى تطابق التصريحات والاتفاقات المعلنة مع التنفيذ الفعلي، ولا سيما حجم القوات الروسية التي ستبقى في سوريا، والوضع النهائي للمنشآت العسكرية، ومدى حرية روسيا في الوصول إلى الميناء والمطار، وقدرة دمشق على استبدال اعتمادها الاقتصادي واحتياجاتها من الطاقة من موسكو بمصادر أخرى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث