اليمن على صفيح ساخن.. تصعيد حوثي وتحركات سعودية

الحوثي يستعرض صواريخ باليستية
الحوثي يصعد في البر والبحر والرياض والحكومة اليمنية تدرسان خيارات الرد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

دخل الصراع اليمني مرحلة ميدانية وسياسية جديدة وأكثر خطورة، وذلك في أعقاب تكرار جماعة الحوثي للضربات الصاروخية وإطلاق المسيّرات، في هجمات وصفها مسؤولون عسكريون بأنها الأعنف منذ أعوام، استهدفت تشكيلات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية أُنشئت حديثاً بدعم سعودي في عمق المحافظات الشرقية المحررة، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتسبب في تدمير تحصينات حيوية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة لتنقل المواجهة من نطاق الحرب البحرية واستهداف الملاحة الدولية وخطوط إمداد الطاقة في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى صدام بري مباشر يهدف، بحسب خبراء ومحللين، إلى استنزاف القوة الضاربة للحكومة المعترف بها دولياً، وإحراج الرياض وإعادة فرض معادلات التفاوض بالقوة، في حين كثّفت السعودية خطواتها الدبلوماسية والعسكرية لدرء المخاطر ومنع اتساع رقعة الصراع، وسط تعثر مسار السلام وتشابك الملف اليمني مع التوترات الإقليمية المعقدة بين واشنطن وطهران. 

 

تفاصيل الضربات الصاروخية 

وبحسب مصادر عسكرية يمنية ومتابعات ميدانية، فإن جماعة الحوثي أطلقت 17 صاروخاً باليستياً بالتزامن مع عدد من الطائرات المسيرة في تمام الساعة الثانية ظهر أمس الخميس، انطلاقاً من جبال المحزمات غربي مديرية الغيل بمحافظة الجوف. 

واستهدفت الضربات المنسقة مواقع وتجمعات عسكرية في مناطق الثنية والرويك بمحافظة مأرب والعبر بمحافظة حضرموت.

وكشفت المصادر أن طال القصف ثلاث تشكيلات عسكرية رئيسية؛ في مقدمتها "قوات درع الوطن"، وهي تشكيل أُسس عام 2022 بدعم سعودي كامل ويضم عشرات الآلاف من الجنود المنتشرين على امتداد الحدود بين مأرب وحضرموت والشريط الحدودي للمملكة، وقوات "الفرقة الأولى طوارئ" التي تُعد أحدث التشكيلات البرية الحكومية بعد صدور قرار جمهوري بإنشائها أواخر عام 2025 وبدئها المهام الميدانية مطلع عام 2026، بإشراف مباشر من قوات التحالف بقيادة السعودية لتأمين الشريط الصحراوي، إضافة إلى مواقع تابعة للمنطقة العسكرية الأولى المتمركزة في حضرموت.

وأفاد مصدر عسكري "المدن" اليوم الجمعة، بأن حصيلة القتلى في هجمات الخميس بلغت ما لا يقل عن 58 جندياً حكومياً.

ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ تجدد القصف الصاروخي الحوثي على محافظتي مأرب وشبوة صباح الجمعة، مما أسفر عن مقتل عدد من والضباط وإصابة آخرين من القوات الحكومية، وفق بيان وزارة الدفاع، فيما ذكرت مصادر محلية مقتل 3 من المدنيين في مأرب بقصف حوثي استهدف مخيمات النازحين.

وفي السياق ذاته، أكدت وزارة الدفاع اليمنية في بيان، أن "الهجوم الغادر" استهدف أفراد القوات المسلحة أثناء تأديتهم واجبهم في حماية المناطق المحررة والطرق الدولية ومكافحة شبكات التهريب، مشددة على أن المؤسسة العسكرية تعكف على ترتيب خياراتها للرد "في الزمان والمكان المناسبين".

 

سياق التصعيد ورسائل الحوثيين

من جهته، أعلن المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي يحيى سريع، أن العملية تأتي ضمن مسار التصعيد الممتد منذ 20 تموز/يوليو الماضي، تحت شعار "الحصار بالحصار". 

وهو المسار الذي بدأ باستهداف ناقلات النفط والملاحة في البحر الأحمر، وتدرج نحو استهداف خطوط الإمداد والمطارات السعودية، وصولاً إلى دك التشكيلات العسكرية التي جرى تدريبها وتجهيزها حديثاً.

ويرى المحلل العسكري العميد عبد الرحمن الربيعي، في حديث لـ"المدن"، أن التكثيف الصاروخي ضد معسكرات "الطوارئ" و"درع الوطن" يحمل ثلاث رسائل رئيسية: الرسالة الأولى داخلياً: رفع معنويات أنصار الجماعة في ظل تفاقم الأزمات المعيشية والتذمر الشعبي والقبلي المتصاعد في مناطق سيطرتها، عبر إثبات القدرة على التحكم بالمبادرة العسكرية.

الرسالة الثانية للحكومة اليمنية: إجهاض مساعي إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وجرها إلى مواجهة مفتوحة قبل استكمال بناء قدراتها الدفاعية والهيكلية.

الرسالة الثالثة للتحالف العربي بقيادة السعودية: الضغط المباشر على السعودية للوصول إلى تسوية تضمن خروج الجماعة من حالة الجمود السياسي والاقتصادي فرضها واقع الهدنة غير المعلنة.

ويضيف الربيعي أن الحوثيين يدركون أن قوات الطوارئ ودرع الوطن تمثلان "احتياطياً تعبوياً وعملياتياً استراتيجياً"، ولذا سعوا لضرب هذه القوات في قواعدها لإحداث صدمة معنوية وتعطيل دورها التكتيكي في تأمين المحافظات الشرقية.

 

ثغرات الدفاع الجوي 

وتكشف تفاصيل الهجمات الأخيرة عن ثغرة عملياتية حادة تعاني منها القوات الحكومية. وفي هذا الصدد، أوضح المحلل العسكري والمنتسب للقوات الحكومية، عارف الهويش لـ"المدن" أن المعسكرات المخترقة تعاني من نقص حاد في منظومات الدفاع الجوي الحديثة والتكتيكية القادرة على التصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المنخفضة الارتفاع، معتبراً أن ذلك يعود إلى الارتفاع الباهظ لتكاليف هذه الأنظمة والقيود الاستيرادية المفروضة.

وأشار الهويش إلى أن استراتيجيات التسليح اعتمدت خلال السنوات الماضية بالكامل على الغطاء الجوي الذي يقدمه التحالف العربي، ما جعل القواعد البرية تفتقر إلى مظلة دفاع جوي ذاتية ومستدامة. 

وأضاف أنه رغم إعلان وزارة الدفاع اليمنية مؤخراً عن بدء تصنيع طائرات مسيرة محلية وإعادة تفعيل بعض المقاتلات التقليدية من طرازات "ميغ" و"سوخوي" و"إف-5"، فإن هذه الخطوات لا تزال في بداياتها ولا توفر التغطية الرادارية الشاملة وأجهزة التشويش الإلكتروني المطلوبة لمعادلة التهديد الحوثي المتطور.

 

الملف الجوي 

ولم يكن تصعيد الخميس وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الحوادث المتراكمة والمواجهات المتقطعة التي شهدتها جبهات الضالع والجوف وتعز والحديدة خلال الأسابيع الماضية، والتي بلغت أوجها في الضالع في 22 تموز/يوليو، بشبكات اشتباك هي الأعنف بالأسلحة الثقيلة منذ هدنة 2022.

وتعود جذور الأزمة الأخيرة إلى 25 حزيران/يونيو الماضي، حين أعلن زعيم جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي التزامه بـ"كسر الحصار"، مما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي للتحذير علناً من محاولات إيرانية لإقامة جسر جوي مباشر مع صنعاء لتهريب خبراء من الحرس الثوري وتمرير دعم مالي ولوجستي.

وتفاقم التوتر ميدانياً عقب سير رحلة لطيران "ماهان" الإيراني في 3 تموز/يوليو، تحت غطاء نقل وفد لتقديم العزاء في وفاة علي خامنئي.

وأعقب ذلك تقارير استخباراتية أشارت إلى وصول مبعوث الحرس الثوري محمد علي رضائي وقيادات عسكرية إلى صنعاء، مما دفع القوات الحكومية إلى استهداف مدرج مطار صنعاء وإجبار الطائرة الإيرانية على الهبوط في مطار الحديدة بتاريخ 13 تموز/يوليو. 

ورداً على ذلك، هدد الحوثيون في 16 تموز/يوليو/ بضرب الموانئ والبنية التحتية لقطاع الطاقة في السعودية، تنفيذاً لتوجيهات إيرانية تهدف لرفع كلفة أي ضغط أميركي على طهران.

 

تحركات سعودية مكثفة 

أمام هذا المشهد القاتم، كثّفت السعودية خطواتها الدبلوماسية والعسكرية لدرء المخاطر ومنع اتساع رقعة الصراع. 

وفي تحرك ميداني بارز، تم تعيين اللواء الركن البحري عبد الله بن سالم الشهري، قائداً للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات المكلّف بحماية خطوط الملاحة. كما شهدت العاصمة الرياض نشاطاً رفيع المستوى بالتزامن مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني رفقة قائد الجيش الباكستاني، لبحث الترتيبات الأمنيّة المشتركة، وتوقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. 

وعلى صعيد التنسيق العسكري الغربي، أجرى قائد القوات الجوية السعودية الفريق الركن تركي بن بندر بن عبد العزيز، مباحثات موسعة مع رئيس أركان القوات الجوية الملكية البريطانية الفريق الطيار الركن هارف سميث لتطوير المنظومات الدفاعية.

في المقابل، أفادت مصادر حكومية يمنية "المدن"، بأن مجلس الدفاع الوطني عقد اجتماعاً طارئاً في الرياض لبحث خيارات الرد؛ حيث تجد القيادتان اليمنية والسعودية نفسيهما أمام حسابات معقدة بين الاستجابة للاستفزاز العسكري الحوثي أو الانجرار إلى معركة شاملة قد تقوض سنوات من مساعي التهدئة.

 

الأبعاد الاستراتيجية

وفي تحليل للأبعاد الجيوسياسية للتصعيد، يرى المحلل الاستراتيجي إبراهيم جلال، في حديث لـ"المدن"، أن جماعة الحوثية تتحرك وفق أجندة مزدوجة، داخلية وخارجية، ويسعى الحوثيون على المستوى الخارجي، إلى تعزيز الموقع التفاوضي للحرس الثوري الإيراني عبر استغلال الموقع الجغرافي الحاكم لليمن على البحر الأحمر وباب المندب، وتأكيد قدرة طهران على تعطيل الملاحة الدولية في حال تعرض منشآتها البحرية أو النفطية لأي هجوم.

أما على المستوى الداخلي، فيقول جلال، إن الجماعة تهدف إلى نقل أزمتها الداخلية الناجمة عن الغضب الشعبي جراء قطع مرتبات الموظفين وتدهور الخدمات إلى الخارج، وصياغة الصراع مجدداً على أنه مواجهة مباشرة مع السعودية.

وأشار جلال إلى أن الجماعة أثبتت بين عامي 2023 و2025، قدرتها على إرباك 12 في المئة من تجارة النفط العالمية و20 في المئة من حركة الحاويات الدولية تحت الشعارات الإقليمية، مبيناً أن التكتيك الحوثي يعتمد على رفع المخاطر وأقساط التأمين البحري عبر الطائرات المسيرة، الزوارق المجهزة، والألغام البحرية.

من جانبه، أكد رئيس شعبة الصحافة العسكرية بالقوات الحكومية المقدم رشاد المخلافي، لـ"المدن"، أن الهجمات بالصواريخ الباليستية "تقوّض نهائياً آمال السلام"، مشيراً إلى أن الحوثيين ينفذون أجندة قادمة من خارج الحدود ترتبط بالتنسيق بين التشكيلات المدعومة من إيران وحلفائها في العراق، وهو ما يُعرف بقوس الضغط الممتد حول المملكة.

وقال مسؤول سعودي لشبكة "سي إن إن"، إن المملكة تستعد لهجوم كبير ومنسق من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في العراق واليمن، وبدعم من الحرس الثوري الإيراني.

 

المآلات المستقبلية 

تضع هذه التطورات الميدانية الخيارات السياسية في طريق مسدود، فيما يرى معظم المراقبين أن سيناريو العودة إلى الحرب الشاملة بات الأكثر ترجيحاً.

ويقول جلال إن هذه التطورات تضع الرياض أمام معضلة أمنية متعددة الجبهات؛ إذ تمتد دائرة الضغط من الحوثيين جنوباً إلى الفصائل العراقية شمالاً وطهران شرقاً. 

وتؤكد القراءات العسكرية أن الاستمرار في سياسة "إدارة الصراع" والتسامح مع الهجمات الحوثية المستمرة سينتهي بتطبيع أخطار الملاحة وأصول الطاقة الشرقية والغربية، وقبول استنزاف القوات الحكومية وتجريدها من قدراتها الدفاعية، فيما خيار المواجهة الشاملة قد يعيد إشعال حرب سعت السعودية للخروج منها، لأن إطلاق عملية عسكرية واسعة ينطوي على مخاطر الخوض في حرب استنزاف طاحنة ومكلفة على المستويات الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل غياب منظومة دفاع جوي تكاملية واستمرار تدفق السلاح، قد تجد الحكومة اليمنية والتحالف العربي أنفسهما مساقين نحو خيارات حاسمة ومواجهة مباشرة لإعادة تنظيم خارطة السيطرة العسكرية الميدانية وفرض واقع جديد على الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث