الريس حنفي أوف أميركا!

ترامب (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

على طريقة الريس حنفي في فيلم ابن حميدو، راح جمهور السياسة في الشرق الأوسط يحصي عدد المرات التي تراجع فيها الرئيس دونالد ترامب عن إنذاراته وتهديداته لإيران بمحوها من فوق الخريطة ما لم تفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بصورة فورية، يعني "الآن"، ونهائية، يعني "إلى الأبد"، لكن إيران لم تتجاوب مع وعيد ترامب ولا مع وعوده، فلا هي استجابت لشروط الريس ترامب، ولا سقطت فوق رؤوسها عناقيد الغضب الملحمي، إذ كان الريس ترامب يترسم خطى الريس حنفي، الذي كان يتوعد زوجته في كل مرة، مؤكداً أن كلمته "لا يمكن تنزل الأرض أبداً"... لكنه كان كلما خشي تهديدات زوجته، ونظرات الوعيد الملتهبة من عينيها، بينما تصرخ محذرة "حنفي!!"، فيرد في انصياع مذل: "خلاص ح تنزل المرة دي!!".

 

بات المشهد في ساحة الحرب الأميركية- الإيرانية، عبثياً بدرجة غير مسبوقة. ففي كل مرة كان يجري فيها تسخين المشهد الإقليمي، وتصعيد مقدماته عند مستوى حافة الإنفجار، كانت يد "الريس حنفي أوف أميركا"، تمتد، لتمنع انفجاراً مزعوماً، ولتحرم عشاق الفرجة في الإقليم وما حوله من لحظة الذروة في الدراما الشرق أوسطية.

مستوى الاحتراف في الأداء السياسي في الأزمة، التي فجرتها مغامرة ترامب -نتنياهو في 28 شباط/فبراير الماضي، بدا هزيلاً ومفتقراً الى أدنى مستويات الفكر الاستراتيجي، وما زال حتى لحظة كتابة هذه السطور، عنواناً لأزمة أنتجتها القوة العظمى الوحيدة، ثم فشلت مراراً في إدارتها، دون أن تحقق أياً من أهدافها المعلنة والمعروفة، فلا هي عطّلت برنامج إيران الصاروخي، ولا هي أجهزت على برنامج إيران النووي، ولا هي مزقت أذرع إيران في الاقليم، بل إنها أيقظت مضيق هرمز من رقدة العدم، فأصبح باعتراف خصوم إيران وحلفائها، أقوى من ورقتها النووية المثيرة للجدل.

 

ورقة مضيق هرمز سلاح ردع قابل للاستخدام طول الوقت، بينما ورقة ملف طهران النووي، سلاح تهويش مهمته الحقيقية تعزيز مصداقية أسلحة الردع الايرانية الأخرى غير النووية. 

تراجع الريس ترامب في الدقائق الأخيرة، عن شن حرب واسعة قال عنها إنها لن تُبقي ولن تذر، ليس خياراً وضعته الصدفة في طريق الغضب الملحمي، وإنما هو قرار استقر عليه ترامب وفريقه منذ إخفاقهم الأول في حرب الإثني عشر يوماً، حين أدرك ترامب أن إيران ليست فنزويلا وأن خامنئي (الأب ثم الإبن) ليسا نيكولاس مادورو.

 

سيناريو التصعيد المتكرر، ومعظمه شفهي، قابل للتكرار، وسوف يتكرر طالما ضغطت ورقة الانتخابات النصفية الأميركية، ولا أعرف إن كان بوسع أحدكم أن يعرف كم عدد المرات منذ نهاية حرب الاثني عشر يوماً، التي نزل فيها دونالد ترامب عن وعيده وتهديده لإيران بضربات ساحقة ماحقة؟!

أتحدى أن يكون لدى أي منكم تقدير شافٍ، وافٍ، عن عدد الإنذارات والتهديدات، التي وجهها ترامب ثم تراجع بنفسه عنها، والتي أصبح الشارع العربي يتعامل معها، كما اعتاد ان يتعامل مع تهديدات الريس حنفي، التي يعلو صخبها بمقدار كاف "لنزولها الأرض المرة دي". 

 

إعلان ترامب "موافقته" على "إلغاء" قرار الحرب قبل دقائق من موعد مفترض لإشعالها، والأسباب التي ساقها لتراجعه عن الضرب، تكشف عن مأزق فضحته زلات اللسان عند الرئيس الأميركي، فهو يقول إنه وافق على إلغاء قرار الحرب، مقابل "إمكانية التوصل سريعاً الى اتفاق". أي أنه تراجع عن حرب دارت محركاتها بالفعل، مقابل "احتمال" التوصل سريعاً إلى اتفاق دون سقف زمني معلوم. 

بورصة التوقعات قبل تراجع الريس ترامب عن تهديداته بحرب لن تبقي ولن تذر، كانت ترجح شن حرب واسعة قد تشمل تدمير الأهداف النووية الايرانية مجدداً، ما حفز نتنياهو على الإشادة بالمحادثات التي أجراها مع الرئيس الأميركي في واشنطن. وقال نتنياهو إنه أجرى "واحدة من أفضل المحادثات مع ترامب". أما الرئيس الأميركي فقد عمد إلى مصادرة حرية نتنياهو في تأييد خططه بإلغاء قرار الحرب على إيران، معتبراً أن ما يقبله ترامب مستحيل ان يرفضه نتنياهو الذي تلقى تطمينات أميركية بعدما أعرب عن قلقه بسبب معلومات استخباراتية بشأن محادثات سرية بين واشنطن وطهران!

 

تكرار التردد، والتراجع، وانتحال أسباب التوقف عن المضي قدماً في ضغوط عسكرية ضد إيران، بهدف حملها على التخلي عن برنامجها النووي وتقييد برنامجها الصاروخي، يثير مخاوف أصدقاء واشنطن في الشرق الأوسط، ويعزز ميلاً لديهم للبحث عن حلفاء جدد أو صيغ جديدة للتحالف داخل الإقليم، طلباً للأمن.

بل إن مخاوف دول الجوار الايراني بشأن مستقبل العلاقة بين إيران وجيرانها العرب بصفة خاصة، بعد انتهاء الحملة الأميركية، باتت هاجساً يعوق أحياناً محاولات واشنطن وتل ابيب لتغيير النظام في إيران أو حتى لتغيير أفكاره.

بقاء الحقائق الكبرى في الاقليم دون تغييرات جذرية، في التوجهات، أو في موازيين القوى، يرشح الإقليم إلى حالة من السيولة الممتدة، قد تضطر الدول المركزية معها، بما فيها تركيا ومصر والسعودية وحتى إسرائيل، إلى خوض سباق تسلح، وبناء تحالفات جديدة، أو توسيع وتعميق تحالفات قائمة.

الشرق الأوسط يتغير، أما حنفي الذي ظنّ أن البراغماتية عنده لا يعيبها أو ينتقص منها عجزه عن التقدم، واستسهاله للتراجع، فما زال يفتش عن نصر منخفض التكلفة، أو حتى خسارة مجانية، يحاول بمهاراته التسويقية أن يجعلها انتصاراً لا يقدر عليه سواه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث