قراءة في تنامي التعاون الدفاعي بين الدول العربية وباكستان

وائل عوادالجمعة 2026/08/07
صواريخ باكستان (Getty)
تمتلك جيشًا يُعد أحد أكبر الجيوش في العالم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يأتي الحديث عن اهتمام عدد من الدول العربية بتوسيع التعاون الدفاعي مع باكستان في سياق التحولات الأمنية العميقة التي تشهدها المنطقة عقب الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. فقد أعادت تلك الحرب رسم أولويات الأمن القومي لدى العديد من دول الخليج والشرق الأوسط، وأبرزت الحاجة إلى تنويع مصادر التسليح وبناء شراكات دفاعية تتجاوز الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة والدول الغربية.

وتتمتع باكستان بعدد من المزايا التي تجعلها شريكًا جاذبًا للدول العربية. فهي قوة نووية، وتمتلك جيشًا يُعد أحد  أكبر الجيوش في العالم، إضافة إلى خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب والاعمال الاستخباراتية ي، وصناعة دفاعية متطورة نسبيًا تشمل الطائرات المسيّرة، والصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، والمدرعات، فضلًا عن قدرتها على تقديم برامج تدريب وتأهيل للقوات المسلحة بتكاليف أقل من العديد من الموردين الغربيين.

كما أن العلاقات التاريخية بين باكستان ودول الخليج تمنح هذا التعاون بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا. فقد شارك ضباط وخبراء عسكريون باكستانيون لعقود في تدريب القوات المسلحة في عدد من الدول الخليجية، بينما استضافت باكستان مناورات عسكرية مشتركة وعززت التعاون الاستخباراتي والأمني مع شركائها العرب.

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن تقوم هذه الشراكات على معادلة متكاملة تقوم على الأمن مقابل الاستثمار والطاقة؛ في الدول العربية توفر لباكستان احتياجاتها من الطاقة، وتستثمر في بنيتها التحتية واقتصادها، بينما تقدم إسلام آباد خبراتها العسكرية ومنتجاتها الدفاعية، وهو نموذج يعزز المصالح المتبادلة للطرفين.

غير أن هذا التوجه لا يخلو من تحديات. في الدول العربية حريصة على عدم الإخلال بتوازن علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي لا تزال الضامن الأمني الرئيسي لكثير من دول الخليج العربية، كما أن أي تعاون عسكري واسع مع باكستان سيأخذ في الاعتبار علاقاتها المعقدة مع الهند، التي ترتبط بدورها شراكات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع عدد من الدول العربية.

كما أن إيران ستراقب عن كثب أي توسع في التعاون الدفاعي العربي–الباكستاني، خصوصًا إذا شمل أنظمة صاروخية أو دفاعية متقدمة، لما قد يحمله ذلك من انعكاسات على ميزان القوى الإقليمي.

في المقابل، قد تنظر واشنطن بإيجابية إلى جوانب من هذا التعاون إذا كان يساهم في تعزيز القدرات الدفاعية لحلفائها دون أن يتعارض مع ترتيباتها الأمنية في المنطقة، بينما قد ترى فيه الصين فرصة لتعزيز حضورها غير المباشر، نظرًا للعلاقات الاستراتيجية الوثيقة التي تربطها بباكستان.

في المحصلة، فإن تنامي التعاون الدفاعي بين بعض الدول العربية وباكستان لا يعكس مجرد صفقات تسليح، بل يشير إلى إعادة تشكيل للهندسة الأمنية الإقليمية في مرحلة تتسم بارتفاع مستوى التهديدات وتعدد مراكز القوة. ويبقى مستقبل هذه الشراكات مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن الوطني، والتحالفات الدولية، والاستقرار الإقليمي، في ظل نظام دولي يتجه تدريجيًا نحو تعدد الأقطاب.

 

أولًا: إيران بين القلق ومحاولة الاحتواء، ستنظر طهران إلى أي تعاون دفاعي عربي–باكستاني من زاويتين:

  • الزاوية الأمنية: إذا اقتصر التعاون على التدريب، والتصنيع العسكري، والدفاع الجوي، فقد تراقبه إيران بحذر دون اعتباره تهديدًا مباشرًا. أما إذا تطور إلى نشر أنظمة دفاعية متقدمة أو تعاون استخباراتي واسع، فقد تعتبره جزءًا من منظومة ردع موجهة ضدها.

  • الزاوية السياسية: إيران تدرك أن باكستان حرصت تاريخيًا على عدم الانخراط في أي مواجهة عسكرية ضدها، رغم علاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، كما أن البلدين يشتركان في حدود طويلة ومصالح أمنية، وهو ما يدفع إسلام آباد عادة إلى اتباع سياسة توازن.

     

ثانيًا: تل أبيب ترحيب حذر ورفض مبطن، فهي تنظر إلى هذا التقارب من زاويتين متباينتين: إذا أدى إلى تعزيز قدرات الدول العربية المعتدلة في مواجهة التهديدات الإقليمية، فقد لا تعارضه، خاصة في ظل التقارب الذي شهدته علاقاتها مع عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة.لكن إسرائيل ستبقى حذرة من نقل تقنيات عسكرية متطورة أو صاروخية قد تغير موازين القوى، كما ستراقب أي تعاون يمكن أن ينعكس على التفوق العسكري النوعي الذي تحرص على الحفاظ عليه.

 

ثالثًا: تركيا منافسة على النفوذ

تركيا تعد اليوم من أبرز موردي الصناعات الدفاعية للدول العربية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة والمدرعات والسفن العسكرية. لذلك قد ترى في توسع الدور الباكستاني: منافسة مباشرة لصادراتها الدفاعية.تحديًا لنفوذها العسكري والسياسي في الخليج والعالم العربي. وفي المقابل، قد تسعى أنقرة إلى تعزيز تعاونها الثلاثي مع باكستان وبعض الدول العربية، مستفيدة من علاقاتها الدفاعية الوثيقة مع إسلام آباد.

 

رابعًا: الهند متابعة دقيقة

الهند ستكون من أكثر الدول متابعة لهذا التطور، ليس خوفًا من تهديد مباشر، وإنما بسبب:المنافسة الاستراتيجية مع باكستان. العلاقات الاقتصادية المتنامية مع دول الخليج، التي أصبحت من أهم شركائها التجاريين وموردي الطاقة.وجود ملايين الهنود العاملين في دول الخليج، وهو ما يجعل استقرار المنطقة أولوية بالنسبة لنيودلهي.ومن غير المرجح أن يؤثر التعاون الدفاعي العربي–الباكستاني وحده على العلاقات الهندية–العربية، لكنه قد يدفع نيودلهي إلى تعزيز حضورها الدفاعي والدبلوماسي في المنطقة.

 

خامسًا: الولايات المتحدة قبول مشروط

إذا ظل التعاون ضمن إطار الدفاع التقليدي وبناء القدرات، فقد تنظر إليه واشنطن باعتباره مساهمة في تعزيز أمن شركائها.

لكنها قد تتحفظ إذا: قلل من اعتماد حلفائها على المنظومات الغربية. أو أدى إلى نقل تقنيات لا تتوافق مع سياسات الرقابة الأمريكية.أو فتح المجال أمام نفوذ صيني غير مباشر عبر الشراكة الاستراتيجية بين بكين وإسلام آباد.

 

سادسًا: الصين فرصة لتعزيز نفوذها

بكين قد ترى في تنامي الدور الباكستاني فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي بصورة غير مباشرة، نظرًا للعلاقة الاستراتيجية العميقة التي تربطها بإسلام آباد. إلا أن الصين ستحرص أيضًا على ألا يؤدي ذلك إلى توترات تضر بمصالحها الاقتصادية مع دول الخليج أو مع إيران، حيث تعتمد على جميع هذه الأطراف في أمن الطاقة ومبادرة "الحزام والطريق".

 

هل يولد محور أمني جديد؟

في ضوء الاضطرابات الأمنية التي تشهدها المنطقة، والحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما كشفته التطورات الأخيرة من حدود القدرة الأمريكية على توفير مظلة أمنية مطلقة لحلفائها في الخليج، يبدو أن دول المنطقة باتت أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية.

ومن المبكر الحديث عن تحالف عسكري عربي–باكستاني متكامل، فلكل دولة عربية حساباتها الوطنية وتحالفاتها ومصالحها الخاصة. لكن تنامي التعاون في مجالات التدريب العسكري، والتصنيع الدفاعي المشترك، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، قد يمهد لولادة شبكة تعاون أمني ودفاعي أكثر اتساعاً، لا تستهدف بالضرورة إلغاء الشراكات القائمة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تسعى إلى تقليل الاعتماد على طرف واحد وتنويع مصادر القوة والحماية.

لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن الأمن لا يمكن أن يقوم على الوعود وحدها، وأن الدول، عندما تشعر بأن مصالحها الحيوية مهددة، تبحث عن بدائل وخيارات متعددة. وفي ظل نظام دولي يتجه بسرعة نحو تعدد مراكز القوة، قد نشهد خلال السنوات المقبلة انتقالاً تدريجياً من مفهوم التحالفات التقليدية إلى مفهوم الشراكات الأمنية المرنة والمتعددة.

وربما يكون السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس: من سيحل محل الولايات المتحدة؟ بل: هل تستطيع دول المنطقة بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقلالية، تتشارك فيها دول الخليج والدول العربية وباكستان وغيرها، وتستند إلى قدراتها الذاتية، من دون الارتهان الكامل لأي قوة عظمى؟

إذا كان الجواب نعم، فقد تكون التطورات الراهنة بداية ولادة توازن أمني جديد في المنطقة. أما إذا بقيت الدول العربية تعتمد على المظلات الخارجية وحدها، فإن كل أزمة جديدة ستعيد طرح السؤال نفسه: من يحمي المنطقة عندما تتغير حسابات القوى الكبرى؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث