يمثل فوز عبد الرحمن "عبدول" السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان أكثر من مجرد نتيجة محلية. فقد هزم النائبة هالي ستيفنز، مرشحة المؤسسة الحزبية، بعدما حصل على نحو 48.5% من الأصوات مقابل 47.5% لها، بفارق يقارب 15 ألف صوت من أكثر من 1.5 مليون. وجاء ذلك رغم دعم شخصيات بارزة لستيفنز، بينها حاكمة الولاية غريتشن ويتمر وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، إلى جانب إنفاق خارجي غير مسبوق.
لا يعني الفوز أن الجناح التقدمي اليساري أحكم سيطرته على الحزب، ولا أن نفوذ الجماعات المؤيدة لإسرائيل انتهى. لكنه أسقط، للمرة الأولى بهذا الوضوح في ولاية متأرجحة، افتراضاً سياسياً طالما حكم الانتخابات الديمقراطية، أن الأموال الضخمة قادرة دائماً على معاقبة منتقدي إسرائيل وإخراجهم من المنافسة.
هزيمة لأيباك وحدود قوة المال السياسي
أنفقت لجنة مشروع الديمقراطية المتحدة، التابعة لأيباك، نحو 32 مليون دولار لدعم ستيفنز ومهاجمة عبدالرحمن السيد، وهو أكبر تدخل للجماعة في سباق انتخابي واحد. أما إجمالي الإنفاق الذي استفادت منه ستيفنز، من حملتها ومن جماعات خارجية متعددة، فقد تجاوز 60 مليون دولار وفق تقديرات إعلامية، لكنه لا يعود كله إلى أيباك. حول السيد هذا الاختلال المالي إلى محور لحملته، مقدما السباق باعتباره مواجهة بين الناس والمال.
لكن النتيجة تكشف وجها آخر أيضا. فقد كان فوز السيد أضيق كثيرا مما توقعته استطلاعات الرأي الأخيرة، ما يرجح أن الإنفاق المؤيد لستيفنز نجح في تقليص الفارق، وإن عجز عن قلب النتيجة. لذلك نحن أمام تراجع لقدرة أيباك على فرض مرشحها، لا انهيار لنفوذها المالي والمؤسسي.
اليسار يخرج من الدوائر الآمنة
تكمن الأهمية الاستراتيجية للفوز في أنه تحقق على مستوى ولاية متأرجحة، وليس داخل دائرة ليبرالية مضمونة. فقد جمع السيد بين الدعوة إلى الرعاية الصحية الشاملة، وفرض ضرائب أكبر على الأثرياء، ومواجهة أموال الشركات، ورفض المساعدات العسكرية الأميركية غير المشروطة لإسرائيل. وبذلك أثبت أن الخطاب التقدمي قادر على بناء أكثرية في انتخابات تمهيدية واسعة، حتى في ساحة وطنية شديدة التنافس.
ويعزز فوز ويليام لورنس في الدائرة السابعة بميشيغان هذه القراءة. فالمرشح المدعوم من بيرني ساندرز والمؤيد لوقف تسليح إسرائيل فاز بنحو 44%، رغم أكثر من 4.5 ملايين دولار من الإنفاق الخارجي ضده ولمصلحة منافسيه، بينها أكثر من مليون دولار مرتبطة بجماعة الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل.
أصبح من الصعب على قيادة الحزب اعتبار هذه الانتصارات ظاهرة محصورة في نيويورك أو المدن الليبرالية. غير أن الاختبار لم يكتمل بعد، نجاح عبد السيد ولورنس في الانتخابات العامة هو الذي سيحدد ما إذا كان اليسار قد اكتسب نموذجاً انتخابياً قابلاً للتوسع، أم حقق انتصاراً داخلياً لا يمكن نقله إلى مواجهة الجمهوريين.
انقسام يهودي ومؤسسة مضطرة إلى التكيف
ليس دقيقاً تقديم فوز عبد السيد باعتباره هزيمة لليهود الأميركيين، بل هو هزيمة انتخابية لجماعات ضغط مؤيدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها أيباك. فالناخبون اليهود لا يشكلون كتلة سياسية واحدة، كما أنهم يمثلون نحو 1.4% فقط من ناخبي ميشيغان، ولا تتوافر استطلاعات خروج موثوقة تحدد اتجاه تصويتهم في هذه الانتخابات.
مع ذلك، حظي السيد بدعم حركة يهود من أجل عبدول والنائب اليهودي السابق آندي ليفين، بينما عارضه يهود آخرون بشدة. ويكشف ذلك عن انقسام متزايد بين مؤسسات يهودية تربط أمن إسرائيل باستمرار الدعم الأميركي، ويهود تقدميين يرفضون مساواة اليهودية بتأييد الاحتلال أو الحرب على غزة.
وظهرت أولى نتائج التحول في سرعة التفاف قيادة الحزب حول عبدالرحمن السيد بعد فوزه. فالشخصيات والمؤسسات التي دعمت ستيفنز اضطرت إلى التعامل معه مرشحاً شرعياً في سباق حاسم للسيطرة على مجلس الشيوخ. ولا يعني ذلك أن القيادة تبنت برنامجه، بل إنها باتت أمام معادلة جديدة، إما استيعاب اليسار وقاعدته الشابة والعربية والتقدمية، أو المجازفة بخسارة ميشيغان.
وقد يمنح هذا الواقع منتقدي السياسة الإسرائيلية داخل الكونغرس مساحة أكبر للمطالبة بفرض شروط على المساعدات العسكرية، ووقف إرسال الأسلحة المستخدمة ضد المدنيين، وربط الدعم الأميركي لإسرائيل باحترام القانون الدولي. فقد أثبت السيد أن مواجهة أيباك لم تعد تعني بالضرورة الانتحار الانتخابي، وأن الناخب الديمقراطي قد يعاقب التدخل المالي الخارجي بدلا من الاستجابة له.
مع ذلك، يبقى الاختبار الحاسم في نوفمبر، عندما يواجه السيد الجمهوري مايك روجرز. فإذا خسر، ستستخدم المؤسسة النتيجة لتأكيد حجتها التقليدية بشأن ضعف قدرة اليسار على الفوز في الولايات المتأرجحة. أما إذا انتصر من دون التخلي عن برنامجه، فسيتحول فوزه من تمرد ناجح إلى نموذج وطني قابل للتكرار.
لذلك، لم ينهِ عبدالرحمن السيد نفوذ أيباك، لكنه كسر فيتو ظل يلاحق منتقدي إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي. وإذا انتصر في تشرين الثاني/ نوفمبر، فلن يكون السؤال ما إذا كان اليسار قادراً على الفوز داخل الحزب، بل ما إذا كانت المؤسسة نفسها مضطرة إلى التحرك نحو اليسار للحفاظ على وحدتها وقاعدتها الانتخابية.




