لم يكن فوز عبد الرحمن السيد، الطبيب الأميركي من أصول مصرية في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان مجرد انتصار انتخابي عادي، بل بدا كأنه زلزال سياسي امتدت ارتداداته من ديترويت إلى واشنطن، وصولاً إلى تل أبيب. فالنتيجة لم تمنح الحزب الديمقراطي مرشحاً جديداً لمجلس الشيوخ فحسب، بل أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر: هل بدأت الولايات المتحدة تشهد تحولاً حقيقياً في نظرتها إلى إسرائيل، بعد عقود من الإجماع السياسي الذي جعل دعمها أحد ثوابت السياسة الأميركية؟
السيد، المعروف بمواقفه المنتقدة للحكومة الإسرائيلية، والداعي إلى وقف تصدير الأسلحة الأميركية إليها، والرافض لنفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) داخل الحياة السياسية، نجح في حسم واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية تكلفةً في تاريخ مجلس الشيوخ، متقدماً على منافسته هايلي ستيفنس، التي حظيت بدعم واسع من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. ووفق النتائج النهائية، حصل السيد على نحو 48.7% من الأصوات مقابل 46.3% لستيفنس، بينما ذهبت النسبة المتبقية لمرشحين آخرين.
ولم يكن مستغرباً أن تأتي أولى ردود الفعل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اعتبر أن فوز السيد يمثل "أخباراً رائعة للحزب الجمهوري"، وهاجمه بوصفه "الشيوعي الذي يكره اليهود وإسرائيل"، معتبراً أن الديمقراطيين سيدفعون ثمن هذا الخيار في الانتخابات المقبلة.
كما انضم نائب الرئيس جاي دي فانس إلى منتقدي السيد، قائلاً: "لا قدر الله أن يصبح عبد الرحمن السيد رئيساً بعد ثلاث سنوات.. لا نريده أن يلغي كل العمل المذهل الذي نقوم به".
أما أيباك، التي دعمت منافسته خلال الانتخابات التمهيدية، فأكدت أن المعركة لم تنته بعد، مشددة على أن أعضاءها "مصممون على ضمان رفض الناخبين للدكتور السيد وأجندته الراديكالية المعادية لإسرائيل في نوفمبر".
بدوره، وصف المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز منافسه الديمقراطي بأنه يقود "حركة قائمة على التعصب الأيديولوجي"، في مؤشر إلى أن الانتخابات العامة لن تكون مجرد منافسة بين حزبين، بل مواجهة مفتوحة حول قضايا السياسة الخارجية الأميركية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل.
في المقابل، رأى السيناتور بيرني ساندرز أن ما حدث يتجاوز مجرد فوز انتخابي، مؤكداً أن السيد "واجه طبقة المليارديرات بأكملها، وواجه إنفاقاً تجاوز 60 مليون دولار ضده، وفاز"، في إشارة إلى حجم الأموال التي صُرفت لإسقاطه خلال الانتخابات التمهيدية.
أما عبد الرحمن السيد، فقد اختصر المشهد كله في خطاب النصر، حين قال: "أنفقوا مبلغاً غير مسبوق لهزيمتنا.. واجهنا آلة لا يفترض أن يكون بمقدورنا التغلب عليها"، في رسالة اعتبرها كثيرون تلخيصاً لمعركة لم تكن مع منافسة انتخابية فقط، بل مع منظومة سياسية ومالية وإعلامية كاملة.
لكن أهمية هذا الفوز لا تكمن في هوية الفائز وحدها، ولا في حجم الأموال التي أُنفقت ضده، بل في كونه جاء متزامناً مع تحول متسارع تكشفه استطلاعات الرأي الأميركية منذ سنوات، يظهر تراجعاً غير مسبوق في صورة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي، ولا سيما بين الشباب والديمقراطيين، وهو ما يفسر جانباً كبيراً من حالة القلق التي رافقت صعود السيد.
ففي الوقت الذي صوّر فيه البعض انتصار عبد الرحمن السيد على أنه حدث استثنائي، تشير البيانات والدراسات إلى أنه قد يكون نتيجة طبيعية لمسار بدأ قبل سنوات، مع اتساع الفجوة بين الرأي العام الأميركي والسياسات التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما في عهد بنيامين نتنياهو.
ففي نيسان/ أبريل الماضي، نشر "مركز بيو للأبحاث" نتائج استطلاع أظهر أن نحو 60% من الأميركيين يحملون اليوم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بينما قال 59% إنهم لا يثقون، أو يثقون بدرجة محدودة جداً، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهي نتائج لم تأتِ من فراغ، بل تعكس مساراً متواصلاً من التراجع في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة.
ولعل المفارقة أن هذا التحول لم يبدأ مع حرب غزة الأخيرة، بل تعود مؤشراته إلى سنوات سابقة. ففي عام 2019، حذرت صحيفة "هآرتس"، استناداً إلى استطلاع آخر لمركز بيو، من أن إسرائيل بدأت تخسر تدريجياً تأييد الحزب الديمقراطي بسبب سياسات نتنياهو، بعدما أظهر الاستطلاع أن ثلثي الديمقراطيين ينظرون بسلبية إلى حكومته.
ورأت الصحيفة آنذاك أن إسرائيل تحولت، للمرة الأولى، إلى قضية خلافية بين الحزبين الأميركيين، بعد أن كانت تحظى لعقود بإجماع شبه كامل داخل واشنطن. وخلصت إلى أن الرهان التقليدي للوبي المؤيد لإسرائيل على دعم الحزبين معاً بدأ يتآكل، محذرة من أن نتنياهو قد يكسب تأييد الجمهوريين، لكنه يخسر في المقابل الحزب الذي يحظى بتأييد غالبية الشباب الأميركي.
من استطلاعات الرأي إلى صناديق الاقتراع
ما كشفته نتائج انتخابات ميشيغن لم يكن حدثاً منفصلاً عن السياق العام، بل بدا انعكاساً مباشراً لتحولات تراكمت داخل المجتمع الأميركي خلال السنوات الأخيرة. فالتغير في المزاج الشعبي تجاه إسرائيل لم يعد مجرد انطباعات أو مواقف فردية، بل أصبح موثقاً بسلسلة من استطلاعات الرأي والدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث وصحف ومؤسسات غربية وإسرائيلية، جميعها تشير إلى اتجاه واحد: تراجع غير مسبوق في التأييد الشعبي لإسرائيل، ولا سيما بين الأجيال الشابة.
في أيلول/ سبتمبر 2025، نشرت مجلة "ذي إيكونوميست" افتتاحية بعنوان "كيف تفقد إسرائيل أميركا"، رأت فيها أن الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل يشهد تآكلاً متسارعاً، رغم تأكيد بنيامين نتنياهو المستمر على متانة التحالف مع واشنطن.
واستناداً إلى البيانات التي استعرضتها المجلة، ارتفعت نسبة الأميركيين الذين يحملون رأياً سلبياً تجاه إسرائيل إلى 53%، بعدما كانت 42% فقط عام 2022، بينما رأى 43% من الأميركيين أن ما يجري في قطاع غزة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
ولم تقتصر ملاحظات المجلة على الأرقام، بل رأت أن إسرائيل تواجه تحدياً أكثر خطورة يتمثل في تراجع التأييد داخل قواعدها التقليدية، إذ بدأت قاعدة الإنجيليين، التي لطالما شكلت إحدى ركائز الدعم السياسي لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري، تشهد تغيراً واضحاً بين الأجيال الشابة. كما اعتبرت أن نتنياهو، من خلال ربط إسرائيل بصورة متزايدة بالمعسكر الجمهوري، أضعف الإجماع الحزبي الذي شكّل لعقود مصدر قوة العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
ومع دخول العام 2026، بدت الصورة أكثر وضوحاً. فقد أظهرت أحدث استطلاعات مركز بيو للأبحاث أن نحو 60% من الأميركيين ينظرون اليوم إلى إسرائيل بصورة سلبية، بينما كشفت استطلاعات أخرى أجرتها شبكة NBC أن ثلاثة أرباع الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يشعرون بأنهم أقرب إلى الفلسطينيين منهم إلى الإسرائيليين.
وتزداد أهمية هذه الأرقام إذا ما أُخذ العامل العمري في الحسبان. فكلما انخفض متوسط العمر، ارتفعت نسبة المواقف السلبية تجاه إسرائيل، وهو ما يعني أن التحول لا يرتبط بحدث سياسي عابر، إنما يعكس تغيراً قد يستمر مع انتقال هذه الأجيال إلى مواقع أكثر تأثيراً في الحياة السياسية الأميركية.
وتؤكد بيانات عام 2026 هذا الاتجاه بصورة أكثر وضوحاً، إذ ينظر نحو 70% من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً إلى إسرائيل بصورة سلبية، فيما ارتفعت هذه النسبة بشكل لافت حتى بين الشباب الجمهوريين، لتصل إلى 60%، بعدما كانت تقارب 35% فقط قبل أربعة أعوام.
أما داخل الحزب الديمقراطي، فقد أصبح هذا التحول أكثر رسوخاً. وتشير الاستطلاعات إلى أن 77% من ناخبي الحزب يعتقدون أن ما جرى في قطاع غزة يمثل إبادة جماعية، في وقت يتزايد فيه التأييد لربط المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بشروط سياسية وإنسانية، وهو طرح كان حتى وقت قريب يُعد من المحرمات داخل المؤسسة السياسية الأميركية.
وفي نهاية نيسان/ أبريل 2026، أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تحذيراً استند إلى بيانات "مركز بيو"، خلص فيه إلى أن التحولات الجارية بين الشباب الأميركي قد تؤدي، على المدى البعيد، إلى إضعاف قاعدة الدعم السياسي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
وأظهرت بيانات أخرى نُشرت بالتعاون بين معهد الدراسات الاستراتيجية في واشنطن ومركز بيو للأبحاث أن 80% من الديمقراطيين يحملون اليوم رأياً سلبياً تجاه إسرائيل، مقابل 41% من الجمهوريين.
وكانت الصورة أكثر حدة بين الشباب الديمقراطيين، إذ عبّر 85% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، و83% من الفئة العمرية بين 30 و49 عاماً، عن مواقف سلبية تجاه إسرائيل، وهي نسب غير مسبوقة في تاريخ استطلاعات الرأي الأميركية.
ولا يقتصر هذا التحول على الانتماءات الحزبية، بل يمتد أيضاً إلى المجموعات الدينية التي شكلت لعقود خزّاناً أساسياً للدعم الأميركي لإسرائيل.
فبحسب معهد الدراسات الاستراتيجية، بات الكاثوليك والبروتستانت والإنجيليون البيض ممن تقل أعمارهم عن خمسين عاماً يعبرون بصورة متزايدة عن مواقف سلبية تجاه إسرائيل. وتبدو الصورة أوضح بين الكاثوليك الشباب، حيث بلغت نسبة الآراء السلبية 74%، بينما انقسم الإنجيليون البيض تحت سن الخمسين للمرة الأولى تقريباً بالتساوي بين من يحملون رأياً إيجابياً ومن ينظرون إليها بسلبية، في تحول كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن إسرائيل لم تعد تتمتع بقاعدة شعبية مستقرة داخل أي شريحة عمرية شابة في الولايات المتحدة، وأن التراجع لم يعد يقتصر على الحزب الديمقراطي، بل بدأ يمتد تدريجياً إلى قطاعات داخل الحزب الجمهوري أيضاً.
وبينما لا يزال التحالف السياسي والعسكري بين واشنطن وتل أبيب قائماً بقوة على مستوى الحكومتين، فإن هذه المؤشرات تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التحالف عندما تصبح هذه الأجيال، ذات المواقف المختلفة، صاحبة القرار داخل البيت الأبيض والكونغرس.
عندما يسبق الرأي العام السياسة
إذا كانت استطلاعات الرأي قد رصدت التغيير في المزاج الأميركي تجاه إسرائيل، فإن المشهد السياسي في واشنطن بدأ يعكس هذا التحول بصورة متزايدة، بعدما انتقلت الانتقادات من الشارع إلى أروقة الكونغرس والبيت الأبيض.
ففي نيسان/ أبريل 2026، قاد السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز تحركاً داخل مجلس الشيوخ لوقف صفقات أسلحة جديدة لإسرائيل، عبر مشروعي قرار يستهدفان منع بيع قنابل زنة 450 كيلوغراماً وجرافات "دي-9" العسكرية، التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في هدم المباني المدنية في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. وقد شاركه في هذه المبادرة عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بينهم كريس فان هولن، وجيف ميركلي، وبيتر ويلش، في محاولة لعرقلة صفقة عسكرية تُقدَّر قيمتها بنحو 660 مليون دولار.
وقال ساندرز، في تبريره للمبادرة، إن "آخر ما ينبغي على دافعي الضرائب الأميركيين فعله اليوم هو تزويد حكومة نتنياهو بآلاف القنابل الجديدة"، معتبراً أن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب في غزة ولبنان وإيران يفرض إعادة النظر في استمرار الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل.
وفي ملف آخر لا يقل حساسية، كشفت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس عن تبدل واضح في طريقة تعاطي واشنطن مع المصالح الإسرائيلية. ففي حزيران/يونيو الماضي أكد أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستواصل مسار التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، سواء وافقت إسرائيل على ذلك أم رفضته، مشدداً على أن ما يحدد القرار الأميركي هو "ما يخدم مصلحة الولايات المتحدة"، وليس بالضرورة ما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية.
وفي الفترة نفسها، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً نقلت فيه عن مسؤولين أميركيين أن أجهزة الاستخبارات أبدت مخاوف متزايدة من نشاطات تجسس إسرائيلية خلال المفاوضات مع إيران. وبحسب التقرير، رأت بعض الدوائر الأمنية في واشنطن أن محاولات إسرائيل جمع معلومات عن الموقف الأمريكي تجاوزت الحدود المقبولة، الأمر الذي دفع وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى رفع مستوى التهديد المرتبط بتلك الأنشطة من "مرتفع" إلى "حرج"، وهو أعلى تصنيف معتمد لديها.
هذه التطورات دفعت عدداً من الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت العلاقة الأميركية الإسرائيلية بدأت تدخل مرحلة مختلفة، ليس على مستوى التحالف العسكري، وإنما على مستوى الرأي العام والبيئة السياسية التي تمنحه شرعيته.
وفي دراسة نشرها موقع "أتلنتيكو" الفرنسي في نيسان/ أبريل 2026، رأى المحللان برونو ملكي وميشيل فياض أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب لا يزال قائماً على مصالح استراتيجية عميقة، تشمل التعاون الاستخباراتي والعسكري والأمني، وهي مصالح لا تتغير بتغير نتائج استطلاعات الرأي. لكنهما أكدا في الوقت نفسه أن إسرائيل تواجه مشكلة أكثر خطورة تتمثل في التآكل المستمر لما وصفاه بـ"الرصيد الأخلاقي"، إذ تراجعت صورتها بصورة ملحوظة داخل الولايات المتحدة والعالم الغربي، حتى باتت تخسر في معركة الصورة كلما حققت مكاسب عسكرية على الأرض.
ويرى الباحثان أن العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحول هو الفجوة بين الأجيال. فالأميركيون الذين ولدوا بعد نهاية الحرب الباردة لم يعايشوا الظروف التاريخية التي تأسست فيها إسرائيل، بل نشأوا في بيئة فكرية تنظر إلى الصراعات من زاوية الاستعمار والهيمنة وحقوق الإنسان، وهو ما جعل قطاعات واسعة من الشباب تنظر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من منظور مختلف تماماً عن الأجيال السابقة.
ويتفق مع هذا التقييم الصحفي الفرنسي سيباستيان ليفي، الذي رأى أن الحرب على غزة شكّلت نقطة تحول حاسمة في الرأي العام الأميركي، بعدما ارتبطت في أذهان كثير من الأميركيين، ولا سيما الشباب، بصور الدمار والضحايا المدنيين، وبكونها تُخاض بأسلحة وتمويل أميركيين. كما اعتبر أن سياسات نتنياهو، وتحالفه مع اليمين القومي والديني المتطرف، وربطه مستقبل إسرائيل بالتيار الجمهوري، ساهمت في توسيع الفجوة مع الحزب الديمقراطي، بل وبدأت تؤثر تدريجياً في قطاعات من الجمهوريين أنفسهم.
ولعل هذا ما يجعل فوز عبد الرحمن السيد أكثر من مجرد انتصار انتخابي داخل ولاية ميشيغان. فالرجل لم يهزم منافسة ديمقراطية فقط، بل خاض معركة في مواجهة واحدة من أكثر الحملات الانتخابية إنفاقاً، في وقت كانت فيه مواقفه من إسرائيل وغزة في صلب حملته السياسية، وليس على هامشها. لذلك، بدا حجم الهجوم الذي تعرض له من ترامب، وإيباك، والجمهوريين، انعكاساً لإدراكهم أن ما جرى في ميشيغان قد لا يكون حادثة معزولة، بل مؤشراً على تغير أوسع في المزاج السياسي الأميركي.
ورغم أن التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يزال متيناً، وأن واشنطن تبقى الشريك العسكري والسياسي الأول لتل أبيب، فإن المؤشرات المتراكمة توحي بأن هذا التحالف لم يعد يحظى بالإجماع الشعبي الذي تمتّع به لعقود. فالمعارضة للسياسات الإسرائيلية لم تعد محصورة في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، بل بدأت تتسع داخل شرائح شبابية وجمهورية، كما ظهرت خلال الأشهر الأخيرة أصوات ناقدة لإسرائيل حتى داخل حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA)، التي كانت أحد أهم أسباب عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
ولذلك، فإن معركة تشرين الثاني/ نوفمبر بين عبد الرحمن السيد ومايك روجرز لن تكون مجرد سباق على مقعد في مجلس الشيوخ، بل ستكون اختباراً سياسياً لمدى عمق التحول الذي تشهده الولايات المتحدة. فإذا نجح السيد في العبور إلى مجلس الشيوخ، فسيكون ذلك أول انتصار انتخابي كبير لمرشح جعل انتقاد السياسات الإسرائيلية، والدعوة إلى تقييد المساعدات العسكرية، جزءاً أساسياً من خطابه السياسي، لا عبئاً يسعى إلى التهرب منه.
وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي تكشفه انتخابات ميشيغان. فبعد سنوات طويلة كان يُنظر فيها إلى دعم إسرائيل بوصفه أحد ثوابت السياسة الأميركية التي يصعب الاقتراب منها، بات هذا الدعم نفسه موضع نقاش داخل المجتمع الأميركي، وأصبح السياسيون أكثر حساسية لاتجاهات الرأي العام، ولا سيما بين الأجيال الشابة التي ستحدد شكل السياسة الأمريكية خلال العقود المقبلة.
قد لا تتغير العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بين ليلة وضحاها، لكن ما تغيّر بالفعل هو المزاج الذي كان يمنح تلك العلاقة حصانة سياسية شبه مطلقة. وإذا استمرت استطلاعات الرأي في الاتجاه نفسه، وتكررت تجارب انتخابية شبيهة بما حدث مع عبد الرحمن السيد، فقد تجد إسرائيل نفسها للمرة الأولى منذ عقود أمام واقع جديد: ليس خسارة حليفها الأميركي، بل خسارة الإجماع الشعبي والسياسي الذي شكّل لعقود الركيزة الأساسية لذلك التحالف.



