حددت الحكومة العراقية يوم 30 أيلول/ سبتمبر آخر مهلة لتسليم الفصائل سلاحها. وهو أمر أثار موجة من النقاشات السياسية والأمنية على الساحة العراقية، أخرج الملف من نطاق إعلان المبدأ إلى قدرة حكومة علي الزيدي على وضع آليات عملية لتنفيذه على الأرض.
وعليه باتت حكومة الزيدي أمام اختبار دونه تعقيدات كثيرة على رأسها تشابك ملف السلاح مع الدور الذي لعبته الفصائل خلال الحرب على تنظيم "داعش"، ليصبح السؤال المركزي: هل ستتمكن الحكومة الحديثة العهد بالسلطة من التوصل إلى صيغة تضمن احتكار المؤسسات الرسمية للقرار الأمني، أم أنها ستصطدم بتعقيدات سياسية وأمنية خارج حساباتها؟
بناء على ما سبق، فإن النقاش الذي تشهده الساحة السياسية في العراق حالياً يدور أساساً حول قدرة الحكومة العراقية على تحويل قرارها بشأن حصرية السلاح إلى خطوات عملية. وفيما يرى محللون عراقيون أن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة القوى على خوض حوارات بناءة لإنتاج تفاهمات داخلية تقود إلى الأهداف المرجوة، يعتبر آخرون أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة المؤسسات الأمنية العراقية على تنفيذ القرار وضمان استمراريته.
"قرار خطير"
وفي هذا السياق، يرى الباحث والمحلل السياسي عبد المنعم الحيدري المقرب من "ائتلاف دولة القانون" الذي يتزعمه نوري المالكي، أن مهلة 30 أيلول/ سبتمبر تمثل اختباراً صعباً للحكومة العراقية، "وهو قرار خطير جداً ربما يضع العراق في مأزق كبير"، ولكن على الرغم من ذلك، يشير الحيدري في حديث لـِ "المدن" إلى أنه في ظل وجود قيادات "الإطار التنسيقي"، الذي جاء بالزيدي "يمكن القول إن هذه القيادات حريصة على عدم الذهاب للصدام بسبب القرار"، وبالتالي فإن معالجة الملف تحتاج من وجهة نظره، "إلى حوارات وتفاهمات سياسية، وإلى المزيد من الوقت بعيداً عن منطق الصدام والمواجهة"، لافتاً في الوقت نفسه، إلى أن طبيعة ملف حصر السلاح وحساسيته تجعل التعامل معه مختلفاً عن الملفات الأمنية الأخرى. وبذلك فإن نجاح الحكومة، وفق الحيدري، لا يقاس بإعلان القرار فحسب، بل بقدرتها وإمكاناتها في إدارة حوار سياسي يجنّب البلاد الدخول في مواجهة داخلية.
وعن رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها، يؤكد الحيدري أن هذا الرفض نابع من قناعة لدى هذه الفصائل بأن الخطر الأكبر في العراق هو الوجود الأميركي، وعدم ثقتها بالسياسات الأميركية، وأيضاً اعتقادها بأن واشنطن تتدخل بكل قوة في القرار السياسي العراقي، من خلال الضغط على الحكومة العراقية عبر الملف الاقتصادي. ويضيف الحيدري أن الحلول يمكن أن تتمثل في الخروج الأميركي من العراق وتغيير واشنطن لسياساتها والتعامل مع العراق باعتباره دولة مستقلة ذات سيادة، من خلال علاقات ندية سياسية واقتصادية والتخفيف من هيمنتها على العراق، وبذلك تنتفي حجة الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها وتتحول إلى جزء من كيان الدولة.
إجراءات تنفيذية
وبغض النظر عن الخلاف الدائر حول آلية معالجة هذا الملف الشائك، يشير المحلل والصحافي العراقي علي الحبيب، إلى أن الحكومة العراقية لجأت إلى اتخاذ إجراءات عملية لترجمة قرارها بحصر السلاح إلى إجراءات تنفيذية، في ظل تساؤلات حول فرص نجاحها والعقبات التي قد تواجهها.
ويضيف الحبيب في حديث لـِ "المدن" أن ملف حصر السلاح هو أولوية بالنسبة لحكومة الزيدي، لافتاً إلى أهمية ارتباط المهلة المحددة بموعد 30 أيلول/ سبتمبر بانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. لكن على الرغم من ذلك فإن تنفيذ القرار يواجه وفق الحبيب، تحديات مرتبطة بمواقف بعض الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها بالإضافة إلى الظروف السياسية المحيطة بهذا الملف.
ويوضح الحبيب أن حكومة الزيدي قادرة جزئياً على المضي قدماً في معالجة هذا الملف من خلال آليات ملموسة، لافتاً في هذا الخصوص إلى تشكيل لجان مشتركة مهمتها جرد وتسليم ودمج قيادات وعناصر الفصائل المسلحة إلى جانب البدء بإجراءات فك الارتباط بين بعض الفصائل والحشد الشعبي، كما حدث في حالة عصائب أهل الحق، وفق الحبيب.
وعن القدرة والإمكانات، يؤكد الحبيب أن الحكومة تركز على استخدام قوة الدستور والقانون في موازاة الحوار، فضلاً عن ضمانات تتعلق بعمليات الدمج وعدم الملاحقة، باعتبار أن كل ذلك جزء من التسويات السياسية الهادفة إلى إنهاء الملف.
وبحسب الحبيب، تبقى هناك تحديات مرتبطة بفصائل كحزب الله وحركة النجباء، على سبيل المثال، والتي ترفض تسليم السلاح باعتبار أن ذلك استهداف للمقاومة. إلى جانب اعتبارات مرتبطة بأطراف إقليمية، وهذا الموضوع من شأنه أن يزيد من تعقيد عملية حصر السلاح لأنه يخرجها من إطارها المحلي.
غير أن اختبار حكومة الزيدي لا يقتصر على الفصائل، إذ يلفت الحبيب إلى أن الشارع العراقي يتعامل مع الملف من زاوية مرتبطة بهيبة الدولة والاستقرار الداخلي. وإذ يتحدث عن انقسام في الآراء، إلا أنه يشير إلى أن الاتجاه العام يميل إلى رفض ازدواجية السلاح لما لها من تأثير على الأمن والاستقرار وبالتالي الاقتصاد والاستثمارات التي ينتظرها العراق.
وفي ما يتعلق بالتداعيات على الحكومة حال الفشل، يحذّر الحبيب من أن عدم تحقيق تقدّم ملموس في هذا الملف من شأنه أن ينعكس سلباً على صورة الزيدي داخلياً، قد لا تكون "قاتلة فوراً" لكن على شكل انتقادات سياسية وبرلمانية وشعبية، كما يمكن أن يؤثر خارجياً على صعيد علاقة الحكومة مع واشنطن ودول الخليج العربية التي تنظر إلى حصر السلاح كعامل مرتبط بتهيئة بيئة أكثر استقراراً للاستثمار والتعاون.
وبناءً عليه، فإن نجاح الحكومة يحتاج بحسب الحبيب إلى دعم سياسي داخلي، إضافة إلى دعم دولي يؤمن لها استمرارية معالجة الملف، ليخلص إلى القول إن القضية تمثل اختباراً لقدرة الدولة العراقية على احتكار القوة والتحول من مرحلة الصراعات والسلاح إلى مرحلة الاستقرار والتنمية المستدامة.
الحاجة إلى استراتيجية طويلة الأمد
وفي موازاة النقاش السياسي يبقى جانب آخر هو أكثر حساسية والمتعلق بمدى قدرة الأجهزة الأمنية على ترجمة أي تفاهمات سياسية إلى إجراءات ملموسة على الأرض. وفي هذا الإطار يرى الباحث في الشأن السياسي والأمني عباس العرداوي، المقرب من الفصائل، أن قرار حصرية السلاح لا يتعلق بمهلة 30 أيلول فقط، "بل يتطلب استراتيجية طويلة الأمد تفترض وجود أعلى درجات التنسيق تفادياً لأي ضرر متوقع"، مذكّراً في الوقت نفسه بتجربة سابقة على هذا الصعيد، تعود للعام 2012 عندما غادرت القوات الأميركية البلاد. ويوضح لـ"المدن": "كان هناك تنسيق عالٍ بين فصائل المقاومة وبين الحكومة العراقية في ذلك الوقت، وكانت العملية سلسلة إلى درجة أنها لم تؤثر على المجتمع العراقي الذي لم يتضرر نتيجة لتلك العملية".
وإذ ينفي العرداوي وجود أي احتكاك يمكن أن يصنّف خطيراً على مستقبل حكومة الزيدي، يتحدث عن "توترات تحدث هنا وهناك"، مشيراً إلى أن ذلك بطبيعة الحال ناجم عن الضغوط الخارجية، خصوصاً الأميركية، بالإضافة إلى التوجس من الأخطار الأمنية المتعلقة باستهداف مسؤولين ومواطنين عراقيين من قبل إسرائيل، كما حدث في تجارب سابقة عدة.
وماذا عن التنفيذ؟ يرد العرداوي بأن "دون القرار تحديات كبيرة جداً ليست محصورة بالجهات المسلحة نفسها فقط، وإنما في طبيعة المؤسسات الأمنية وطبيعة تسليحها المحتكرة من قبل الجانب الأميركي". وبالتالي فإن تنظيم هذا الملف يحتاج إلى مقدمات أمنية خصوصاً لجهة تنويع مصادر تسليح القوات الأمنية والعسكرية العراقية كي لا تبقى محصورة بالجانب الأميركي وحده. وإضافة إلى ما سبق يؤكد العرداوي ضرورة بقاء ملف السلاح شأناً داخلياً ومحلياً عراقياً، بحيث "لا يجب أن يرتبط بأي أجندة خارجية أو إملاءات أميركية".
بين انتهاء المهلة في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل، وحياكة التفاهمات، ومدى قدرة حكومة الزيدي على التنفيذ، يبدو أن ملف حصر السلاح في العراق لن يكون قراراً في يوم وليلة، بل مسار يمكن أن يحدد شكل الدولة لسنوات مقبلة.




