وول ستريت جورنال: إيران تخاطر للحفاظ على نفوذها في هرمز

المدن - عرب وعالمالأربعاء 2026/08/05
Image-1773425931
إيران تراهن على هرمز كورقة ضغط على ترامب رغم مخاطر اقتصادية متصاعدة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

جعلت القيادة الإيرانية السيطرة على مضيق هرمز محور استراتيجيتها في المواجهة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن الحفاظ على نفوذها في أحد أهم الممرات البحرية لتدفقات النفط العالمية يمثل "خطاً أحمر" غير قابل للتفاوض، في رهان ترى أنه يمنحها القدرة على ردع أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي جديد، رغم ما يحمله هذا الخيار من مخاطر اقتصادية وسياسية متزايدة، بحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".

وذكرت الصحيفة أن القيادة الإيرانية توصلت إلى ما وصفته بـ"حسابات عالية المخاطر" في مواجهتها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تقوم على أن فرض السيطرة على مضيق هرمز يمنح طهران أفضل ورقة ضغط في مواجهة واشنطن، نظراً إلى الدور الحيوي للمضيق في حركة تجارة النفط العالمية.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، تعتقد طهران أن قدرتها على إلحاق الضرر بالاقتصاد الأميركي من خلال التأثير في أسواق الطاقة العالمية قد تدفع ترامب في نهاية المطاف إلى القبول بشروطها، ولا سيما في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود والتضخم داخل الولايات المتحدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي ترى القيادة الإيرانية أنها قد تحدد مستقبل رئاسته.

وترى الصحيفة أن هذه الاستراتيجية تمثل مقامرة استثنائية، لأنها تقوم على افتراض أن الرئيس الأميركي سيفضل استمرار حالة الجمود والتوتر وتقلبات الأسواق على الانزلاق إلى حرب شاملة، محذرة من أن المضي بهذه السياسة يحمل خطر سوء تقدير حدود الرد الأميركي، بما قد يهدد الاقتصاد الإيراني نفسه.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في الشأن الإيراني لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بهنام بن طالبلو، قوله إن النهج الإيراني المتشدد سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة عزلة الجمهورية الإسلامية، مضيفاً أن "نهجها المتشدد سيسهم في عزلتها على المدى الطويل".

 

انقسام داخل مؤسسات الحكم

وأفادت "وول ستريت جورنال" بوجود تباينات داخل مؤسسات الحكم الإيرانية بشأن المضي في سياسة السيطرة على مضيق هرمز، في ظل اختلاف التقديرات بين التيار المتشدد والتيار الأكثر اعتدالاً حول كلفة هذه الاستراتيجية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين وعرب، إضافة إلى مستشار في الحرس الثوري الإيراني، أن الحرس يعتبر السيطرة على مضيق هرمز أهم وسيلة متبقية لممارسة الضغط على الغرب، بعد التراجع الكبير الذي أصاب البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف شبكة الفصائل المسلحة الحليفة لطهران خلال السنوات الأخيرة.

وأضافت المصادر أن هذه القناعة تعززت بعد الهجوم المفاجئ الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط، والذي ألحق خسائر كبيرة بالقوات الإيرانية، إلا أن طهران، وفق الصحيفة، تمكنت رغم ذلك من استنزاف الولايات المتحدة عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز واستهداف أصول أميركية في منطقة الخليج.

في المقابل، نقلت "وول ستريت جورنال" عن المصادر نفسها أن مسؤولين محسوبين على التيار المعتدل داخل إيران باتوا ينظرون بقلق متزايد إلى التداعيات الاقتصادية للاستراتيجية الحالية، معتبرين أن الحصار الأميركي الذي فُرض رداً على الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز يدفع الاقتصاد الإيراني تدريجياً نحو حافة الانهيار.

وبحسب الصحيفة، يرى هؤلاء المسؤولون أن استمرار المواجهة البحرية يفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية في وقت تواجه فيه إيران بالفعل أوضاعاً معيشية صعبة، الأمر الذي يزيد حدة الخلافات داخل مؤسسات الدولة بشأن جدوى استمرار الرهان على السيطرة على المضيق باعتبارها أداة الضغط الرئيسية في مواجهة واشنطن.

وتخلص "وول ستريت جورنال" في هذا السياق إلى أن القيادة الإيرانية، رغم هذه التباينات، ما تزال تعتبر مضيق هرمز ورقتها الاستراتيجية الأهم في الصراع مع الولايات المتحدة، وتواصل التعامل معه باعتباره نقطة الارتكاز الأساسية في أي تسوية أو مواجهة مقبلة، بينما تتزايد في المقابل المخاوف داخل بعض دوائر الحكم من أن تتحول هذه الورقة إلى عبء اقتصادي وسياسي يصعب على طهران تحمله إذا طال أمد الأزمة.

 

النفط والصين والحسابات الأميركية

وبحسب "وول ستريت جورنال"، تتزايد المخاوف داخل إيران من التداعيات الاقتصادية لاستمرار المواجهة في مضيق هرمز، في وقت تشير فيه المؤشرات الاقتصادية إلى تدهور متسارع، رغم استمرار القيادة الإيرانية في اعتبار السيطرة على المضيق أداة الضغط الأكثر فاعلية في مواجهة الولايات المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن صندوق النقد الدولي توقعه أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6% خلال عام 2026، فيما يبلغ معدل التضخم السنوي نحو 69%، في وقت يواجه فيه الإيرانيون نقصاً في الوقود وسلعاً أساسية أخرى نتيجة ظروف الحرب.

وأضافت أن إحكام إيران قبضتها على مضيق هرمز أدى إلى تراجع كبير في إمدادات النفط القادمة من الخليج، إذ انخفضت تدفقات النفط عبر الخليج إلى نحو 36% من مستوياتها قبل اندلاع الحرب. إلا أن الصحيفة أشارت إلى أن الرهان الإيراني على إحداث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة لم يتحقق حتى الآن، إذ لم ترتفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل بصورة مستدامة، وهو المستوى الذي كانت طهران تعتقد أنه سيشكل ضغطاً اقتصادياً كافياً لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.

وأضافت أنه حتى مع استمرار الحوثيين المدعومين من إيران في تعطيل صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، بقيت أسعار الخام دون 80 دولاراً للبرميل حتى يوم الثلاثاء.

وذكرت "وول ستريت جورنال" أن جزءاً من صادرات النفط الخليجية أعيد توجيهه عبر مسارات بديلة لتجنب مضيق هرمز، فيما تمكن عدد محدود من السفن من العبور بعد التوصل إلى تفاهمات مع إيران، بينما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة التعريف والتتبع الخاصة بها والقيام بعبور محفوف بالمخاطر لتفادي القيود المفروضة على الملاحة.

ونقلت الصحيفة عن باربرا ليف، التي شغلت منصب كبيرة مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، قولها إن عدداً من العوامل ساهم في الحد من ارتفاع أسعار النفط، مضيفة أن "السوق النفطية كانت تعاني فائضاً كبيراً في الإمدادات منذ بداية الأزمة".

وأضافت ليف، أن الصين بدأت بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/ يونيو 2025 في قراءة المؤشرات مبكراً والاتجاه إلى تكوين مخزونات كبيرة من النفط، وهو ما ساعد على تخفيف آثار الاضطرابات اللاحقة. كما أشارت إلى أن تراجع الطلب العالمي على النفط أسهم بدوره في الحد من ارتفاع الأسعار، معتبرة أن تدمير جزء من الطلب العالمي كان من بين الأسباب التي منعت حدوث قفزة أكبر في أسعار الخام.

ورغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تهديداته السابقة بشن هجمات تعادل في حجمها "الحرب العالمية الثانية"، أوضحت "وول ستريت جورنال" أن الولايات المتحدة ما تزال تفرض حصاراً بحرياً على إيران، إلى جانب إعادة فرض عقوبات تجعل تجارة النفط الإيراني أكثر صعوبة.

وأضافت الصحيفة أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز لا يضر فقط بالدول الأخرى، بل ينعكس أيضاً على إيران نفسها، لأن صادراتها النفطية تعتمد بصورة رئيسية على المرور عبر المضيق، وهو ما يجعل استمرار الأزمة يحرم الجمهورية الإسلامية من أهم مصادر إيراداتها، في الوقت الذي يدفع دول الخليج إلى تسريع مشاريع إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن هرمز.

وفي هذا السياق، قالت الصحيفة إن الصين، التي تعد أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، لم تتدخل لإنقاذها، موضحة أن بكين خفضت مشترياتها من النفط الإيراني، الأمر الذي ساهم في إبقاء الأسعار العالمية تحت السيطرة، ولا توجد مؤشرات على أنها تعتزم زيادة وارداتها في المستقبل القريب. لكن "وول ستريت جورنال" نقلت عن محللين قولهم إن هذا الوضع قد لا يستمر، إذ إن السحب من المخزونات النفطية العالمية يجري بمعدلات قياسية، ما قد يؤدي إلى ارتفاعات مستدامة في أسعار النفط قبل نهاية العام إذا استمرت الأزمة.

وأضافت الصحيفة أن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي هبط خلال الصيف الحالي إلى أدنى مستوى له منذ أربعين عاماً، وهو ما قد يقلص قدرة الولايات المتحدة على احتواء أي صدمات جديدة في أسواق الطاقة إذا طال أمد الأزمة.

 

مساران للتسوية ودور الوسطاء الإقليميين

وبحسب "وول ستريت جورنال"، تواصل الولايات المتحدة وإيران تبني مواقف متباينة بشأن الأزمة، في وقت تتحرك فيه وساطات إقليمية لمحاولة التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تعيد فتح مضيق هرمز، تمهيداً لإحياء المسار التفاوضي الأوسع بين الجانبين.

وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن القيادة الإيرانية ترغب في التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، وصولاً في مرحلة لاحقة إلى اتفاق يفرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني، الذي بات يمثل الهدف الأحدث للحرب، وفق تعبير الصحيفة.

في المقابل، تؤكد إيران عدم وجود أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وتصر على أن الاتصالات الجارية تقتصر على المحادثات مع سلطنة عُمان، التي تقع سواحلها على الجانب الجنوبي من مضيق هرمز، لبحث إنشاء ممر بحري مؤقت وآمن يسمح باستمرار حركة السفن.

وأضافت "وول ستريت جورنال" أن طهران تطالب، في إطار هذه المباحثات، بفرض رسوم عبور على السفن التي تستخدم المضيق، في خطوة تمنحها دوراً مباشراً في إدارة حركة الملاحة.

ونقلت الصحيفة أن أحد المقترحات التي لا تزال قيد البحث ينص على أن السفن المتجهة إلى الخليج العربي تدخل عبر المياه الإقليمية الإيرانية، بينما تعبر السفن المغادرة عبر المياه الإقليمية العُمانية من دون دفع رسوم، في محاولة للتوفيق بين المطالب الإيرانية وضمان استمرار حركة الملاحة.

ووفقاً للصحيفة، يأمل الوسطاء في مصر وباكستان وقطر أن يتيح التوصل إلى حل مؤقت بشأن الملاحة في مضيق هرمز تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن الملفات الأوسع.

وفي هذا السياق، نقلت "وول ستريت جورنال" عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله إن الإدارة الأميركية تنظر إلى المفاوضات على مرحلتين منفصلتين، موضحاً أن "هناك الاتفاق الكبير، وهو المتعلق بالطموحات النووية الإيرانية".

وأضاف روبيو، بحسب الصحيفة، أن "الاتفاق العاجل، وهو الذي يحظى حالياً بالتركيز الأكبر، يتعلق بالمضائق"، في إشارة إلى أولوية معالجة أزمة مضيق هرمز قبل الانتقال إلى الملف النووي.

ورأت الصحيفة أن تصريحات روبيو تنسجم مع رغبة الرئيس ترامب في إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل قبل استئناف المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني. كما نقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين، في أحاديث خاصة، أن الإدارة تسعى إلى اتباع النهج نفسه الذي أفضى إلى "مذكرة التفاهم" الموقعة في حزيران/ يونيو الماضي، والتي قامت على مبدأ وقف إطلاق النار أولاً ثم الانتقال إلى المفاوضات.

وأضافت الصحيفة أن هذا المسار تعطل بعدما فقد ترامب، وفق المسؤولين، صبره على الجهود الدبلوماسية، وقرر استئناف الهجمات ضد إيران، إلا أن الإدارة لا تزال ترى أن معالجة أزمة الملاحة في مضيق هرمز قد تشكل مدخلاً لإحياء المسار السياسي إذا نجحت الوساطات الإقليمية في التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تضمن أمن الملاحة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث