فيما تواصل واشنطن الحديث عن حقوق الإنسان في دارفور، كانت طائرات بوينغ الأميركية الصنع تقلع من قواعد حليفتها تشاد محملة بالمرتزقة والطائرات المسيرة لقوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب الإبادة الجماعية. ليس هذا اتهاماً عابراً بل ما أوردته مسودة تقرير للأمم المتحدة أوردت وكالة "رويترز" مقتطاف منه، مشيرة إلى أنه من المقرر أن تنشره الأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر المقبل.
يتحدث التقرير عن توصل خبراء أمميين إلى أن طائرات من طراز بوينغ 727، ربطتها وكالة "رويترز" بشبكة أعمال أحد المتعاقدين العسكريين الأميركيين يدعى ستيفن شوليس، نقلت مقاتلين مرتزقة وأسلحة وطائرات مسيرة لمصلحة قوات الدعم السريع السودانية. وفي المسودة تفاصيل حول الدور الذي لعبته الطائرات في دعم قوات الدعم السريع، ونقل مقاتلين تابعين لتلك القوات ومرتزقة إضافة إلى معدات عسكرية تضم مسيرات وأسلحة.
ولعل أخطر ما يكشفه التقرير هو ما يتعلق بنقل مرتزقة كولومبيين إلى مناطق القتال عبر شركة إماراتية وقد أنشأ هؤلاء المعروفين باسم "ذئاب الصحراء" قاعدة في نيالا في آذار/ مارس 2025 وقاتلوا إلى جانب قوات الدعم السريع، وشغلوا طائرات مسيرة، وشاركوا في التخطيط في أثناء حصار مدينة الفاشر في دارفور والسيطرة عليها في نهاية المطاف في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وفق التقرير. لكن متحدث باسم بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة قال لـ"رويترز" إن السلطات الإماراتية أجرت تحقيقا بشأن (المجموعة العالمية للخدمات الأمنية) ووجدت أنها "ليست ضالعة في أي نشاط للمرتزقة في السودان ولا تربطها صلات بأفراد قيل إنهم مرتزقة في السودان".
ثلاث مسائل للوجه الحقيقي
وبغض النظر فإن التقرير يكشف ضمنياً ثلاث مسائل تتعلق بالوجه الحقيقي لدور الولايات المتحدة الأميركية وشركائها في السودان:
أولاً، الوجه القذر للقطاع الخاص العسكري الأميركي، ذلك أن التقرير يربط طائرات بوينغ 727 بشركات يملكها جندي سابق في القوات الخاصة الأميركية، وهذا ليس من قبيل الصدفة، إذ إن واشنطن لديها تاريخ حافل باستخدام "المتعاقدين" كأذرع غير رسمية لتنفيذ عمليات قذرة في الخارج من أجل تفادي المساءلة المباشرة.
ثانياً، ازدواجية المعايير، إذ تتحدث الولايات المتحدة عن حقوق الإنسان كثيراً ومنها "الإبادة في دارفور"، بحسب التوصيف الأممي لما يجري في السودان، لكن في الوقت نفسه تبرز أدوار لمواطنين أميركيين وشركات يملكها متعاقدون سابقون لهم تاريخ طويل مع الحكومة الاميركية كما يفعل شوليس، في تسهيل وصول الأسلحة إلى المتهمين بالإبادة أنفسهم وفي الحالة السودانية قوات الدعم السريع. وما يعزز من هذه الفرضية أن واشنطن لم تفرض عقوبات على شوليس أو أي من شركاته إلى حد الآن بحسب ما هو متوافر من معطيات.
ثالثاً، إن مسار الطائرات بطريقة تتعمد تجنب الرصد ومن دون ترخيص تشادي، يشير إلى أن هذا يشبه أنماط العمليات السرية التي كانت تقوم بها الاستخبارات الأميركية "سي أي إيه"، بحيث إذا ما تم ربطها بواشنطن يمكن لها التنصل بسهولة من القضية. أما بالنسبة إلى تشاد فتدعي أن ما يجري ليس سوى مجرد إجراءات تتعلق بـِ "السرية الدفاعية"، لتكون بذلك قد أمّنت جانبها أيضاً.
واشنطن تتنصل من مسؤوليتها
لقد أبدعت واشنطن في التنصل من أي مسؤولية مباشرة في السودان، فلم تعمل على فرض عقوبات على مواطنيها الضالعين بالإبادة في ذلك البلد ولا على الشركات المرتبطة بها، بل على عكس ذلك تماماً غسلت يدها من دماء الضحايا الذين بلغوا مئات الآلاف بل وتسببت أسلحتها في موتهم بشكل مباشر، وفيما ترفع واشنطن نفسها فوق تلك الإبادة كان مسؤولو الإدارة الأميركية يطلقون شعارات حقوق الإنسان وينددون بالمجازر وهم شركاء فيها في الأصل.
في الخلاصة يبقى السودانيون لمصيرهم من دون دور عربي فاعل فيما تركت لواشنطن حرية العمل في تصدير ثلاث منتجات إلى السودان، أولها الشعارات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وثانيها السلاح وثالثها المتعاقدين، وكل ذلك من دون محاسبة ولا حتى مساءلة لا من الدول العربية ولا من المجتمع الدولي عبر مؤسساته المختلفة.




