نيويورك تايمز: ترامب الأكثر إخفاقاً في فهم القيادة الإيرانية

المدن - عرب وعالمالأربعاء 2026/08/05
ترامب (Getty)
من كارتر إلى ترامب.. نيويورك تايمز ترصد فشل الرؤساء الأميركيين مع إيران (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه صعوبة متزايدة في فهم القيادة الإيرانية، في أزمة ترى الصحيفة أنها لم تقتصر عليه، بل واجهت معظم الرؤساء الأميركيين منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، إلا أن ترامب قد يكون الأكثر عجزاً عن قراءة خصومه، رغم جمعه بين الضغوط العسكرية غير المسبوقة والسعي لإبرام اتفاق مع طهران.

وأضافت الصحيفة أن تصريحات ترامب، التي اتهم فيها إيران بأنها تتصرف بـ"خداع لا يُصدق" في تعاملها مع الولايات المتحدة، تمثل أحدث مظاهر إحباطه من القيادة الإيرانية، بعدما ظل يقدم نفسه بوصفه قادراً على فهم خصومه واستغلال نقاط ضعفهم. ونقلت عن ترامب قوله الأسبوع الماضي: "كل ما يفعلونه هو أنهم يجعلونني غاضباً... إنهم فقط يجعلونني غاضباً".

وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن إحباط ترامب قد يزداد خلال المرحلة المقبلة، إذ يقول مسؤولون في إدارته إن اتفاقاً لإعادة فتح مضيق هرمز بات قريباً، بينما تواصل إيران الإصرار على فرض رسوم على حركة الملاحة في المضيق، وهو شرط يرفضه الرئيس الأميركي بصورة قاطعة.

ورأت الصحيفة أن عجز ترامب عن التوصل إلى اتفاق مع إيران كلّفه سياسياً في الداخل، مع تزايد استياء الأميركيين من استمرار الحرب، كما أدى استمرار التوتر في مضيق هرمز إلى تقلب أسعار النفط بما أضر بالمستهلك الأميركي والاقتصاد العالمي.

 

القوة العسكرية لم تحقق أهداف ترامب

ووفق الصحيفة، يتحدث ترامب باستمرار كما لو أن استخدام القوة العسكرية الساحقة سيقود سريعاً إلى اتفاق سياسي، إلا أن تطورات الحرب جاءت على خلاف رهاناته. وأشارت إلى أنه عقب الضربة الجوية التي بدأت بها الحرب في 28 شباط/فبراير، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، دعا ترامب الإيرانيين إلى الانتفاض والسيطرة على الحكم، معلناً أنه سيختار بنفسه الزعيم المقبل لإيران، فيما استمرت الغارات الأميركية والإسرائيلية التي أودت بحياة مسؤولين إيرانيين كبار، غير أن أي انتفاضة شعبية لم تندلع.

وأضافت أن النظام الإيراني اتجه بدلاً من ذلك إلى مزيد من التشدد، إذ اختار في آذار/مارس مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مرشداً أعلى جديداً. ونقلت الصحيفة أن مسؤولين أميركيين يعتبرونه أكثر تشدداً من والده، وأكثر ميلاً إلى امتلاك سلاح نووي.

وأوضحت أن طهران تجاهلت إعلان ترامب أن اختيار مجتبى خامنئي سيكون "غير مقبول"، كما لم يرد المرشد الجديد على عرض علني من الرئيس الأميركي لعقد لقاء مباشر.

ورغم ذلك، واصل ترامب التعبير عن أمله في تغيير مسار العلاقات، قائلاً في أواخر نيسان/أبريل الماضي، إن إيران يمكن أن تصبح "دولة شرعية وليست دولة تقوم على الموت والرعب" إذا وافقت على اتفاق. وأضافت الصحيفة أن المسؤولين الإيرانيين يبدون استعداداً للتفاوض مع واشنطن بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي، لكنهم يرفضون كثيراً من المطالب الأساسية التي تطرحها إدارة ترامب، كما لا يُظهر النظام، القائم على العداء للولايات المتحدة، أي رغبة في مصالحة شاملة مع واشنطن.

ولفتت إلى أن ترامب غيّر تقييمه للقيادة الإيرانية مرات عدة خلال الأشهر الماضية، فوصفها تارة بأنها "مجانين"، ثم "عقلانيون"، ثم "مجانين تماماً"، ثم "أذكياء جداً"، قبل أن يعود ويصفها بـ"مجانين بالكامل"، في مؤشر، بحسب الصحيفة، على استمرار ارتباكه في قراءة خصومه.

 

واشنطن لم تفهم طبيعة النظام الإيراني

ونقلت "نيويورك تايمز" عن المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومسؤول مجلس الأمن القومي سابقاً، كينيث بولاك، قوله إن ترامب ربما يكون الرئيس الأميركي الذي "فهم القيادة الإيرانية بدرجة أقل من أي رئيس آخر".

وأضاف بولاك أن ترامب يمثل "ذروة الإحباط الأميركي" تجاه إيران، لأنه كان في الوقت نفسه الأكثر رغبة في إبرام اتفاق معها، والأكثر استخداماً للقوة العسكرية ضدها، لكنه اكتشف أن أياً من الخيارين لم يحقق ما كان يسعى إليه.

كما نقلت الصحيفة عن نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة برنامج السياسة الخارجية فيه، سوزان مالوني، قولها إن الإدارات الأميركية أخفقت لعقود في تقدير عمق الالتزام الأيديولوجي للنظام الإيراني والبنية المؤسسية الراسخة للجمهورية الإسلامية.

وأضافت مالوني أن أحد أسباب هذا الإخفاق يتمثل في أن أياً من كبار المسؤولين الأميركيين لم يلتقِ المرشد الأول روح الله الخميني، أو علي خامنئي، أو مجتبى خامنئي، وهو ما حدّ من فهم واشنطن لطبيعة صنع القرار في إيران.

ورأت أن الحرب عززت سلطة القيادتين الدينية والعسكرية في إيران، ولم تترك أي مركز قوة بديل يمكن أن ينافسهما، رغم أن النظام الإيراني يضم رئيساً منتخباً وبرلماناً، إلا أن السلطة النهائية تبقى بيد المرشد الأعلى.

بدوره، قال الدبلوماسي الأميركي دينيس روس، الذي خدم إدارات جمهورية وديمقراطية، إن "الإيرانيين يفهموننا أكثر مما نفهمهم"، معتبراً أن طهران تستغل دائماً استعجال الإدارات الأميركية للوصول إلى اتفاقات سياسية.

وأضاف أن الإيرانيين ينظرون إلى شعور واشنطن بالإلحاح باعتباره ورقة ضغط لمصلحتهم، بينما يتصرفون على أساس أن الزمن يخدم مصالحهم أكثر مما يخدم الولايات المتحدة.

 

كارتر وريغان... إخفاقات مبكرة

واستعرضت "نيويورك تايمز" أبرز محطات التعامل الأميركي مع إيران منذ الثورة الإسلامية. وقالت إن الرئيس جيمي كارتر وافق عام 1980 على محادثات سرية مع وزير الخارجية الإيراني للإفراج عن 52 رهينة أميركياً احتُجزوا في السفارة الأميركية بطهران.

وأظهرت مذكرات كارتر، بحسب الصحيفة، انشغاله بالتنافس داخل القيادة الإيرانية بعدما اعتقد أنه توصل إلى اتفاق يقضي بالإفراج عن الرهائن مقابل تحرير مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، وتعهد أميركي بعدم التدخل في الشؤون الإيرانية، إلا أن المرشد روح الله الخميني رفض الاتفاق بصورة مفاجئة، فيما وصفه كارتر لاحقاً بأنه "خيبة أمل مريرة". وبعد فشل عملية الإنقاذ العسكرية، أُطلق سراح الرهائن في اليوم الأخير من ولاية كارتر.

وأضافت الصحيفة أن الرئيس رونالد ريغان حاول بعد خمس سنوات فتح قناة مع ما اعتقد أنه تيار معتدل داخل إيران، فوافق على بيع أسلحة سراً مقابل الإفراج عن رهائن أميركيين في لبنان، في إطار ما أصبح لاحقاً فضيحة "إيران-كونترا".

وأوضحت أن الفضيحة تفجرت بعدما كُشف تحويل عائدات بيع الأسلحة إلى متمردي "الكونترا" في نيكاراغوا خلافاً لقرارات الكونغرس، ما أدى إلى إدانات جنائية بحق عدد من المسؤولين، ومحاولة انتحار مستشار الأمن القومي السابق لريغان، بينما خلصت وكالة الاستخبارات المركزية لاحقاً إلى أن تاجر السلاح الذي بدأ المبادرة كان محتالاً، ولم يظهر أي تيار إيراني معتدل كما كان مأمولاً. واضطر ريغان لاحقاً إلى الاعتذار للشعب الأميركي، مع تمسكه بهدفه الأصلي المتمثل في محاولة الانفتاح على من وصفهم بالمعتدلين.

 

فرصة خاتمي ثم انهيار الانفتاح

وأضافت "نيويورك تايمز" أن انتخاب الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي عام 1997 مثّل أول فرصة حقيقية لتحسين العلاقات، بعدما دعا إلى إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وأبدى أسفه لأزمة احتجاز الرهائن.

ورد الرئيس بيل كلينتون، بحسب الصحيفة، بإجراءات انفتاح شملت استئناف استيراد الفستق والسجاد الإيراني، فيما قدمت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت اعتذاراً علنياً عن دعم وكالة الاستخبارات المركزية انقلاب عام 1953 الذي أطاح بحكومة محمد مصدق. لكن المرشد علي خامنئي رفض أي حوار مع واشنطن، لأن المصالحة مع الولايات المتحدة كانت، وفق الصحيفة، تتعارض مع الأسس الفكرية للنظام الإيراني.

ونقلت عن الباحث في مؤسسة كارنيغي كريم سجادبور قوله إن خاتمي أكد له لاحقاً أن خامنئي كان مقتنعاً بأن إيران لا يمكنها أبداً أن تصنع سلاماً مع الولايات المتحدة.

 

أوباما... الاتفاق الوحيد ثم عودة المواجهة

واعتبرت الصحيفة أن الرئيس باراك أوباما يبقى الوحيد الذي نجح في إبرام اتفاق دبلوماسي كبير مع إيران، من خلال الاتفاق النووي عام 2015، الذي فرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني لمدة تصل إلى 15 عاماً مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.

وأضافت أن مسؤولين في إدارة أوباما كانوا يأملون أن يشكل الاتفاق بداية لتحسين العلاقات مع طهران، إلا أن علي خامنئي وافق عليه دون أن يبدي أي رغبة في توسيع التعاون مع الولايات المتحدة، وهو ما اعتبره منتقدو الاتفاق، دليلاً على صحة تحذيراتهم من محدودية دور الرئيس الإيراني حسن روحاني.

وأشارت الصحيفة إلى أن الشكوك الإيرانية في إمكانية الوثوق بالولايات المتحدة تعززت بعدما انسحب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 وفرض عقوبات أشد من تلك التي سبقته، الأمر الذي دفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي، ووضع البلدين على مسار المواجهة العسكرية التي انتهت إلى الحرب التي بدأها ترامب في شباط/فبراير.

وختمت "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى أن دينيس روس يرى أن طهران ما زالت تتفوق على واشنطن في إدارة التفاوض، لأن القيادة الإيرانية تعتبر استعجال الإدارات الأميركية لإنهاء الأزمات مصدر قوة لها، إذ "ترى أن إحساسنا بالإلحاح يمنحها ورقة ضغط، بينما تعمل هي على أساس أن الوقت يخدم مصالحها أكثر مما يخدم مصالحنا".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث