انتخابات الكنيست: ملامح الخريطة السياسية والحزبية في إسرائيل

الكنيست نتنياهو بن غفير Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

صوّت الكنيست الإسرائيلي، في 17 تموز/ يوليو 2026، على حلّ نفسه، تمهيداً للانتخابات العامة التي تجري هذه المرة، خلافاً لما حصل في السنوات الأخيرة، وفق موعدها المحدد قانونياً. وهي المرة الأولى أيضاً، منذ عام 1988، التي يكمل فيها الكنيست ولايته، والتي تمضي فيها حكومةٌ بقيادة بنيامين نتنياهو فترة ولايتها الكاملة. وعلى الرغم من التحديات التي واجهها الائتلاف الحكومي بقيادة نتنياهو، بما في ذلك تحميل أحزاب المعارضة له مسؤولية الفشل الناجم عن عملية طوفان الأقصى، وعدم تحقق أهداف الحرب على إيران، ومعارضة غالبية المجتمع الإسرائيلي للانقلاب القضائي الذي بادرت إليه حكومته منذ تشكيلها في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2022، فإن أحزاب المعارضة فشلت في إسقاط الحكومة، أو في تقديم موعد انتخابات الكنيست، ليتقرر إجراؤها أخيراً في موعدها المحدد.

 

الاصطفافات الحزبية استعداداً للانتخابات

على الرغم من أن خريطة الاصطفافات والتحالفات الحزبية، استعداداً لخوض انتخابات الكنيست المقبلة، ما زالت في طور التشكّل - يُنتظر أن تنهي الأحزاب السياسية تقديم قوائمها الانتخابية إلى لجنة الانتخابات في 8 أيلول/ سبتمبر 2026 - فقد بدأت أكثر الأحزاب والقوى السياسية استعداداتها لخوض الانتخابات مبكراً، لاعتقادها أن موعد الانتخابات سوف يُقدّم بسبب المشكلات التي كانت تواجهها حكومة نتنياهو. وفي هذا السياق، تنافس يئير لبيد ورام براك، الرجل الثاني في حزب "يوجد مستقبل" الذي أسسه لبيد عام 2012، على زعامة الحزب، وانتهت المنافسة بفوز لبيد. وأسس رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بنيت، في نيسان/ أبريل 2025، حزباً جديداً أطلق عليه اسم "بنيت 2026"، وذلك في الوقت الذي كانت فيه استطلاعات الرأي تمنح حزب بنيت، مقاعد في الكنيست، أكثر من أي حزب آخر. 

ومع اقتراب موعد الانتخابات، تكثفت الاتصالات بين بنيت ولبيد، اللذين كوّنا تحالفاً في عامَي 2021 و2022 لقيادة حكومة التغيير، التي أطاحت نتنياهو حينها، من أجل إقامة تحالف جديد بينهما لانتخابات الكنيست المقبلة. وأسفرت هذه الاتصالات عن توصلهما، في 26 نيسان/ أبريل 2026، إلى اتفاق لخوض الانتخابات في قائمة مشتركة تحمل اسم "بياحد" (معاً) يرأسها بنيت ويشغل المكان الثاني فيها لبيد. ولم يطرح تحالف بياحد بعد برنامجاً انتخابياً متكاملاً لخوض انتخابات الكنيست. وعلى الرغم من اختلاف منطلقاتهما، وما بينهما من تباينات، فإنهما يتفقان في العديد من القضايا الداخلية، أبرزها: عداؤهما لنتنياهو، وسعيهما لإسقاطه، ومعارضتهما للانقلاب القضائي - وإن كانت معارضة لبيد أشد - وإصرارهما على تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتبنيهما الموقف نفسه فيما يخص فرض الخدمة العسكرية على الحريديم. ويتفق الطرفان في تنكرهما للحقوق الفلسطينية، ويتبنّى بنيت مواقف اليمين المتطرف فيما يخص القضية الفلسطينية؛ فقد دعا إلى ضم أكثر من 60 في المئة من الضفة الغربية المحتلة وتعزيز الاستيطان فيها بغرض تهويدها. ويسعى الطرفان لتشكيل حكومة تضم حصراً أحزاباً صهيونية، ويتفقان في معارضتهما دعم أحزاب عربية في تشكيل الحكومة.

 

1. حزب "يشار" 

أعلن غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، في 16 أيلول/ سبتمبر 2025، عن تأسيس حزب جديد، أطلق عليه اسم "يشار" (مستقيم) ، استعداداً لخوض انتخابات الكنيست. وحرص آيزنكوت على استقطاب قادة وشخصيات من ذوي الخبرة في مؤسسات الدولة، وخصوصاً المؤسسة العسكرية والأمنية، إلى جانب شخصيات من قطاعَي الاقتصاد والتكنولوجيا، ورجال الأعمال، وناشطين من المجتمع المدني وحركات الاحتجاج. ومن أبرز القادة العسكريين والأمنيين الذين استقطبهم: العقيد وعضو الكنيست متان كهانا، والجنرال احتياط طال روسو، ورئيس جهاز الشاباك السابق يورام كوهين، والبروفيسور في الاقتصاد مانويل تراختنبرغ، ومدير مكتب رئيس الحكومة السابق يوآف هوروفيتس، ورئيس قسم الميزانيات السابق في وزارة المالية شاؤول مريدور، ونير زوهار من قطاع التكنولوجيا. 

يضع آيزنكوت حزبه في مركز الخريطة السياسية الإسرائيلية، ويسعى لأن يكون بديلاً من حكومة نتنياهو في معالجة المشكلات الملحة التي تواجهها إسرائيل في الداخل خصوصاً. وحدد آيزنكوت في برنامجه السياسي 12 هدفاً يسعى حزبه لتحقيقها، أبرزها: ضمان وجود إسرائيل وطناً قومياً للشعب اليهودي والحفاظ عليها بصفتها دولة يهودية ديمقراطية قوية، وإعادة بناء إسرائيل بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وتعزيز الأمن القومي وبلورة رؤية أمنية جديدة وتقوية الجيش الإسرائيلي، وتحصين الحدود وتحويل إسرائيل إلى دولة إقليمية عظمى، مع ضمان أغلبية يهودية مستقرة، استعداداً لمئوية تأسيس إسرائيل في عام 2048. ولكنه لا يطرح برنامجاً واضحاً في كل ما يتعلق بالمناطق المحتلة، وقضية فلسطين، بل يتحدث بصيغة عامة عن تحقيق السلام. وفي ضوء هيمنة اليمين المتطرف على المجتمع الإسرائيلي، يتجنّب آيزنكوت الخوض بتفصيل في القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ خشية أن يؤثر ذلك في حظوظه الانتخابية، وإن كان سيضطر إلى توضيح موقفه منها مع اقتراب موعد الانتخابات. 

 

2. اليسار الصهيوني

دخل اليسار الصهيوني في السنوات الأخيرة حالة من التردي، حتى كاد أن ينقرض من الخريطة الحزبية الإسرائيلية؛ لذلك يحاول إعادة تنظيم نفسه وجمع صفوفه استعداداً لخوض انتخابات الكنيست. ففي 28 أيار/ مايو 2024، جرت انتخابات لرئاسة حزب العمل فاز فيها نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق يئير غولان الذي أعلن، في أثناء حملته الانتخابية لرئاسة حزب العمل، أنه سيسعى لإقامة جسم سياسي يتشكّل من حزب العمل وحزب ميرتس الذي لم ينجح في الحصول على تمثيل في انتخابات الكنيست السابقة لعدم تمكنه من مرور عتبة الحسم. وفي 30 حزيران/ يونيو 2024، توصل حزبا العمل وميرتس إلى اتفاق وحدةٍ بينهما، وشكّلا حزباً جديداً حمل اسم "الديمقراطيون". وقد حافظ كل حزب منهما على كيانه التنظيمي، واتفقا على تحصين عدة أماكن لحزب ميرتس في قائمة الانتخابات للكنيست. وفي 20 تموز/ يوليو 2026، انتخب حزب "الديمقراطيون" قائمته للكنيست، وشارك في عملية انتخابها 97 ألف عضو يشكّلون 86 في المئة من مجموع أعضائه. 

وجاء في المبادئ الأساسية لاتفاق الوحدة بين حزبَي العمل وميرتس أن إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وأنها دولة يهودية ديمقراطية، تكفل المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها. وأكدت هذه المبادئ أيضاً أن الحفاظ على الطابع اليهودي الديمقراطي لإسرائيل يقتضي التوصل إلى حلّ سياسي مع الفلسطينيين، على أساس مبدأ حلّ الدولتين وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. 

 

3. أحزاب أخرى

لم يشكّل بعد حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يقوده أفيغدور ليبرمان، والذي يعتمد أساساً على الناخبين اليهود، الذين هاجروا إلى إسرائيل من الاتحاد السوفياتي السابق، قائمته الانتخابية. ومن المرجح أن يخوض هذا الحزب انتخابات الكنيست منفرداً، بعيداً عن حزب بياحد أو حزب يشار. 

ومن المتوقع أن تظهر قوائم انتخابية جديدة، يقودها ناشطون تركوا حزب الليكود أو يعتزمون تركه، من جرّاء خلافاتهم مع نتنياهو، أو ناشطون كانوا في حزب "أزرق أبيض"، الذي يتزعمه زعيم المعارضة السابق بيني غانتس، أو في أحزاب أخرى، تحاول أن تتموضع بين معسكر نتنياهو والمعسكر المناوئ له. وقد أسس حيلي تروبر، الوزير السابق الذي انشق عن حزب أزرق أبيض، بالتعاون مع بوعاز هندل رئيس حزب "الاحتياطيون"، الذي تبنّى قضية قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، في تموز/ يوليو 2026، حزباً سياسياً جديداً أطلق عليه اسم "بيت صهيوني".

 

4.  معسكر ائتلاف نتنياهو

حرص نتنياهو، رئيس حزب الليكود، في سياق استعداده لانتخابات الكنيست، على إحكام سيطرته على الحزب وقائمة مرشحيه للانتخابات. وفي هذا الإطار، أصرّ على أن يمنحه مؤتمر الحزب صلاحية تعيين ثمانية مرشحين ضمن المراتب الثلاثين الأولى في قائمة الليكود الانتخابية. وقد أقرّ مؤتمر الحزب طلب نتنياهو ومنحه الحق في تعيين شخصيتين في العشرية الأولى من القائمة، وثلاث شخصيات في العشرية الثانية، وثلاث شخصيات أخرى في العشرية الثالثة. ويسعى نتنياهو من خلال ذلك لتعزيز قبضته على الحزب، بما يتيح له مواصلة قيادته في حال خسارته الانتخابات المقبلة. ومن المقرر أن ينتخب حزب الليكود قائمته الانتخابية للكنيست في 17 آب/ أغسطس 2026، وسط توقعات بأن تشهد عملية اختيار القائمة منافسة حادة بين قيادات الحزب، في مسعى كلٍّ منهم لضمان موقع متقدّم فيها.

وقد انتخب حزب الصهيونية الدينية، الذي يتزعمه وزير المالية المتطرف في حكومة نتنياهو، بتسئليل سموتريتش، قائمته الانتخابية للكنيست في 26 تموز/ يوليو 2026، وفاز فيها الأشخاص الأكثر تطرفاً في الحزب. أمّا حزب القوة اليهودية، الذي يتزعمه الوزير اليميني المتطرف في حكومة نتنياهو، إيتمار بن غفير، إلى جانب حزبَي شاس ويهدوت هتوراه، فلا تُجرى فيه انتخابات داخلية لاختيار القوائم الانتخابية؛ إذ يعيّن بن غفير قائمته، في حين تعيّن القيادتان الدينيتان لحزبَي شاس ويهدوت هتوراه قائمتيهما. 

 

5. الأحزاب العربية 

أثبتت التجربة الانتخابية خلال السنوات الماضية أن الأحزاب العربية في إسرائيل تحقق تمثيلاً برلمانياً أكبر عندما تخوض انتخابات الكنيست ضمن قائمة مشتركة. فعندما تشكّلت القائمة العربية المشتركة عام 2015، حصلت على 13 مقعداً في الكنيست، ثم ارتفع تمثيلها إلى 15 مقعداً في انتخابات عام 2020. في المقابل، عندما خاضت هذه الأحزاب الانتخابات ضمن قائمتين أو ثلاث قوائم منفصلة، تراجع تمثيلها إلى 10 مقاعد أو أقل. ويعود ذلك إلى أن نسبة المقترعين العرب ترتفع، بصفة ملحوظة، عند خوض الأحزاب العربية الانتخابات بقائمة مشتركة؛ فقد لوحظ، مثلاً، أن الأحزاب العربية حينما خاضت الانتخابات في عام 2020، ارتفعت نسبة التصويت لدى العرب إلى 64.8 في المئة، بينما انخفضت نسبة التصويت إلى 44.6 في المئة عام 2021، حينما خاضت هذه الأحزاب انتخابات الكنيست في قائمتين انتخابيتين. 

ونتيجة للضغط الشعبي الذي تشكّل لخوض انتخابات الكنيست في قائمة مشتركة، استجابت الأحزاب العربية قبل أكثر من نصف عام، ووقعت على اتفاق أوّلي لتشكيل قائمة عربية مشتركة. بيد أن رئيس الحركة الإسلامية منصور عباس الذي يسعى لإدخال حزبه إلى الائتلاف الحكومي، تنكّر للالتزام الذي وقع عليه بخوض الانتخابات في قائمة مشتركة، وما انفك يعارض خوض الانتخابات في قائمة عربية مشتركة لسببَين أساسيَين، هما: أولاً، يعتقد عباس أنه في حالة خوض الانتخابات في قائمة مشتركة مع الأحزاب العربية فسوف تقل فرص قبوله في ائتلاف حكومي، أيّاً كانت تركيبته. ثانياً، يسعى لاستقطاب العميد في الشرطة الإسرائيلية يوآف سغلوفيتش، الذي كان قد شغل منصب نائب وزير الأمن في حكومة التغيير، والمتخصص في مكافحة الجريمة المنظمة، إلى قائمته الانتخابية ومنحه المكان الثاني فيها، لترشيحه وزيراً للأمن في الحكومة المقبلة. 

وفي ضوء رفض عباس تأسيس قائمة مشتركة، توصّل حزبا الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي إلى اتفاق لخوض انتخابات الكنيست في قائمة انتخابية مشتركة، تضمّ أيضاً حزب الحركة العربية للتغيير إن أمكن، من دون أن يغلقا الباب نهائياً أمام تشكيل قائمة مشتركة رباعية. 

 

استطلاعات الرأي العام

تشير آخر استطلاعات الرأي العام إلى أن معسكر نتنياهو سيحصل على 49-52 مقعداً من أصل 120 هي عدد مقاعد الكنيست. في حين يحصل معسكر الأحزاب الصهيونية المناوئة له على 56-60 مقعداً. وتحصل الأحزاب العربية على 10-11 مقعداً. وهذا يعني أن المعسكر المناوئ لنتنياهو لا يستطيع تشكيل حكومة من دون الاعتماد على أحد الأحزاب العربية. 

وقد أظهر استطلاع للرأي العام أُجري في 3 آب/ أغسطس 2026 تقديرات توزيع المقاعد في الكنيست على النحو الآتي: حصل حزب يشار على 23 مقعداً، متساوياً مع حزب الليكود الذي حصل على 23 مقعداً، في حين حصل حزب بياحد على 14 مقعداً، و"الديمقراطيون" على 10 مقاعد، وإسرائيل بيتنا على 9 مقاعد، ويهدوت هتوراه على 8 مقاعد، وشاس والقوة اليهودية على 7 مقاعد لكل منهما، والصهيونية الدينية على 5 مقاعد، والجبهة العربية للتغيير على 5 مقاعد، وحصلت الحركة الإسلامية الجنوبية بقيادة عباس، التي تخوض الانتخابات تحت اسم القائمة العربية الموحدة، على 5 مقاعد، في حين حصل حزب بيت صهيوني على 4 مقاعد.   

 

خاتمة 

تُعدّ انتخابات الكنيست المقبلة من أكثر الانتخابات أهميةً في تاريخ إسرائيل في العقود الأخيرة، ولذلك يصعب توقع نتائجها، خاصة في هذه المرحلة المبكرة. وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي تشير باستمرار منذ شهور إلى أن المعسكر المناوئ لنتنياهو سيحصل على عدد أكبر من مقاعد الكنيست، فإنه من الواضح، إذا حصل على أكثر من 60 مقعداً فسيتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية من دون الاستناد إلى واحد أو أكثر من الأحزاب العربية. وفي ضوء تفشي العنصرية وتعاظمها في المجتمع الإسرائيلي ووصول أجزاء واسعة منه إلى حالة من التوحش، سيكون استناد المعسكر المناوئ لنتنياهو إلى الأحزاب العربية في تشكيل حكومة جديدة أمراً صعباً جداً. ولكن ثمة صيغ مثل الدعم المشروط من خارج الائتلاف، وغيره من الصيغ التي تضمن عدم إعادة الانتخابات، كما جرى سابقاً وقاد إلى عودة نتنياهو. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث