التحركات الأخيرة للحشد الشعبي العراقي على الحدود السورية-العراقية، ليست إلا تنفيذاً لسياسات إيران، حسب ما يراه خبراء. فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، بدأت المصالح الإيرانية بالتراجع في المنطقة، حتى وصلت إلى مرحلة الانهيار بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وتلاشي نفوذها على الطريق البري الممتد من إيران عبر العراق إلى سوريا ومنها إلى لبنان. ومع اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية الأخيرة، حرّكت طهران ميليشياتها في محاولة لتشتيت القوى على الأرض، وتوسيع دائرة الحرب، وفتح جبهات جديدة، لضرب مصالح أميركا وحلفائها في المنطقة.
خطر موقوت
وقال الباحث في السياسات الاستراتيجية العراقية والإقليمية، د. كاظم ياور لـِ "المدن": "ما يشاع في الإعلام حول انتشار وإعادة تموضع الحشد الشعبي على الحدود مع سوريا، هو تعزيز لهذه القوات بعد استهداف السعودية بمشاركة الولايات المتحدة الأميركية لمراكزه في العراق". وتابع: "هذا الانتشار ليس وليد الساعة أو هذه الأيام فقط، لأن قوات الحشد الشعبي كانت منتشرة خلال حكم النظام السوري السابق، والحشد وبعض الفصائل التابعة له لديهم علاقات مع الداخل السوري، بل وكانوا يقاتلون في سوريا بطلب من نظام بشار الأسد".
من جهته، قال رئيس رابطة المستقلين الأكراد في سوريا، عبد العزيز تمو لـِ "المدن" إن "التوترات على الحدود السورية-العراقية ليست جديدة، ويأتي تحرك ميليشيات الحشد الشعبي بعد تصريح وزير الخارجية الإيرانية بأنه إذا شنت أميركا أي هجوم على إيران لن يبقى هناك شرق أوسط، وأيضاً رداً على استهداف الولايات المتحدة الأميركية والسعودية والأردن لمواقع انطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه الأراضي السعودية والكويتية والبحرينية والأردنية". وأشار إلى أن "استهداف مواقع في التنف السورية تم من الأراضي العراقية وليس من إيران، وبالتالي فإن تواجد هذه الميليشيات على الحدود يشكل خطراً على الأمن القومي السوري"، مضيفاً أن "الارتباط الوثيق بين تلك الميليشيات وحزب الله في لبنان دفع بهذه الحشود إلى الحدود العراقية خوفاً من التدخل السوري في لبنان لنزع سلاح حزب الله بعد الضغط الأميركي على سوريا".
فروع متعددة لتبعية واحدة
العلاقات السياسية والاقتصادية السورية-العراقية وصلت إلى مرحلة متقدمة من التنسيق، وبالتالي أي اعتداء أو قرار بتدخل الحشد الشعبي في سوريا قد يهدد مصالح الدولتين لصالح إيران وأدواتها، وهو ما لا تريده بغداد التي تحاول اتخاذ إجراءات لاحتواء التوتر ومنع تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع واستنزاف.
وأكد الباحث في العلاقات الاستراتيجية العراقية والإقليمية أن "تحركات الحشد الأخيرة تؤثر حتماً على ما يجري في الساحة السورية، حيث إن هناك جيوباً وخلايا نائمة، ويوجد تعاون بين الفصائل التابعة للحشد وبين تلك الخلايا"، مشيراً إلى أن "الحكومة السورية، منطلق الحفاظ على الأمن القومي السوري والعراقي، عززت تواصلها مع الجهات الرسمية العراقية لتلافي حدوث أي تجاوزات أو اتخاذ خطوات تؤثر على العلاقات بين البلدين".
وأكد أن "قرار التدخل أو قرار إحداث مشاكل مع الجانب السوري، أو على الحدود مع سوريا، مرجعيته السياسية والأمنية بيد الحكومة العراقية، ويمكن احتواء هكذا تحركات أو نيات إذا كانت في مخيلة الفصائل التابعة للحشد الشعبي".وفي السياق ذاته، اعتبر رئيس رابطة المستقلين الكرد أن "التنبيه والإنذار الذي أرسلته الحكومة السورية إلى الحكومة العراقية هو حالة استباقية لمنع أي انزلاق للتصعيد ومنع أي تدخل"، منوهاً إلى "علاقة قسد وحزب العمال الكردستاني بالحشد الشعبي العراقي، والتنسيق الوثيق بينهم، حتى أن عناصر حزب العمال الكردستاني في سنجار شمال العراق تتقاضى رواتبها من الحشد الشعبي"، حسب قوله.ورأى تمو أن "وجود ميليشيات الحشد الشعبي في الجانب العراقي يشكل حالة من عدم الاستقرار والفوضى، وبالنهاية سيؤدي إلى تصادم ودخول تلك الميليشيات إلى الأراضي السورية، وبالتالي سنصل إلى تصعيد الدولتان في غنى عنه".
ضرب المصالح
الانفتاح السياسي والاقتصادي المتسارع الذي تشهده سوريا، وتحديداً علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج، أدخلها ضمن حسابات إيران وأدواتها. فالأخيرة لن تفوّت فرصة لزعزعة الاستقرار في سوريا لتعويض خسارتها، وبالتالي فإن ما يجري على الحدود العراقية ما هو إلا واحدة من سلسلة حلقات إقحام سوريا في المشهد الإقليمي المعقد، خصوصاً أنها لا تزال دولة فتية.
واعتبر ياور أن "تحركات الحشد الشعبي الأخيرة هي امتداد لما يجري بين أميركا وإيران وبعض الدول الخليجية، التي تعتبر حليفة للولايات المتحدة الأميركية كالسعودية والكويت، والهدف من هذه التحركات تحويل الساحة العراقية إلى ساحة استنزاف لأميركا". وأشار إلى أن "سوريا لا تملك تحالفات أمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن يمكن القول إن سوريا اليوم لديها علاقات كبيرة جداً اقتصادياً وحتى تصل إلى نوع من التنسيق الأمني مع الدول الخليجية ومنها السعودية، وبالتالي فصائل الحشد الشعبي قد يكون لديها نوع من التفكير بضرب المصالح السورية كسياسة استنزاف لحلفاء الدول الخليجية وتحديداً السعودية". أما رئيس رابطة المستقلين الأكراد، عبد العزيز تمو، فأكد أن "ميليشيات الحشد الشعبي تقوم بعمل وظيفي لدى إيران، حيث تقوم بإرسال الطائرات المسيرة والصواريخ لاستهداف السعودية وقطر والبحرين والكويت، وذلك نتيجة عدم وجود القوة الكافية للجيش العراقي للجم هذه الميليشيات، رغم أنه يعمل على ذلك قدر الإمكان، ولكن لن يصل إلى المستوى المطلوب طالما أن هناك سلاحاً خارج إطار القانون والدولة".
مواجهة أم احتواء؟
محاولات الحشد الشعبي لتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية حسابات إيران تتعارض مع توجهات الحكومة العراقية التي تحاول احتواء التوتر سياسياً، في ظل غياب القوة العسكرية الكافية للجيش العراقي للاضطلاع بدوره في ضبط السلاح المنتشر خارج إطار القانون والدولة، وحماية حدوده ومنع التعدي على دول الجوار.
وفي هذا الإطار أكد ياور أن "احتمالات اندلاع مواجهة بين سوريا والحشد الشعبي ضعيفة وبعيدة حالياً، كون الحكومة العراقية لديها برنامج، وتسيطر على زمام مصادر القرار الأمني في العراق، لذلك من الصعوبة أن يكون لهذه الفصائل أن تطبق سياسات إيران بشكل كامل على الأراضي العراقية". وتابع: "يمكن أن نشهد بعض المناوشات على الحدود، وذلك بهدف إيصال رسائل هنا وهناك أن إيران أو الفصائل التابعة لها قادرة على إحداث مشاكل أمنية في الساحة العراقية والسورية". واعتقد الباحث العراقي أن "الاحتواء هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال حدوث أي طارئ على الحدود"، مضيفاً: "لا نستبعد الوصول إلى مناوشات ضيقة إذا ما حدث أي تصعيد ملفت بين إيران وأميركا، والهدف من هذه المناوشات سيكون محاولات لتشتيت مصادر القرار الأمني في الساحة الإقليمية بسوريا والعراق والدول الخليجية". وقال: "العمل والتنسيق بين الحكومتين العراقية والسورية وصل إلى مرحلة متقدمة، فبعد التنسيق الأمني بين البلدين أصبح هناك تنسيق سياسي، وكذلك الدخول في مجالات أعمق اقتصادية"، مشيراً إلى أن "سوريا فتحت أبوابها لتصدير النفط، وهناك مشاريع استراتيجية أخرى، منها طريق التنمية، وأيضاً التفكير بإعادة خط كركوك-بانياس، وكل هذه المشاريع استراتيجياً تكون فوق المصالح الضيقة لبعض الفصائل العراقية التي تريد تغليب مصلحة المحور الإيراني على المصالح العراقية ومصالح الجوار العراقي".
من جهته، أكد رئيس رابطة المستقلين الأكراد في سوريا عبد العزيز تمو أن "الحكومة السورية اتخذت إجراءات وقائية على جانبي الحدود، وقد نشرت الفرقة 60 في محافظة الحسكة، والفرقة 86 في دير الزور، وهذا يعني أن الحكومة السورية على استعداد لردع أي عدوان تشنه تلك الميليشيات على الأراضي السورية". وشدد تمو على أن "الاحتواء السياسي هو الأفضل بين البلدين، خاصة أن سوريا والعراق على أبواب مرحلة بناء الثقة وعلاقات جديدة بين الحكومتين، وهناك عقود لتوريد النفط عبر الأراضي السورية، وأيضاً هناك زيارة مرتقبة لرئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى سوريا لإجراء كافة الترتيبات على المستوى الأمني والاقتصادي والتجاري والسياسي".




