فوق مصافي ينبع على ساحل البحر الأحمر، اعترضت بطارية "باتريوت" في 25 تموز/يوليو الماضي، صاروخين باليستيّين ومسيّرة أطلقها الحوثيون نحو منشآت الطاقة السعودية. حتى هنا، يبدو الخبر روتينيّاً في حرب اعتادت المنطقة إيقاعها. غير أن التفصيل الذي يُبدّل المعنى يكمن في اليد التي أدارت الاعتراض، وتحديداً في الطاقم العسكري اليوناني الذي يشغّل المنظومة على الأرض السعودية منذ العام 2021.
"منظومة دفاع جوي يشغلها أفراد من الجيش اليوناني في السعودية اعترضت صاروخين باليستيين أطلقا من اليمن باتجاه مصافي نفط في ينبع". كان هذا جزء من الخبر الذي نقلته وكالة "رويترز". دولةٌ أوروبية إذاً تحمي منشأة طاقة خليجية. لا معاهدة دفاع مشتركة تجمع الأطراف، ولا حلف معلَن، ولا غرفة عمليات سياسية واحدة.
قبل هذه الحادثة بيومٍ واحد، أقرّت أثينا صفقة تبلغ قيمتها نحو أربعة مليارات دولار لبناء "درع أخيل" للدفاع الجويّ، بحيث تشكّل الصواريخ والرادارات الإسرائيلية عموده الفقري، على أن يدخل الخدمة خلال نحو 35 شهراً. واقعتان قُرئتا منفصلتين: الأولى بنداً في حرب اليمن، والثانية فصلاً في سباق التسلّح اليوناني التركي. الجمع بين الواقعتين سيكشف ما لم تكشفه كلّ منهما وحدها.
التحالف التشغيليّ بلا معاهدة
تترقب المنطقة منذ سنوات احتمال نشوء ناتو شرق أوسطي يُولَد من رحم التطبيع، أو مظلّة جماعية تُوقَّع على طاولة واحدة. لكن ما آلت إليه الحال هو أن ما يتشكّل على أرض الواقع لا يمرّ من بوابة المعاهدات. نمط جديد من التحالفات ينشأ من سلاسل اعتماد تكنولوجي وعسكري عابرة للأقاليم. من صاروخ مثلاً، ورادار، وتدريب، وقطع غيار، وبيانات إنذار مبكر.. قد تبقى الدول مختلفة سياسياً ومتباعدة في خطابها، لكن أمنها سيغدو مترابطاً على نحوٍ يصعب فصلُه لاحقاً، لأن كل طرف صار يؤدي وظيفة داخل منظومة لا يملك وحده مفاتيحها. تحالف تشغيلي بلا معاهدة يتراكم في العقود والصيانة والذخيرة، وسيكون أشد إلزاماً وأطول عمراً من كثيرٍ من الإعلانات السياسية، ذلك أن من ربط دفاعه الجوي برادار أجنبي وذخيرةٍ تُستورَد ومنظومة تحتاج تحديثاً دورياً صار شريكاً بالبنية لا بالنيّة.
وإذا كان النموذج المتوسطي الخليجي يكشف شبكة دفاعية تتشكل من الاعتماد التشغيلي والصناعي من دون إعلان سياسي، فإن أوروبا تسلك المسار المعاكس. فقد أعلن قادة إحدى عشرة دولة منذ أيام إطلاق "التحالف المتكامل لمواجهة الصواريخ الباليستية"، بما يؤكد أن الدفاع الصاروخي بات يصنع التحالفات بقدر ما ينتج عنها.
جغرافيا الاعتراض
في الأشهر الأخيرة، قُرئ النفوذ بلغة الجغرافيا البحرية، من يُمسك هرمز مثلاً، ومن يهدّد باب المندب، ومن يقفل قناةً أو يفتح ممرّاً.. لكن حرب الصواريخ والمسيّرات أنجبت جغرافيا أخرى أمكن تسميتها بجغرافيا الاعتراض، حيث تصبح الدولة التي تُشغّل السلاح أهم من الدولة التي صنّعته! الصاروخ الأميركي الصنع في يد يونانية فوق أرض سعودية يجعل من أثينا فاعلاً عسكرياً مباشراً في أمن الطاقة الخليجي، ومن يحرس مصفاةً يملك في لحظة الخطر ما لا يملكه صاحب المصفاة، لأنه يملك القرار التقني في الثانية الفاصلة بين الاعتراض والاختراق.
شبكتان تتقابلان
حين تُجمَع الخيوط، تلوح ملامحُ شبكة تمتدّ من شرق المتوسط إلى الخليج. اليونان وقبرص وإسرائيل في ضفة تتقاطع مصالحها مع الرياض في الدفاع عن منشآت الطاقة وردع التهديد الآتي من الجنوب، وفي الضفة المقابلة تركيا وإيران والحوثيون، كلٌّ لأسبابه. وفي حين تدفع الخصومةُ اليونانية التركية كل من أثينا وتل أبيب إلى تعميق اندماجهما العسكري، فإن التهديد الحوثي الإيراني يعيد وصل أمن الخليج بأمن شرق المتوسط في منظومة واحدة، علماً أن ما تُثبته الوقائعُ الراهنة ليس عبارة عن تحالف مسبق. الرابط يكمن في أن فاعلاً واحداً (أثينا) صار في آن حارساً لمنشأة خليجية وزبوناً للصناعة الدفاعية الإسرائيلية.
ملاحظة لافتة هنا. الحاجة الخليجية إلى بعض القدرات الدفاعية الإسرائيلية لم تعد تمرّ بمسار واحد، فهي تأتي مباشرةً في حالات التطبيع كما في حالة الإمارات، لكنها أضحت أيضاً بصورة غير مباشرة عبر شركاء مثل اليونان. لقد أصبحت إسرائيل حاجة حاضرة بما تبيعه من جهة، ومن خلال شبكات الاعتماد التي تنسجها صناعاتها الدفاعية من جهة أخرى. والمحصلة أنه ثمة قدرٌ من الترابط الوظيفي الحقيقي والكافي ليُعيد رسم الخريطة من دون أن يرقى إلى محور معلَن.
لماذا انكفأت المظلة الأمركية؟
سؤالٌ سيطرح نفسه في هذا الإطار. لماذا نشأت هذه الترتيبات التشغيلية أصلًا؟ ولماذا باتت دول الخليج تبحث عن مشغّلين وشركاء جدد في الدفاع الجوي؟
لعلّه منذ أن تلقّت منشآتُ أرامكو الضربة عام 2019 من دون أن تتحرك المظلة الأميركية بالحسم الذي انتظرته الرياض، ترسّخ في الخليج درسٌ أن الحمايةُ الأميركية وإن كانت حاضرة فإنها لم تعد مضمونةً ولا حصريّة. من هنا بدأ منطقُ التنويع، بحيث أصبح روسيّا حيناً، وصينيّا حيناً آخر، وأوروبيّا إسرائيليّا في مسألة الدفاع الجويّ بالذات. واشنطن في هذا الإطار لم تنسحب، لكنها انكفأت من موقع الضامن الأوحد إلى موقع الشريك بين شركاء. هكذا ستظهر هذه الترتيبات المستجدة بوصفها تسدّ ثغرة، لكنها بالمقابل ستفتح أخرى. هي تمنح الدولة المستهدفة دفاعاً فعلياً اليوم، غير أنها تربط سماءها بمن يملك الرادار والذخيرة والتحديث، ومن يملك الصيانة يملك في لحظة ما قرار منعها. الاعتماد الذي يحمي في الأزمة هو نفسه الذي يُقيّد في الخلاف.
وليس الدفاع الجوي وحده بالمناسبة ما يكشف هذا النمط من الاعتماد. مقاتلة "إف-35" تقدّم المثال الأوضح عليه كذلك. الدول التي اقتنتها، ومنها الدنمارك، لا تملك استقلالاً كاملًا في تشغيلها وصيانتها وتحديث برمجياتها، إذ ترتبط بمنظومة دعم وإدارة أميركية تشمل البرمجيات وبيانات المهام والتحديثات وغيرها. يتكرر هنا الدرس نفسه. سيغدو الدرع المستورَد أمانٌ ورهنٌ في آن.
إلى أين تمضي جغرافيا الاعتراض هذه؟
أول الاحتمالات أن تبقى هذه الروابط مجرد ترتيبات وظيفيّة متفرّقة تؤدي مهمتها في الدفاع من دون أن تتبلور محوراً. والثاني أن تتصلب هذه الشبكةُ تدريجياً حتى تصير حلفاً بحكم الأمر الواقع، تكشفه أزمة كبرى تُجبر الأطراف على التنسيق العلني. والثالث، أن تُعمّق المنطقة انقساماً جديداً يتخطى مشهد المعسكرين السياسيين إلى مشهد معسكرَي صواريخ أحدهما يعترض والآخر يُطلق، بمعنى أن تنقسم المنطقة إلى شبكات إطلاق وشبكات اعتراض. أما رابعها، فأن تتحول سلاسلُ الاعتماد نفسها إلى نقطة ضعف وضغط سياسي وفقاً لآنف الذكر.
وفي كل الأحوال زبدة القول أن الصواريخ في الشرق الأوسط كما في أوروبا، لم تعد مجرد أدوات للدفاع بقدر أصبحت البنية التي يعاد فوقها رسم التحالفات وحدود النفوذ.




