شهد القرن الإفريقي ومنطقة جنوب البحر الأحمر، منذ مطلع عام 2024 وحتى منتصف عام 2026، سلسلة من التحولات الجيوسياسية غير المسبوقة، التي أعادت رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية في واحدة من أكثر بقاع العالم حساسية استراتيجية. فقد تحول ملف الموانئ وحركات الانفصال من نزاع محلي هامشي إلى قلب صراع المحاور الدولية، خصوصاً بعد أن أصبحت إسرائيل، في نهاية عام 2025، أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بجمهورية "صوماليلاند" المنفصلة عن الصومال. وتتقاطع هذه الديناميكيات مع ثلاثة فاعلين إقليميين رئيسيين، هم الصومال وإثيوبيا وإريتريا، فيما تتدخل فيها قوىً إقليمية ودولية وازنة كمصر وتركيا والسعودية وقطر والإمارات وإسرائيل والصين، كل منها بحسابات نفوذ وأمن مختلفة.
وقد ازدادت هذه التحولات تعقيداً وخطورة مع اندلاع الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، في أواخر شباط/ فبراير 2026، وهي الحرب التي لا تزال، حتى صيف 2026، تتمدد ارتداداتها إلى مضيق باب المندب وخليج عدن، عبر تصعيد جماعة الحوثي عملياتها البحرية ضد الملاحة الدولية والقطع البحرية الأميركية والإسرائيلية. هذا التشابك بين الصراع الإقليمي في القرن الإفريقي والمواجهة الدولية في الخليج وضع جنوب البحر الأحمر في قلب معادلة أمنية مركّبة تتجاوز حدود المنطقة، لتطال مستقبل الملاحة العالمية بأسرها.
أولاً: الصومال وصوماليلاند – "طفرة الاعتراف" الإسرائيلي وأزمة السيادة
منذ حصول إقليم "صوماليلاند" (أرض الصومال) على استقلاله من طرف واحد عام 1991، عقب انهيار نظام سياد بري، ظل الإقليم يبحث عن مشروعية دولية تخرجه من العزلة القانونية. ورغم نجاح الإقليم في بناء مؤسسات شبه مستقرة، وعملة خاصة، ونظام ديمقراطي تداول السلطة بانتظام عبر صناديق الاقتراع، ظلت العواصم الإقليمية والدولية متمسكة بمبدأ "وحدة الأراضي الصومالية"، خوفاً من فتح صندوق باندورا للنزاعات الانفصالية في إفريقيا. لكن أحداث عامي 2025 و2026 فجّرت المشهد تماماً، وحولت القضية من نزاع محلي إلى قلب صراع المحاور الدولية في جنوب البحر الأحمر.
1. الجذور القانونية والسياسية لانفصال صوماليلاند: توظيف الجغرافيا
تستند "هرجيسا" (عاصمة الإقليم) في مطالبتها بالاستقلال إلى خلفية تاريخية؛ فالإقليم كان خاضعاً للحماية البريطانية (أرض الصومال البريطاني)، ونال استقلاله لعدة أيام في حزيران/ يونيو 1960، قبل أن يندمج طواعية مع الصومال الجنوبي (الذي كان خاضعاً للاستعمار الإيطالي) لتشكيل جمهورية الصومال.
وترى النخبة السياسية في صوماليلاند أن الوحدة فشلت وأنتجت حرباً أهلية مدمرة، وبالتالي فإن الانفصال هو "فك ارتباط قانوني"، وليس تمزيقاً لدولة قائمة. ومع تزايد التهديدات البحرية في خليج عدن، أدركت هرجيسا أن "الجغرافيا الاستراتيجية" وميناء "بربرة" المطل على خطوط الملاحة العالمية هما الأوراق الرابحة لانتزاع الشرعية من قوى دولية تبحث عن موطئ قدم أمني.
2. التحول الاستراتيجي الإسرائيلي: الأبعاد الأمنية والعسكرية لخطوة 2025-2026
في تحول جيوسياسي غير مسبوق، في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بجمهورية صوماليلاند كدولة مستقلة. هذا التحول لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل جاء مدفوعاً بمتغيرات ميدانية ضاغطة:
•عقدة مضيق باب المندب ومواجهة الحوثيين: مع استمرار التهديدات الحوثية والهجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، شعرت تل أبيب بحصار بحري خانق يُهدد ميناء إيلات ومسارات شحنها الحيوية. الاعتراف بصوماليلاند يمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً جديداً في خليج عدن.
•زيارة "ساعر" وقاعدة ميناء بربرة: تجسد هذا التحول سريعاً، في 6 كانون الثاني/ يناير 2026، بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا، حيث التقى برئيس صوماليلاند المنتخب حديثاً عبد الرحمن محمد عبد الله (إيرو). ورغم النفي الرسمي لهرجيسا وتل أبيب، تشير التقارير الاستخباراتية الاستراتيجية لعام 2026 إلى وجود مفاوضات متقدمة لمنح إسرائيل منشآت أو قاعدة عسكرية في محيط ميناء بربرة، لتأمين ممرات الملاحة ومراقبة الأنشطة الإيرانية وحلفائها في المنطقة.
•توسيع "اتفاقيات أبراهام": ترى تل أبيب في صوماليلاند شريكاً مثالياً للانضمام إلى قطار التطبيع الإقليمي، مستغلة رغبة الإقليم الجامحة في الحصول على الدعم الدولي.
•الدور الإماراتي في التمهيد للاعتراف: تشير التقارير إلى أن دولة الإمارات سهّلت هذا الاعتراف، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بصوماليلاند واستثمارها بقيمة 400 مليون دولار عبر "موانئ دبي العالمية" لتحديث ميناء بربرة، فضلاً عن نقاشات غير مؤكدة حول إنشاء قواعد مشتركة في صوماليلاند وجزيرة سقطرى اليمنية لمواجهة جماعة الحوثي.
3. ملف الهجرة الحرج: نازحو غزة والمقايضة الاستراتيجية
تزامن الاعتراف الإسرائيلي مع ملف بالغ الحساسية أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، حيث كشفت مناقشات جرت في عام 2025 عن وجود مخططات (نفتها هرجيسا رسمياً لاحقاً لتفادي الغضب الشعبي الإسلامي والعربي) تتعلق بإمكانية توطين نازحين فلسطينيين من قطاع غزة في مناطق داخل صوماليلاند.
وفقاً للتحليلات الاستراتيجية، طُرح هذا الملف كجزء من "صفقة شاملة" تحصل بموجبها صوماليلاند على:
- الاعتراف الدبلوماسي الرسمي من إسرائيل وحلفائها.
- حزم دعم مالي واقتصادي ضخمة، وضمانات دولية للاستثمار في البنية التحتية للإقليم والموانئ.
وقد ارتبطت هذه المفاوضات، وفق مصادر أميركية وإسرائيلية أكدت جديتها في حينه، بينما نفتها صوماليلاند رسمياً، بإمكانية حصول الإقليم على تعويضات مالية ودولية ضخمة مقابل استضافة هؤلاء النازحين.
4. استراتيجية مقديشو والمحور الدولي المضاد: عزل خطوة تل أبيب
في العاصمة الفيدرالية مقديشو، اعتبرت حكومة الرئيس حسن شيخ محمود الخطوة الإسرائيلية "عدواناً سافراً على السيادة الصومالية" وخرقاً للمواثيق الأممية. وتحركت الدبلوماسية الصومالية بشكل مكثف لفرض عزلة دولية على هذا الاعتراف، مستندة إلى القانون الدولي، وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير من خلال انتزاع إدانات واسعة للخطوة الإسرائيلية من:
-
الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، اللذين أكدا التمسك بوحدة الصومال.
-
جامعة الدول العربية وقوىً إقليمية رئيسية مثل مصر والسعودية وتركيا، والتي اعتبرت الخطوة تهديداً للأمن القومي العربي وللاستقرار في حوض البحر الأحمر.
-
كما أصدرت 21 دولة، من بينها السعودية ومصر وتركيا وإيران وقطر، بياناً مشتركاً يرفض الاعتراف ويدعم سيادة الصومال، فيما ألغت مقديشو، في المقابل، الاتفاقيات الثنائية مع الإمارات في منتصف كانون الثاني/ يناير 2026.
5. الدور الصيني الحاسم ودخول خط الاستقطاب الكوني
لم تكن بكين بعيدة عن هذا المشهد؛ فنظراً لأن صوماليلاند كانت قد أقامت، في سنوات سابقة، علاقات دبلوماسية مع تايوان (التي تعتبرها الصين إقليماً متمرداً)، رأت الصين في الخطوة الإسرائيلية محاولة لتعزيز محور غربي-تايواني عند مدخل البحر الأحمر.
ورداً على ذلك، سارعت الصين لتعميق تحالفها مع مقديشو. وفي خطوة تاريخية غير مسبوقة منذ سقوط الدولة الصومالية عام 1991، زار وزير الخارجية الصيني وانغ يي العاصمة مقديشو في كانون الثاني/ يناير 2026، معلناً عن تقديم دعم عسكري واقتصادي ولوجستي غير محدود للحكومة الفيدرالية الصومالية، لتمكينها من بسط سيادتها وحماية مياهها الإقليمية، مما جعل الصومال ساحة جديدة للحرب الباردة بين بكين والغرب.
في الخلاصة، تحولت صوماليلاند في عام 2026 من مجرد إقليم يبحث عن "إنصاف تاريخي" إلى ركيزة أساسية في استراتيجية الأمن البحري الإسرائيلي-الغربي لمواجهة التهديدات عند باب المندب.
وفي المقابل، نجحت مقديشو في تحويل هذا التهديد إلى فرصة لاستقطاب دعم دولي وعسكري هائل من قوى عظمى كالصين، وقوى إقليمية كتركيا ومصر.
ثانياً: إثيوبيا – من مذكرة التفاهم إلى "إعلان أنقرة" ومعضلة الفيدرالية الإثنية
إذا كانت صوماليلاند قد وجدت في إسرائيل حليفاً لانتزاع الاعتراف، فإنها قبل ذلك بأشهر كانت قد ظنت أنها وجدت في إثيوبيا البوابة الذهبية للخروج من العزلة. وفي المقابل، كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يرى في "هرجيسا" وسيلته لكسر العقدة الجغرافية التاريخية لبلاده، التي تحولت إلى أكبر دولة حبيسة في العالم (من حيث عدد السكان) منذ استقلال إريتريا عام 1993. لكن الحسابات الاستراتيجية المندفعة لأديس أبابا اصطدمت بصخرة الجيوسياسية الإقليمية، مما أجبرها على تراجع دراماتيكي أعاد ترتيب أوراق المنطقة.
1. تحولات ملف "المنفذ البحري": انهيار مذكرة تفاهم 2024
في مطلع كانون الثاني/ يناير 2024، وقع آبي أحمد مع رئيس صوماليلاند السابق موسى بيهي عبدي "مذكرة تفاهم" أحدثت زلزالاً سياسياً في القرن الإفريقي. نصت المذكرة على منح إثيوبيا شريطاً ساحلياً بطول 20 كيلومتراً على خليج عدن (قرب ميناء بربرة) لاستخدامه كقاعدة عسكرية وميناء تجاري لمدة 50 عاماً، مقابل أن تعترف إثيوبيا رسمياً بصوماليلاند كدولة مستقلة وتمنحها حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية.
لكن، بحلول أواخر عام 2024 وطوال عام 2025، انهار هذا الاتفاق تماماً ولم يترجم على أرض الواقع بسبب جملة من العوامل الضاغطة:
•المقاومة الدبلوماسية الشرسة لمقديشو: اعتبرت الحكومة الفيدرالية الصومالية الاتفاق "إعلان حرب" وانتهاكاً صارخاً لسيادتها، وهددت بطرد القوات الإثيوبية الموجودة في الصومال لمحاربة حركة الشباب.
•الضغوط الدولية والأمنية: واجهت إثيوبيا تحذيرات حازمة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي من مغبة المساس بوحدة الصومال. كما أن دخول مصر العسكري القوي على الخط لدعم مقديشو (كما سنفصل في الحلقة الرابعة) جعل تكلفة المضي في الاتفاق عسكرياً وأمنياً تفوق قدرة أديس أبابا.
•مشاكل الجدوى والتمويل: تبين أن بناء قاعدة عسكرية وميناء متكامل من الصفر في تلك المنطقة يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وهي سيولة لم تكن متوفرة لدى الاقتصاد الإثيوبي المنهك من الحروب الداخلية، فضلاً عن إحجام الصناديق الدولية عن تمويل مشروع في منطقة متنازع عليها قانونياً ودولياً.
2. الهندسة التركية و"إعلان أنقرة" (كانون الأول/ ديسمبر 2024(
أمام طريق مسدود، التقطت الدبلوماسية التركية الخيط، مستغلة علاقاتها الاستراتيجية القوية مع كل من مقديشو وأديس أبابا. وبعد جولات من المفاوضات الشاقة وغير المعلنة، برعاية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، تم التوصل إلى مخرج استراتيجي أُطلق عليه "إعلان أنقرة"، في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2024.
بموجب هذا الإعلان، أحدثت إثيوبيا تحولاً جوهرياً في استراتيجيتها للبحر الأحمر والمحيط الهندي:
•التخلي عن مسار صوماليلاند الانفصالي: وافقت أديس أبابا رسمياً على تجميد، ثم إلغاء، مذكرة التفاهم مع هرجيسا، والتعهد باحترام السيادة والوحدة الإقليمية لجمهورية الصومال الفيدرالية.
•المنفذ البحري الشرعي: في المقابل، وافقت حكومة مقديشو على منح إثيوبيا تسهيلات تجارية واسعة واستئجار أراضٍ لتطوير موانئ بحرية على شواطئ المحيط الهندي الخاضعة للسيادة الكاملة للحكومة الصومالية. هذا الاتفاق خفف من حدة التوتر العسكري، لكنه وضع إثيوبيا تحت رحمة الاستقرار السياسي في مقديشو، وعمق، في الوقت نفسه، من شعور النخبة في صوماليلاند بأنها "أُسيء استخدامها" كأداة ضغط قبل أن يتم التخلي عنها، مما دفع الأخيرة للارتماء لاحقاً في الأحضان الإسرائيلية بحثاً عن بديل.
3. المأزق الداخلي لآبي أحمد: معضلة الفيدرالية الإثنية ورؤية "التآزر"
التحولات الخارجية لإثيوبيا لا يمكن فصلها عن بركانها الداخلي؛ إذ تعيش البلاد أزمة بنيوية ترتبط بطبيعة نظام الحكم. منذ تسعينيات القرن الماضي، حُكمت إثيوبيا بنظام "الفيدرالية الإثنية"، الذي قسّم البلاد إلى أقاليم على أساس عرقي، وهو النظام الذي هندسته "جبهة تحرير شعب تيغراي".
عندما تولى آبي أحمد السلطة عام 2018، طرح رؤية سياسية بديلة تسمى "مدامر" (التآزر أو التلاحم). وتهدف هذه الرؤية، حسب أدبياته، إلى تذويب الهويات الإثنية الفرعية لصالح "هوية وطنية إثيوبية جامعة"، ونقل السلطة من الأقاليم إلى المركز عبر دمج الأحزاب الإثنية في "حزب الازدهار" الحاكم.
لكن التطبيق العملي لهذه الرؤية أنتج نتائج عكسية وكارثية:
•تصفية النخب وحروب الأقاليم: اعتبرت القوميات الكبرى هذه الرؤية محاولة لإحياء الهيمنة المركزية لـِ "الإمبراطورية الأمهرية القديمة" وتجريد الأقاليم من حكمها الذاتي. فكانت البداية بحرب تيغراي الدامية وحصار الإقليم وتدمير بنيته التحتية وتصفية نفوذ نخبته السياسية والعسكرية السابقة.
•اتساع رقعة التمرد: لم يكد يهدأ إقليم تيغراي حتى انفجر إقليم "الأمهرة" (الذي كان حليفاً لآبي أحمد في حربه ضد تيغراي)، عبر تمرد ميليشيات "الفانو"، التي رفضت قرار حل القوات الإقليمية ودمجها في الجيش الفيدرالي. بالتوازي مع ذلك، يواجه إقليم "أوروميا" (مسقط رأس آبي أحمد نفسه) تمرداً مستمراً من "جيش تحرير أورومو"، الذي يتهم رئيس الوزراء بخيانة قضية الأورومو القومية.
4. إرث حرب تيغراي وتأثيره على كفاءة الجيش الفيدرالي
يرى المحللون السياسيون أن اندفاع آبي أحمد نحو البحث عن نصر خارجي، سواء عبر ملف الموانئ أو تبني نبرة قومية حادة، هو محاولة للهروب إلى الأمام وتغطية الشروخ العميقة في الجسد الإثيوبي.
إن الجيش الفيدرالي الإثيوبي، الذي يُصنف كأحد أكبر الجيوش في إفريقيا، خرج من حرب تيغراي مستنزفاً بشرياً ومادياً. كما أن بنية الجيش أصبحت تعاني من انقسامات وولاءات إثنية حادة، نتيجة للحروب الداخلية المستمرة في الأمهرة وأوروميا. هذا الإنهاك العسكري جعل القيادة الإثيوبية تدرك، رغم لغتها الحماسية، أنها غير قادرة على الدخول في مغامرة عسكرية خارجية لمواجهة حلف إقليمي صاعد يضم الصومال ومصر وإريتريا، مما يفسر رضوخها، في النهاية، للمسار التركي في "إعلان أنقرة".
في الخلاصة، توضح الديناميكيات الإثيوبية في عام 2026 أن طموح أديس أبابا الإقليمي مكبل بأزماتها الهيكلية الداخلية. لقد تراجعت إثيوبيا عن مغامرة صوماليلاند، واختارت القبول بالسيادة الصومالية لتأمين مصالحها الاقتصادية، لكنها تركت جارتها الشمالية، إريتريا، في حالة توجس دائم من أي حركة تصدر عن عملاق الهضبة الإفريقية المتقلب.
ثالثاً: إريتريا – "أسمرة" والتوجس من الصعود البحري الإثيوبي وعقدة الموانئ
إذا كانت إثيوبيا تمثل العملاق الديموغرافي والجغرافي في القرن الإفريقي، فإن إريتريا تمثل القفل الجيوسياسي لخط ساحلها الشمالي. فمنذ استقلال أسمرة رسمياً عن أديس أبابا عام 1993، تحولت العلاقة بين البلدين إلى واحدة من أعقد كوابيس الجغرافيا السياسية في العالم. ورغم أن عام 2018 شهد ومضة أمل باتفاق سلام تاريخي، إلا أن أحداث الأعوام اللاحقة، وصولاً إلى المشهد الحالي، أعادت العلاقة إلى مربع التوجس والمواجهة الباردة، مدفوعة بـ"عقدة الموانئ" وطموح آبي أحمد البحري.
1. انقلاب التحالفات: من السلام التاريخي وجائزة نوبل إلى الخصومة
في عام 2018، فاجأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي العالم بتوقيع اتفاق سلام تاريخي أنهى عقدين من حالة "لا سلم ولا حرب" والنزاع الحدودي الدامي على بلدة "بادمي". هذا الاتفاق نال بموجبه آبي أحمد جائزة نوبل للسلام، ولم يكن مجرد مصالحة، بل تحول سريعاً إلى تحالف عسكري وأمني وثيق، أثبت جدواه عندما اندلعت حرب تيغراي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، حيث تدخل الجيش الإريتري بقوة إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية لسحق "جبهة تحرير شعب تيغراي"، التي كانت تشكل عدواً مشتركاً للنظامين.
لكن هذا التحالف انهار بشكل دراماتيكي للأسباب التالية:
•اتفاق بريتوريا (تشرين الثاني/ نوفمبر 2022) والشعور بالخديعة: وقعت أديس أبابا اتفاق سلام مفاجئاً في جنوب إفريقيا مع جبهة تيغراي دون تنسيق كامل مع أسمرة. اعتبر أفورقي هذا الاتفاق طعنة في الظهر، حيث سمح للجبهة بالبقاء ككيان سياسي والاحتفاظ ببعض نفوذها، بدلاً من تصفيتها بالكامل كما كان يطمح النظام الإريتري.
•خطاب آبي أحمد حول "البحر الأحمر": عقب انتهاء حرب تيغراي، بدأ آبي أحمد يطلق تصريحات حماسية اعتبر فيها أن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر هو "مسألة وجودية" وتاريخية لا يمكن التنازل عنها، ملوحاً بخيارات القوة إذا لزم الأمر، وهو ما فسرته أسمرة على أنه تهديد مباشر ومبطن لسيادتها وأراضيها.
2. جيوسياسية الموانئ الإريترية: لماذا يُعد الطموح الإثيوبي خطاً أحمر؟
تمتلك إريتريا شريطاً ساحلياً استراتيجياً يمتد لأكثر من 1000 كيلومتر على البحر الأحمر، ويضم ميناءين رئيسيين هما: عصب (القريب من مضيق باب المندب) ومصوع.
تاريخياً، كانت إثيوبيا تعتمد بالكامل على ميناء "عصب" عندما كانت إريتريا جزءاً منها، وبعد الاستقلال اندلعت حرب (1998-2000) قطعت هذا الشريان، مما أجبر أديس أبابا على الاعتماد بنسبة 95% على موانئ جيبوتي، مقابل دفع رسوم بقيمة مليار دولار سنوياً.
وترى إريتريا في أي محاولة إثيوبية لبناء قوة بحرية عسكرية أو الحصول على موطئ قدم سيادي على البحر الأحمر خطراً وجودياً لعدة اعتبارات:
•هاجس الهيمنة والتوسع: تخشى أسمرة أن تتحول القوة العسكرية الإثيوبية، بجيشها الضخم المنهك داخلياً لكن الطامح خارجياً، إلى أداة لابتلاع الموانئ الإريترية مستقبلاً تحت ذريعة "الحق التاريخي في المنفذ البحري".
•سلاح الابتزاز الاقتصادي: تدرك إريتريا أن بقاء إثيوبيا دولة حبيسة يمنح جيرانها أوراق ضغط جيوسياسية قوية، وأن امتلاك أديس أبابا لبحرية خاصة سيغير توازن القوى الإقليمي بشكل جذري لصالح الهضبة الإثيوبية.
3. المحور المضاد: هندسة حلف (القاهرة - مقديشو - أسمرة(
لمواجهة هذا التهديد، تخلت أسمرة عن سياسة الانعزال التقليدية، وتحركت لبناء مظلة حماية إقليمية عبر استغلال تقاطع المصالح مع قوىً أخرى متوجسة من السياسات الإثيوبية (مصر والصومال(
توج هذا التحرك بالقمة الثلاثية التاريخية في أسمرة (تشرين الأول/ أكتوبر 2024)، التي جمعت الرؤساء أسياس أفورقي، وحسن شيخ محمود، وعبد الفتاح السيسي. وأفرز هذا المحور واقعاً استراتيجياً جديداً:
•تطويق إثيوبيا جيوسياسياً: شكل هذا الحلف كماشة حول إثيوبيا؛ الصومال من الشرق والجنوب الشرقي، وإريتريا من الشمال، ومصر بثقلها العسكري والدبلوماسي.
•التعاون العسكري والاستخباراتي: وقعت إريتريا ومصر اتفاقيات لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتأمين الملاحة في جنوب البحر الأحمر. هذا التحالف منح أسمرة ضامناً عربياً قوياً (مصر)، مستعداً لتقديم الدعم العسكري لفرملة أي طموحات إثيوبية، خاصة في ظل أزمة سد النهضة المستمرة بين القاهرة وأديس أبابا.
4. البراغماتية الإقليمية مقابل العزلة الدولية
على الرغم من أن نظام أسياس أفورقي يُصنف دولياً كأحد أكثر الأنظمة انغلاقاً وتعرّضاً للعقوبات، إلا أن الإدارة الإريترية أثبتت براغماتية شديدة في إدارة ملف البحر الأحمر، حيث نجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة مساومة رابحة، وباتت عاصمةً لقرارات محورية تؤثر مباشرة على أمن الملاحة الدولي ومستقبل القرن الإفريقي.
في الخلاصة، تتحرك إريتريا بدافع الخوف على سيادتها وعقدتها التاريخية من الهيمنة الإثيوبية. هذا الخوف دفعها لإعادة تموضع استراتيجي كامل، واضعةً موانئها وجيشها في خدمة محور إقليمي يهدف إلى احتواء أديس أبابا وضمان عدم تغير الخريطة البحرية للمنطقة.
رابعاً: صراع المحاور والجيوسياسية البحرية – خريطة النفوذ الدولي والإقليمي
عند جمع كافة خيوط اللعبة الاستراتيجية، تتضح الصورة الكاملة؛ فالأمر في القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر لم يعد مجرد نزاعات حدودية أو طموحات محلية لدول المنطقة، بل تحول إلى رقعة شطرنج دولية تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية وعظمى، تسعى للسيطرة على واحد من أهم الشرايين البحرية في العالم (ممر باب المندب وقناة السويس). هذا التنافس أدى إلى فرز المنطقة بوضوح إلى محورين متواجهين، يعيدان رسم الخريطة الأمنية والاقتصادية.
1. المحور الإماراتي-الإسرائيلي وتأثير "صدمة مقديشو"
تتحرك الإمارات وإسرائيل وفق استراتيجية تهدف إلى تأمين عمق لوجستي وأمني في القرن الإفريقي وخليج عدن، لتأمين مصالح الشحن ومواجهة التهديدات الصاروخية ومحاصرة النفوذ الإيراني:
•الاستثمار اللوجستي الإماراتي وعقدة الموانئ: ضخت دولة الإمارات استثمارات هائلة في موانئ المنطقة، أبرزها استثمار شركة "موانئ دبي العالمية" بقيمة 400 مليون دولار لتطوير ميناء بربرة في صوماليلاند، بالإضافة إلى حضورها في موانئ إريترية. هذا الوجود اللوجستي صُمم ليكون ركيزة لنفوذها الجيوسياسي الممتد إلى عمق القارة الإفريقية.
•صدمة كانون الثاني/ يناير 2026 وإلغاء الاتفاقيات: تلقت هذه الاستراتيجية ضربة قوية عندما اتخذت الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو قراراً حاسماً بإلغاء كافة الاتفاقيات الثنائية مع دولة الإمارات، متهمة إياها بالقيام بأعمال تزعزع استقرار البلاد والدعم الضمني للمشاريع الانفصالية.
•تأثير الدومينو على الساحة السودانية: لم تقتصر شظايا هذا القرار على الصومال، بل امتدت لتهدد خطوط الإمداد واللوجستيات لسياسة الإمارات الإقليمية، لا سيما مسارات التحليق والدعم الموجه لقوات الدعم السريع في السودان، التي كانت تعتمد على شبكة القواعد والاتفاقيات في هذه المنطقة الحيوية.
•التوازن السوداني بين المحورين: في المقابل، نسقت السعودية ومصر وتركيا جهودها لدعم القوات المسلحة السودانية عبر تزويدها بالطائرات المسيّرة والمنظومات الدفاعية، في مواجهة الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، لتمتد بذلك رقعة الاستقطاب الإقليمي إلى الساحة السودانية.
2. المحور التركي-المصري-السعودي: "حائط الصد" لحماية السيادة والبحار
في المقابل، تشكل تحالف متين يجمع كلاً من أنقرة والقاهرة والرياض، يعمل كحائط صد قانوني وعسكري لحماية وحدة الصومال وتأمين البحر الأحمر وفق رؤية مشتركة، وتتوزع الأدوار فيه كالتالي:
أ) تركيا: الحارس البحري والميناء الفضائي
توجت تركيا حضورها الاقتصادي والإنساني الطويل في الصومال بتوقيع اتفاقية دفاعية شاملة (شباط/ فبراير 2024)، تمنح القوات البحرية التركية الحق في حماية المياه الإقليمية الصومالية وإعادة بناء جيشها. ولم يتوقف الطموح التركي عند هذا الحد، بل تشير معطيات الأداء الاستراتيجي إلى بدء العمل على مشروع "ميناء فضائي" في الصومال لاختبار الصواريخ والتقنيات البالستية والاستكشافية. من هنا، نجحت أنقرة في تثبيت أقدامها كلاعب أمني لا يمكن تجاوزه عند مدخل المحيط الهندي والبحر الأحمر.
وتجري حالياً نقاشات لإنشاء قاعدة بحرية تركية في منطقة "لاس قوري" الساحلية التابعة لولاية شمال شرق الوليدة، في خطوة من شأنها تعزيز الوجود التركي على طول الساحل الصومالي.
ب) قطر: سد فجوة الانسحاب الإماراتي
وقعت قطر اتفاقية تعاون دفاعي مع الصومال في كانون الثاني/ يناير 2026، وتكفلت بتمويل رواتب نحو 3500 جندي صومالي لتعويض الانسحاب الإماراتي من ملفات الدعم العسكري، في خطوة عززت من ثقل الدوحة داخل التحالف المساند لمقديشو.
ج) السعودية: حماية الضفة الشرقية ومشاريع 2030
تنظر الرياض إلى ما يحدث في القرن الإفريقي بعين التوجس الأمني؛ فشواطئ المملكة الغربية الطويلة على البحر الأحمر تجعلها متأثرة بشكل مباشر بأي اضطراب في الضفة الإفريقية المقابلة. وتنسق السعودية بشكل وثيق مع القاهرة وأنقرة لدعم الحكومة الشرعية في مقديشو وضمان أمن الممرات المائية. هذا الاستقرار يُعد ركيزة أساسية لنجاح مشاريع "رؤية 2030" العملاقة الواقعة على ساحل البحر الأحمر، مثل مشروع "نيوم" و"البحر الأحمر السياحي"، والتي تتطلب بيئة إقليمية مستقرة خالية من الصراعات العسكرية وحروب الموانئ.
وتسعى الرياض إلى صياغة حلف عسكري ثلاثي يجمعها مع القاهرة ومقديشو، تعزيزاً لتنسيقها الأمني مع مصر وتركيا في حماية الملاحة بجنوب البحر الأحمر.
د) الموقف المصري
يمثل الموقف المصري حجر الزاوية والركيزة الأكثر ثقلاً في تشكيل ميزان القوى الحالي في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر. فالقاهرة لم تعد تتعامل مع هذا الملف من منظور "المراقبة الدبلوماسية"، بل انتقلت إلى مرحلة الاندفاع العسكري المباشر والتموضع الاستراتيجي الصلب.
ويمكن تفصيل الموقف المصري بأبعاده الجيوسياسية والعسكرية الميدانية في النقاط التالية:
1. المنطلق الاستراتيجي: الربط بين الأمن المائي والأمن البحري
تنظر القاهرة إلى القرن الإفريقي كعمق أمني مباشر لا ينفصل عن أمنها القومي. ويتأسس هذا المنطلق على مسارين متوازيين:
•عقدة سد النهضة: بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة والملء الأحادي الجانب من قِبل أديس أبابا، باتت مصر ترى في تطويق إثيوبيا سياسياً وعسكرياً في محيطها الإقليمي ورقة ضغط استراتيجية لا غنى عنها لإجبارها على إبداء مرونة في إدارة مياه النيل.
•أمن قناة السويس والبحر الأحمر: إن أي تهديد لسلامة الصومال أو محاولة تغيير الخرائط البحرية عبر صوماليلاند من قِبل إثيوبيا أو إسرائيل يمثل تهديداً مباشراً لحركة الملاحة الواصلة إلى قناة السويس، التي تُعد أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد المصري.
2. التموضع العسكري الميداني في الصومال
شهدت الساحة الصومالية تحولاً جذرياً في الوجود المصري، حيث انتقلت القاهرة من الدعم السياسي إلى النشر العملياتي للقوات. تشير التقارير العسكرية إلى تفعيل بنود اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وحسن شيخ محمود:
•حجم وطبيعة القوات: نجحت مصر في إرسال دفعات من قواتها المسلحة إلى الصومال. توصف هذه القوات بأنها "ميكانيكية عالية الكفاءة" ومجهزة للعمل في بيئات شديدة التهديد، حيث تضم مدرعات متطورة ومركبات مضادة للألغام والكمائن.
•خريطة الانتشار (مواجهة الشباب وأديس أبابا): تتوزع القوات المصرية ضمن مهام ثنائية وضمن بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة لدعم الاستقرار (أوصوم). وتتمركز القوات في مناطق بالغة الحساسية، أبرزها منطقة "شبيلي الوسطى"، لمساعدة الجيش الصومالي في تأمين المناطق المحررة من حركة الشباب، وفي الوقت نفسه تشكيل جدار صد أمني يمنع أي تمدد للنفوذ الإثيوبي.
3. هندسة "تحالف أسمرة" واحتواء الهيمنة الإثيوبية
لم تكتفِ مصر بالوجود في مقديشو، بل قادت تحركاً دبلوماسياً نوعياً لإنشاء محور (القاهرة - مقديشو - أسمرة)، والذي تم تتويجه بقمة ثلاثية تاريخية، وتبعته زيارات متبادلة مستمرة، منها زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة لعقد مباحثات مغلقة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
من خلال هذا المحور، نجحت مصر في تحقيق هدفين:
- تطويق إثيوبيا جيوسياسياً: جعل أديس أبابا تشعر بعزلة إقليمية، وبأنها محاصرة بحزام أمني يمتد من حدودها الشمالية (إريتريا) إلى حدودها الشرقية والجنوبية (الصومال).
- شراكة استخباراتية بحرية: تنسيق الجهد الاستخباراتي والبحري مع إريتريا لمراقبة الجزر والممرات المائية في جنوب البحر الأحمر، لضمان عدم تأجير أو منح أي موطئ قدم لقوى معادية للسيادة الصومالية أو الأمن القومي العربي.
4. الموقف الصارم من "طفرة الاعتراف" الإسرائيلية
مع بروز خطوة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند الانفصالي، وتواتر الأنباء عن رغبة تل أبيب في الحصول على تسهيلات بميناء بربرة، اتخذت مصر موقفاً حازماً، وحذرت من أن "الاعتراف بالحركات الانفصالية يمثل سابقة خطيرة تهدد سلامة واستقرار القارة الإفريقية بأكملها".
واعتبرت الدبلوماسية المصرية أن هذه الخطوة الإسرائيلية محاولة لالتفاف تل أبيب على حصارها البحري عبر خلق بؤر توتر جديدة قرب باب المندب، وردت مصر بتعميق شراكتها اللوجستية والعسكرية مع مقديشو، لتأكيد أنها الضامن الإقليمي الأول للسيادة الصومالية.
خلاصة الموقف المصري
لقد تحولت مصر في القرن الإفريقي إلى لاعب "خشن" ومباشر؛ فبينما تقود الدبلوماسية التركية مسارات الوساطة والتسوية (مثل إعلان أنقرة)، تمثل مصر القوة العسكرية الرادعة على الأرض. هذا الحضور المصري المكثف أعاد ترتيب الحسابات الإثيوبية، وجعل أديس أبابا تدرك أن أي مغامرة غير شرعية للوصول إلى البحر ستصطدم مباشرة بالآلة العسكرية المصرية المتمركزة على الشواطئ الإفريقية.
خامساً: تداعيات حرب إيران وأميركا في الخليج على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي
لم تعد جبهة جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي معزولة عن بركان الشرق الأوسط؛ إذ أدى اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي إلى إحداث "تأثير الدومينو" الجيوسياسي، الذي نقل ارتدادات الحرب سريعاً إلى مضيق باب المندب وخليج عدن عبر المسارات التالية:
1. عسكرة المضائق الشاملة وترابط الجبهات
مع تعرض خطوط الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز للتهديد المباشر جراء الحرب، تحولت الممرات المائية في جنوب البحر الأحمر إلى بديل استراتيجي ومسار وحيد محفوف بالمخاطر للتجارة الدولية. وبإيعاز وتنسيق مع طهران لتخفيف الضغط عنها في الخليج، عمدت حركة الحوثيين في اليمن إلى تصعيد عملياتها العسكرية بشكل غير مسبوق عبر استخدام جيل جديد من الصواريخ البالستية والمسيّرات الانقضاضية، مما جعل من مضيق باب المندب جبهة استنزاف ثانية ومباشرة ضد البحرية الأميركية والقطع البحرية الغربية.
2. تعاظم القيمة الاستراتيجية للتحالف الإسرائيلي مع صوماليلاند
في ضوء هذه الحرب، اكتسب الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية صوماليلاند وزيارة جدعون ساعر لهرجيسا أبعاداً تسليحية وعملياتية عاجلة. إذ لم تعد المفاوضات حول "قاعدة ميناء بربرة" مجرد خطوة استباقية، بل تحولت إلى حاجة دفاعية ملحة لمنظومة الأمن الإسرائيلية-الأميركية، بهدف نشر منظومات رصد مبكر ودفاع جوي وصاروخي متطورة في محيط الميناء، لمراقبة واعتراض الإمدادات والأنشطة الإيرانية المحمولة بحراً، ومحاولة خنق أي تمدد لنفوذ طهران وحلفائها على الضفة الإفريقية المقابلة لليمن.
3. اختبار محاور الردع الإقليمية (حائط الصد وحلف أسمرة)
وضعت حرب الخليج القوى الإقليمية الموجودة في القرن الإفريقي أمام تحديات معقدة:
•الموقف المصري: وجدت القاهرة نفسها أمام معادلة أمنية بالغة الحساسية، حيث تسبب تصاعد الصراع البحري في تراجع إضافي لعائدات قناة السويس. هذا الأمر دفع بالتموضع العسكري المصري في الصومال وهندسة "تحالف أسمرة" مع إريتريا إلى مرحلة الجاهزية القصوى، ليس فقط لاحتواء الطموح الإثيوبي، بل لمنع تحول السواحل الصومالية والإريترية إلى مناطق نفوذ أو تهريب تخدم أطراف الصراع الدولي-الإقليمي في الخليج.
•الموقف السعودي: ضاعفت الحرب من حاجة الرياض لتأمين ضفتها الغربية، مما جعل تنسيقها مع القاهرة وأنقرة لدعم استقرار مقديشو ضرورة قصوى لمنع انهيار الأمن البحري الكلي، الذي يهدد بشكل مباشر مشاريع "رؤية 2030" الاقتصادية على البحر الأحمر.
•الدور التركي: تزايدت أهمية الاتفاقية الدفاعية التركية-الصومالية، حيث تحولت القطع البحرية التركية التي تحمي المياه الإقليمية الصومالية إلى صمام أمان يمنع انزلاق هذه الشواطئ إلى أتون حرب الوكلاء المستعرة في الخليج واليمن.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية (صدام أم تعايش في ظل حرب الخليج)؟
يقف القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر أمام مسارات مستقبلية حرجة، تداخلت فيها عقدة الموانئ المحلية مع حسابات الحرب بين واشنطن وطهران:
1. سيناريو الانفجار والمواجهة الشاملة المتعددة الجبهات (حرب الوكلاء الكبرى)
يتجسد هذا المسار إذا أدى استعار الحرب الأميركية-الإيرانية في الخليج إلى دفع طهران وحلفائها الحوثيين نحو نقل الثقل العسكري بالكامل إلى باب المندب، بالتوازي مع إصرار أديس أبابا وتل أبيب على عسكرة إقليم "صوماليلاند" الانفصالي. في هذه الحالة، سيتداخل الصراع الإقليمي بالصراع الدولي، وستجد إثيوبيا وإسرائيل نفسيهما في مواجهة مباشرة مع "الخط الأحمر" المصري-التركي-الصومالي. ولن يقتصر الصدام على البحر، بل ستتحرك مصر لتفعيل نفوذها العسكري وجدار صدها الأمني في الصومال لتطويق إثيوبيا، مع استغلال الانقسامات العرقية المتفجرة داخل الهضبة الإثيوبية نفسها (مثل تمرد الفانو في الأمهرة وجيش تحرير أورومو)، مما يدخل عموم القرن الإفريقي في لجة حرب إقليمية واسعة مدفوعة بوقود الصراع المستعر في الخليج.
2. سيناريو التعايش والبراغماتية المفروضة بـ"قوة الردع المتعددة"
يقوم هذا السيناريو (وهو الأكثر ترجيحاً) على إدراك إثيوبيا وحلفائها الدوليين أن تكلفة اختراق السيادة الصومالية أصبحت باهظة ومستحيلة عسكرياً، خاصة مع النشر العملياتي للقوات المصرية ذات الكفاءة العالية، والغطاء البحري التركي لمقديشو، ورغبة القوى الكبرى في عدم فتح جبهة انهيار شاملة جديدة في إفريقيا بالتزامن مع حرب الخليج. هنا، ستُجبر أديس أبابا على الرضوخ الكامل لمنطق "إعلان أنقرة"، والتخلي نهائياً عن أوهام السيادة البحرية القسرية أو الاعتراف بصوماليلاند، مقابل صيغة براغماتية توفر لها تسهيلات تجارية وموانئ مستأجرة تحت السيادة القانونية الكاملة لجمهورية الصومال الفيدرالية، وهو ما يضمن نزع فتيل الحرب وحفظ توازن القوى وحماية الممرات المائية من الاستقطاب الدولي الحاد.
الخاتمة
لم تعد منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، مع منتصف عام 2026، مجرد مسرح لنزاعات محلية أو أزمات داخلية معزولة، بل ترسّخت كواحدة من أهم جبهات الصراع الجيوسياسي الدولي المترابط عضوياً بأمن الخليج والشرق الأوسط. فقد أثبتت الأشهر الأخيرة أن "عقدة الموانئ" وطموحات التوسع البحرية، وحتى محاولات التوظيف الاستراتيجي في ضوء الحرب الأميركية-الإيرانية المستمرة منذ نهاية شباط/ فبراير 2026، دون أن تلوح لها نهاية واضحة، قد اصطدمت بحائط صد إقليمي صلب، حيث واصلت مصر تعزيز حضورها العسكري في الصومال وتوسيع مظلة "تحالف أسمرة" مع إريتريا والصومال، فيما مددت الأمم المتحدة مأمورية بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (أوصوم) حتى نهاية عام 2026، في مؤشر على تكرّس هذا الإطار كبيئة تشغيل دائمة، لا كمرحلة عابرة.
في المقابل، لم يخلُ المسار من التصدعات، فقد بدأت تظهر داخل هرجيسا نفسها خلافات سياسية حول جدوى الانفتاح على إسرائيل، مع انتقادات متصاعدة من أوساط المعارضة، وحتى من الرئيس السابق موسى بيهي عبدي، لطريقة إدارة ملف الاعتراف، في وقت لا تزال فيه صوماليلاند الكيان الوحيد الذي اعترفت به إسرائيل رسمياً حتى تاريخه، من دون أن تحذو حذوها أي دولة عضو أخرى في الأمم المتحدة، فيما لا تزال واشنطن، رغم الضغوط المتكررة من دوائر جمهورية مؤثرة، متريثة في حسم موقفها النهائي من الاعتراف بصوماليلاند.
في هذا الإقليم المضطرب بفعل أمواج الحروب الإقليمية وارتدادات المواجهة الأميركية-الإيرانية، التي لا تزال تتفاعل فصولها فوق مياه الخليج وباب المندب معاً، تظل "السيادة القانونية" هي العملة الأكثر استقراراً؛ فالتحالفات قد تُبنى وتنهار في غضون أشهر، لكن الجغرافيا تظل ثابتة. ومن يمتلك القدرة على فرض توازن القوى وحماية الممرات المائية الدولية هو من سيمسك، في النهاية، بمفاتيح وصياغة مستقبل هذا الشريان العالمي الاستراتيجي.




