أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بصفته رئيس مجلس السلام، ثم الممثل السامي نيكولاي ميلادينوف، عن التوصل إلى توافق مع الوسطاء وحركة حماس من أجل الانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب واتفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها في غزة، الذي جرت شرعنته بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.
هذا الإعلان يمثل عودة إلى الخطة "أ" للاتفاق، بعدما رفضت الولايات المتحدة سعي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى تنفيذ الخطتين "ب" و"ج"، ما دفع المجلس إلى التفكير بالانتقال إلى الخطة "د"، لتنفيذ الاتفاق في خمس مناطق شرق قطاع غزة خاضعة لسيطرة الاحتلال، ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، ثم الاكتفاء بما يمكن تسميتها الخطة "د ماينس"، بمعنى التنفيذ الجزئي في منطقة محددة صغيرة شرق رفح، وانتظار مآلات التطورات المتلاحقة في الإقليم.
وأمام رفض الفلسطينيين والوسطاء العرب والمسلمين، قطر وتركيا ومصر، للخطة، باعتبارها تذاكياً والتفافاً على جوهر الاتفاق، واقتناع الراعي الأميركي، الراغب أصلاً بالعودة إلى الخطة "أ" ضمن حسابات إقليمية واسعة، جرى الطلب من الوسطاء إقناع حماس والفصائل بقبول خارطة طريق ميلادينوف لتنفيذ الاتفاق، وهو ما حصل فعلاً فيما يخص البندين الخامس والثامن تحديداً، المتعلقين بالموظفين والسلاح.
ومع الانتباه إلى أن هذا الاتفاق كان بالإمكان التوصل إليه قبل شهور، على قاعدة المصالح الوطنية الفلسطينية المتعلقة بوقف الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية، وانطلاق عمل لجنة إدارة غزة، والشروع بعمليات التعافي وإعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي إلى خارج القطاع، ضمن أفق ومسار سياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
الانتقال إلى المرحلة الثانية
إذن، أعلن دونالد ترامب، بصفته رئيس مجلس السلام، ونيكولاي ميلادينوف، الممثل السامي له في غزة، عن التوصل إلى توافق مع حماس والوسطاء لتنفيذ خارطة الطريق التي وضعها ميلادينوف، من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب ورسم معالم اليوم التالي لها في غزة.
تتضمن الخارطة الخطوط العريضة لتنفيذ المرحلة الثانية، بالتوازي مع إكمال التزامات واستحقاقات المرحلة الأولى التي تنصلت منها إسرائيل، وتحديداً فيما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كبيرة، وفتح المعابر، ووقف الغارات والاغتيالات. علماً أن المرحلة الثانية تتضمن انتشار قوة الاستقرار الدولية، ومباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة عملها، وإطلاق عملية تدريجية لنزع "تجميع وتخزين" السلاح، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ثم الكامل، إلى خارج القطاع، مع فرض اللجنة سيطرتها الكاملة مدنياً وإدارياً وأمنياً.
منذ طرح ميلادينوف خطته منتصف أيار/ مايو الماضي، بالتنسيق مع الوسطاء الثلاثة، لم يكن هناك اعتراض فلسطيني كبير على السياق العام لها، حتى مع التحفظات على بعض البنود، بينما تركزت الخلافات حول البندين الخامس والثامن، المتعلقين بالموظفين المدنيين والأمنيين بالسلطة الحالية التابعة لحماس، وكيفية التعاطي مع سلاح الحركة وبقية فصائل المقاومة في غزة.
من الخطتين "ب" و"ج" إلى "د ماينس"
في ظل تعثر تنفيذ الاتفاق، سعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بانتهازية، للقيام بعملية عسكرية واسعة لاحتلال كامل القطاع، الخطة "ب"، أو الحفاظ على الواقع الراهن، الخطة "ج"، مع تمدد بطيء للخط الأصفر ومواصلة الغارات والاغتيالات بحق قادة المقاومة. بينما سعى ميلادينوف إلى تنفيذ الاتفاق، ولو جزئياً، في منطقة محددة شرق غزة، الخطة "د ماينس"، كما شرحنا هنا.
رفضت حماس الخطة "د"، بلس وماينس، كونها أدركت دلالاتها الاستراتيجية لجهة تقسيم غزة إلى شرقية وغربية، وبالحد الأدنى إدامة الواقع الراهن، حيث السيطرة الإسرائيلية على ثلاثة أرباع القطاع، وحشر مليوني فلسطيني في الربع الباقي بأوضاع إنسانية كارثية.
وطلبت من الوسطاء التدخل والضغط على الوسيط الأميركي لمنعها، وهو ما حصل فعلاً، في ظل تفضيل البيت الأبيض، لأسباب إقليمية واسعة، الخطة "أ"، أي تنفيذ الاتفاق كاملاً، واعتبار موافقة إسرائيل أمراً مفروغاً منه، كونها وافقت عليه مسبقاً، والطلب، بالمقابل، من الوسطاء إقناع حماس بقبول خارطة طريق ميلادينوف، وإبداء مرونة أكبر في بندي الموظفين ونزع السلاح.
تفاهمات الموظفين والسلاح
بعد مفاوضات طويلة امتدت لأسابيع، بل لشهور، وانخراط كبير للوسطاء، قطر وتركيا ومصر، مع حماس وميلادينوف، على قاعدة أن الاتفاق وحده على الطاولة والبدائل الأخرى كلها سيئة، جرى التوصل إلى حلول ومخارج مرضية نسبياً للبندين الخامس والثامن المتعلقين بالموظفين والسلاح.
وجرى التوافق على مسؤولية لجنة إدارة غزة عن الموظفين بمجرد تسلم مسؤولياتها، لا بأثر رجعي، رغم بقائهم على رأس عملهم وتقاضي رواتبهم جزئياً خلال السنوات الماضية، والتعاطي العادل والنزيه معهم على قاعدة القانون الفلسطيني، وتقديم التعويضات المستحقة فيما لو جرت إحالتهم إلى التقاعد، مع تحويل خمسة آلاف عنصر من القطاع الأمني إلى المدني، وبقاء موظفي التعليم والصحة، 20 ألفاً تقريباً، على رأس عملهم، ما يعني استمرار ثلاثة أرباع الموظفين تقريباً، والاستغناء عن الربع الباقي، وتمتعهم بحقوقهم الإدارية والمالية كاملة.
النقاش الأكبر تركز، بالطبع، على بند السلاح، والتفاوض حول المصطلح شكلاً ومضموناً، والتمييز بين الثقيل، الذي سيتم جمعه وتخزينه بإشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومواكبة قوة الاستقرار الدولية ولجنة تحقق خاصة تضم الوسطاء ومجلس السلام، وبين الخفيف الخاضع لأحكام القوانين الفلسطينية ذات الصلة.
تنفيذ بند السلاح سيجري بمجرد مباشرة اللجنة الإدارية عملها والانكباب على عمليات التعافي المبكر والإيواء العاجل، ثم إعادة الإعمار، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي إلى الخط الأصفر، 53 بالمئة من مساحة القطاع، ثم تدريجياً إلى خارجه.
وقبل ذلك، تلتزم تل أبيب باستحقاقات المرحلة الأولى لجهة وقف النار والعدوان، وإدخال المساعدات، وفتح المعابر أمام حرية الحركة للمواطنين والبضائع، وبالطبع نزع سلاح وتفكيك الميليشيات العاملة بمناطق انتشار جيش الاحتلال.
الموقف الإسرائيلي
التزمت إسرائيل الصمت تجاه إعلان ترامب وميلادينوف، مع طرح تحفظات انتهازية للمماطلة والحصول على مكاسب إضافية، رغم حديث الممثل السامي عن التزام إسرائيلي مسبق، وهو نفس ما يقوله الراعي الأميركي، والإشارة إلى وضع هذا الالتزام في سياق تفاهمات إقليمية أوسع تتعلق بالحرب ضد إيران.
في الأخير، وبالعموم، لا بد من التذكير بحقيقة أن اتفاق وقف النار ليس مثالياً، بل سيئاً، لكن الواقع في غزة أسوأ، بل مأساوي، عوضاً عن كونه وحده على الطاولة والبدائل عنه كارثية.
بينما يتضمن الاتفاق، "على علاته"، التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وانسحاب الاحتلال وتفكيك ميليشياته، وخلق الأفق وشق المسار نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير. وباختصار، هو مؤلم، لكن الأولوية يجب أن تبقى للمصالح الوطنية، كما تقول، عن حق، حركة حماس في سياق شرح وتبرير التفاهم الأخير والاتفاق بشكل عام.




