دبت الحياة في صوت مندوب الاتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة، وراح يزغرد مشدداً على حق أوكرانيا في "ممارسة حقها الأصيل في الدفاع عن النفس"، في كلمته أمام مجلس الأمن قبل أيام. لم يكن مفاجئاً تباهيه بأن الاتحاد "يستمر في وقوفه بحزم للدفاع عن القانون الدولي". لكن الغريب أن هذا الخطاب جاء بعد أقل من أسبوع على اجتياح المستوطنين الدامي لنابلس المحتلة. وتعامل الاتحاد، في بيانه الرسمي حول هذا الانتهاك السافر للقانون الذي تغنى به المندوب النشيط، مع الضحية والجزار على قدم المساواة، ومضى "يحث الأطراف كلها" على تجنب التصعيد!
أما مدريد، على سبيل المثال، فأعربت عن "إدانتها بشدة للعنف المتواصل الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون (...) ضد السكان الفلسطينيين من دون عقاب أو وازع".
تواطؤ أوروبا
يبدو الاتحاد أكثر أوكرانية من أوكرانيا في التصدي للغزو الروسي، فيما يبقى "محايداً" حيال غزو المستوطنين الإسرائيليين لمناطق محتلة، وهم غرباء لا يسمح لهم القانون الدولي أصلاً بالعيش على أرض مسروقة.
هذا التوجه المخاتل لا يؤكد فقط الصور النمطية عن نفاق أوروبا وسعيها لتحقيق مصالحها الاستعمارية بصرف النظر عن كل اعتبار، بل يفضح عدم اكتراثها بقوانينها هي. فاتفاقية الشراكة الموقعة مع تل أبيب في عام 2000، التي تعود على دولة الاحتلال بمكاسب تجارية مهمة، ينصّ بندها "الثاني" على "احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية". وهذا ما تثيره إسبانيا وإيرلندا منذ 2024 في مشروع لتجميد اتفاقية الشراكة مع دولة احتلال تنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني ليل نهار. إلا أن المشروع لا يزال يتعثر، بفضل دول تتصدرها حالياً ألمانيا وسلوفاكيا والنمسا.
والحق أن أوروبا تتحمل مسؤولية خاصة حيال فلسطين، لأنها كانت متواطئة تاريخياً ضدها. في الماضي، صنعت المشكلة حين اضطهدت اليهود، ثم حاولت التخلص منهم بإرسالهم إلى فلسطين. وفي الحاضر، "قبلت السردية الإسرائيلية" التي تدعي أن الحياة يمكن أن تستمر في الشرق الأوسط من دون معالجة القضية الفلسطينية، بحسب الباحثة الإيطالية ناتالي توتشي، حتى جاء "طوفان الأقصى" ليفضح زيف تلك الكذبة الكبيرة.
"المرض" الألماني
إن العثور على أدلة لوقوف الاتحاد الأوروبي، الذي تقوده أورسولا فون دير لاين، وزيرة الدفاع الألمانية سابقاً، إلى جانب إسرائيل، لا يحتاج إلى كثير من العناء. فهي "مريضة"، كما يبدو، بداء الشعور بالعار من المحرقة النازية الذي يؤرق بلادها. وأصحاب هذا المرض يتخيلون أن الفوز بصك البراءة من هذه الجرائم ضد الإنسانية ممكن فقط من خلال دعم إسرائيل المطلق، حتى حين ترتكب جرائمها ضد الإنسانية! لذا تساءل وزير المالية اليوناني الأسبق يانيس فاروفاكيس: "كم فلسطيني يجب أن يُقتل لكي تغسل أوروبا (ألمانيا؟) إحساسها بالعار".
وفي آخر اجتماع لمجلس الشؤون الخارجية التابع للاتحاد (13 تموز/يوليو)، تجلت أعراض هذا "المرض" مرة أخرى. فبرلين هددت عشية انعقاده باستعمال الفيتو لإسقاط مشروع مقاطعة منتجات المستوطنات إذا لزم الأمر. لكنه لم يُطرح على التصويت، فيما حاولت المفوضية أن تستل روحه في خطوة اعتُبرت أقرب إلى "التطبيع مع كيانات غير شرعية"، من خلال استبدال عقوبات من نوع أو آخر على هذه الكيانات بمقاطعتها الكاملة. ويُعتقد أن فون دير لاين، التي تماطل منذ سنوات في معاقبة إسرائيل، كانت رأس الحربة في حملة الدفاع عن المستوطنات.
موقف الاتحاد الأوروبي الملتبس يؤجج الخلافات في أوساطه. مثلاً، كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية، تسير على خطى سلفها جوزيب بوريل، إذ تشتبك مع رئيسة المفوضية، كما تتهم إسرائيل بممارسة سياسة "فصل عنصري". وتقرع، هي وآخرون، أبواب الضمير الأوروبي، ولا من مجيب.
الكيل بمكيالين
وهنا بيت القصيد. فالقضية لم تعد محاسبة إسرائيل، بل باتت تتركز حول جدوى الاتحاد الأوروبي وهويته وأخلاقياته. تكاد ازدواجيته لا تؤذي أحداً أكثر منه. فهي تشق الصف سلفاً، وتدفع دولاً لاتخاذ قرارات انفرادية، كما فعلت إسبانيا وإيرلندا ضد السياسات الإسرائيلية، ما يعني شلّ قدرته على الأداء ككتلة كما يليق بأي مجموعة مؤثرة.
لطالما تشدق الاتحاد بأن رأسماله الأساسي هو التزامه بقواعد الحق والعدالة، وأنه يمثل "قوة عظمى معيارية" (نورماتيف باور) تسعى إلى التغيير في العالم من خلال القيم التي تتبناها. لكن ماذا يتبقى له من الهيبة بعدما أخذ دأبه على الكيل بمكيالين يتكشف، واحد لأوكرانيا والآخر لفلسطين؟ لم يعد بوسع دبلوماسييه، على الأغلب، التعويل على ما يسمى "تأثير بروكسل" (ذا بروكسل إفكت) للمساهمة في تحريك دفة الأحداث في الخارج.
فلو حاولوا "توبيخ" ميانمار أو روسيا أو الصين، مثلاً، أو إلقاء محاضرات أخلاقية عليها بسبب ما يعتبرونه انتهاكات لحقوق الإنسان، سيسألهم "المذنبون": ولماذا لم تدفعكم قيمكم المزعومة إلى التحرك ضد إسرائيل التي تتجاوز باستمرار كل الخطوط الحمراء؟ لهذا، فإن ازدواجية بروكسل هي أقصر طرق الخروج من معترك التأثير كقوة متوسطة كان مأمولاً أن تقوم بدور إيجابي على مستوى العالم.




