الشرع: كنت واثقاً بسقوط النظام وبناء الدولة بدأ من إدلب

المدن - عرب وعالمالاثنين 2026/08/03
أحمد الشرع (Getty)
الشرع: الجمود على الأفكار القديمة هو "المقتَل".. والهزائم أكبر مدرسة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا تمثل "المفصل الأساسي" في المنطقة، مشيراً إلى أنه كان على يقين بأن نظام بشار الأسد سيسقط نتيجة الجرائم الكثيرة التي ارتكبها بحق السوريين، معتبراً أن إزالة النظام كانت ضرورة للعالم والمنطقة، وليس لسوريا وحدها.

وفي لقاء مطول ضمن برنامج "المقابلة" على قناة "الجزيرة"، استعرض الشرع محطات من حياته الشخصية والفكرية، متحدثاً عن نشأته، وتجربته في العراق، وسنوات السجن، وعودته إلى سوريا، والمراجعات الفكرية التي أجراها، وصولاً إلى مشروعه في بناء الدولة بعد إسقاط النظام.

 

النشأة وتكوين الهوية

وقال الشرع إنه وُلد في المملكة العربية السعودية قبل أن تعود أسرته إلى دمشق عندما كان في السابعة من عمره، حيث نشأ في حي المزة، مؤكداً أن ارتباط الإنسان بالمكان الذي يعيش فيه يترك أثراً عميقاً في تكوين شخصيته وانتمائه، مشيراً إلى أن تفاصيل الحي بقيت راسخة في ذاكرته حتى إنه زار منزله القديم في الليلة الأولى بعد دخوله العاصمة عقب سقوط النظام.

وأوضح أن أسرته نشأت في بيئة تهتم بالعلم والثقافة، فوالده درس الاقتصاد والعلوم السياسية وكان يميل إلى الفكر القومي الناصري، بينما عملت والدته معلمة للجغرافيا وكانت تكتب الشعر، الأمر الذي جعل القراءة والثقافة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية داخل المنزل، وشجع أبناء الأسرة على التحصيل العلمي منذ الصغر.

وأشار إلى أن انتماءه للجولان المحتل تبلور من خلال الخطاب اليومي داخل الأسرة والمجتمع، مؤكداً أن سوريا تشكلت عبر سبعة آلاف عام من التنوع الحضاري، وأن قضية الجولان بقيت حاضرة في وجدانه منذ طفولته.

وأضاف أن اهتمامه باللغة العربية والأدب والشعر الجاهلي، ولا سيما المعلقات وقصائد عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى، أسهم في تشكيل وعيه المبكر، إلى جانب التجربة الدينية التي عاشها في جامع الأكرم بحي المزة، حيث قال إن المسجد شهد ولادة أسئلته الكبرى حول الواجب والمسؤولية، وكان يسلك بمفرده طريقاً مظلماً يعرف باسم "حارة العشاق" للوصول إليه وهو منشغل بالتفكير في واقع الأمة ومستقبلها.

 

بين الفكر القومي والإسلامي

وقال الشرع إنه تأثر في شبابه بالخطاب القومي العربي الذي ركز على قضايا الشعوب العربية، معتبراً أن هناك نقاط التقاء بينه وبين الخطاب الإسلامي، لكنه شدد على ضرورة التفريق بين الإسلام بوصفه ديناً ثابتاً، وبين التجارب الإسلامية التي تتداخل فيها الاجتهادات البشرية.

وأضاف أن البيئة التي نشأ فيها كانت رافضة للنظام المخلوع بسبب سياساته وممارساته بحق المواطنين، مؤكداً أنه استفاد من مختلف التجارب التي مر بها، وبدأ منذ وقت مبكر التفكير في ترتيب العمل لإسقاط النظام من داخل دمشق.

 

العراق... بداية التجربة الميدانية

وتحدث الشرع عن توجهه إلى العراق مطلع عام 2003، موضحاً أنه غادر سوريا منفرداً ومن دون تنسيق مع أي جهة، انطلاقاً من قناعة بأن أداء "الواجب" يتطلب خوض تجربة ميدانية كاملة. وأوضح أنه دخل العراق مستخدماً جواز سفر نظامياً وهو في الحادية والعشرين من عمره، بينما لم تكن أسرته على علم بقراره، إذ ترك لها رسالة قبل مغادرته.

وكشف أنه استخدم هوية عراقية مستعارة باسم "أمجد مظفر حسين"، وهو الاسم نفسه الذي كان والده قد استخدمه خلال إقامته في بغداد للتواري عن أجهزة أمن النظام السوري، مشيراً إلى أن هذه الهوية بقيت ملازمة له طوال سنوات اعتقاله في العراق.

وقال إن الواقع الذي واجهه هناك كان أكثر تعقيداً مما توقع، في ظل الاحتلال الأميركي وتشابك الصراعات الداخلية والقبلية، وهو ما أسهم في توسيع رؤيته لطبيعة الأزمات التي تشهدها المنطقة. وأضاف أنه انضم خلال تلك المرحلة إلى فصائل جهادية، قبل أن يتعرض للاعتقال، حيث أمضى نحو خمس سنوات في السجن.

 

السجن والمراجعات الفكرية

ووصف الشرع سنوات السجن بأنها كانت مرحلة مفصلية في حياته الفكرية، إذ تفرغ خلالها للقراءة والكتابة ودراسة التاريخ والفلسفة وتفسير القرآن، مؤكداً أنه أعد عشرات الأوراق والمراجعات الفكرية التي أسهمت لاحقاً في تشكيل رؤيته السياسية والفكرية.

وأشار إلى أن أبرز ما خرج به من التجربة العراقية هو ضرورة عدم تكرارها في سوريا، مؤكداً أن لكل بلد خصوصيته وظروفه، وأن إنقاذ سوريا يتطلب مشروعاً مختلفاً يقوم على الواقعية ويتجنب إعادة إنتاج أخطاء الماضي. وأضاف أن تجربة الحركات الجهادية في العراق كشفت له ضيق الأفق وسوء التعامل مع المجتمع، موضحاً أنه لم يلتزم بالموروث التنظيمي التقليدي، بل سعى إلى تطوير رؤيته بصورة مستقلة.

 

العودة إلى سوريا ومواجهة تنظيم الدولة

وأوضح الشرع أنه عاد إلى سوريا عام 2011 بعد خمسة أشهر من اندلاع الثورة، وعاش في البداية متخفياً قبل أن يبدأ تنظيم العمل من الداخل، ثم توجه إلى المناطق الشرقية لتأمين متطلبات المرحلة التالية. وأشار إلى أن الثورة السورية لم تكن مساراً واحداً، بل ضمت تيارات وأفكاراً متعددة توحدت حول هدف إسقاط النظام، قبل أن يفرض تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" مساراً مختلفاً أدى إلى اندلاع مواجهة مباشرة معه.

وقال إن التنظيم حاول نقل التجربة العراقية إلى سوريا، وارتكب جرائم بحق خصومه، كما حاول حرف مسار الثورة عن أهدافها، مضيفاً أن قادة تنظيمي "القاعدة" و"داعش" لم يتوقعوا نجاح الثورة السورية في بدايتها، لكنهم سعوا لاحقاً إلى استغلالها بعد تقدمها الميداني.

وأكد أن المواجهة مع تنظيم الدولة كلفت قواته نحو 70% من قدراتها العسكرية، مشيراً إلى أن توجيه السلاح إلى الداخل هو الأعلى كلفة، لكنه شدد على أن تلك المواجهة كانت ضرورية للحفاظ على مسار الثورة ومنع انحرافها.

وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني وروسيا استفادا من وجود تنظيم الدولة لتشويه صورة الثورة السورية أمام المجتمع الدولي، وتبرير تدخلهما العسكري تحت شعار "محاربة الإرهاب".

 

المراجعات الفكرية

وتحدث الشرع باستفاضة عن المراجعات الفكرية التي أجراها خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الجمود على أفكار كُتبت قبل مئة عام أو الالتزام بمسارات بشرية واعتبارها مقدسة يمثل "المقتَل بحد ذاته"، مشدداً على ضرورة مراجعة الأفكار باستمرار بما ينسجم مع تطورات الواقع. وقال إن أكبر مدرسة تعلم فيها كانت "الهزائم"، موضحاً أن خسارة مساحات واسعة في إدلب عام 2019 دفعته إلى مراجعة التجربة واستخلاص الدروس، ومؤكداً أن القائد الناجح هو من لا يكرر الخطأ نفسه مرتين، بل يبحث عن طريقة جديدة للتعامل مع الخسارة حتى يصل إلى النجاح.

وأضاف أنه ظل مؤمناً بمبادئ عامة، في مقدمتها العدل، لكنه رفض تحويل الاجتهادات والأفكار البشرية إلى "أصنام مقدسة"، معتبراً أن سرعة الأحداث تفرض اجتهاداً متجدداً يتجاوز النصوص القديمة، وأن التطور الفكري يمثل حالة صحية، بينما يفرض الواقع على القائد تصحيح المسار عندما تثبت التجربة عجز بعض العناوين عن بناء المؤسسات وإدارة الدولة.

وأشار الشرع إلى أن هذه المراجعات أسهمت في انتقاله من منطق الفصائلية إلى نهج الدولة والمؤسسات، موضحاً أن الهدف لم يكن إدارة الحرب فقط، بل بناء مشروع قادر على إدارة المجتمع وتأسيس مؤسسات مستدامة. وأوضح أن هذا المسار انعكس أيضاً على تطور البنية التنظيمية التي قادها، إذ أسس "جبهة النصرة" عام 2012، قبل أن يعلن تغيير اسمها إلى "جبهة فتح الشام" مع فك الارتباط بتنظيم القاعدة، وصولاً إلى "هيئة تحرير الشام".

 

إدلب... نواة مشروع الدولة

ووصف الشرع تجربة إدلب بأنها أول فرصة لتطبيق رؤيته للدولة عملياً، معتبراً أنها شكلت نواة المشروع الذي انتقل لاحقاً إلى مستوى الدولة السورية. وأوضح أن نجاح التجربة اعتمد على استراتيجية فصل العمل العسكري عن إدارة الشؤون المدنية من خلال "حكومة الإنقاذ"، بما أتاح بناء مؤسسات مدنية بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.

وأكد أن إزالة النظام المخلوع كانت ضرورة ليس لسوريا وحدها، وإنما للمنطقة بأكملها، مشيراً إلى أن العمل لم يقتصر على القتال، بل تضمن منذ البداية الإعداد لمرحلة البناء وإقامة مؤسسات قادرة على إدارة البلاد.

وقال إنه كان يعطي الحرب حقها، لكنه كان يمنح البناء والاقتصاد والإدارة القدر نفسه من الاهتمام، رغم أن إدلب كانت منطقة محاصرة وتتعرض لضغوط كبيرة، مضيفاً أن فريقه عمل على نقل صورة التجربة في إدلب والمناطق المحررة إلى الخارج من خلال وسائل الإعلام واستقبال الوفود والزوار للاطلاع على ما تحقق في مختلف القطاعات.

وأشار إلى أن إدلب تحولت إلى نموذج مصغر لإدارة الدولة، عبر إنشاء مؤسسات مدنية، وجامعات، ومشروعات اقتصادية، وتوفير الأمن وفرص العمل، رغم أن أكثر من نصف سكان المحافظة كانوا من النازحين. وأضاف: "تفوقنا على النظام حتى في المستوى المعيشي في إدلب، وكنا نتدرب على أدوات البناء وإدارة المؤسسات، وكان لدينا مجلس للشورى، وجامعات، ومؤسسات إعلامية، وبنينا مدينة صناعية كبيرة، وأحياء سكنية، ومجمعات تجارية، وطرقات وغيرها".

وأكد أن التجربة حملت رسالة واضحة إلى الخارج مفادها أن المشروع الذي يقوده لا يقتصر على إدارة الحرب، وإنما يقوم على بناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع والانتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة.

 

الاعتماد الذاتي والتصنيع المحلي

وشدد الشرع على أن أحد أهم عوامل نجاح تجربة إدلب تمثل في الاعتماد على الإمكانات الذاتية، مؤكداً أنه لم يتلق أي دعم خارجي، بل جرى العمل على بناء بيئة اقتصادية متوازنة في إدلب وإدارة الموارد المحلية بما يخدم استمرارية المؤسسات.

وأضاف أن القوة العسكرية التي شاركت في إسقاط النظام اعتمدت على التصنيع العسكري المحلي وإدارة الموارد الاقتصادية للمنشآت العامة، وهو ما حافظ، بحسب قوله، على استقلال القرار الوطني ومنع ارتهانه للأجندات الخارجية. وضرب مثالاً على نجاح التجربة بمقارنة واقع الخدمات في إدلب ودمشق، موضحاً أن الكهرباء كانت متوفرة على مدار 24 ساعة في إدلب المحاصرة، مقابل ساعتين فقط يومياً في دمشق خلال حكم النظام المخلوع، معتبراً ذلك دليلاً عملياً على قدرة المؤسسات الوطنية على الإدارة والكفاءة.

وكشف الشرع أنه أوصى فريقه منذ عام 2012 بصناعة "منبر خشبي" ليخطب عليه عند دخول دمشق، في إشارة إلى ثقته المبكرة بإمكانية الوصول إلى العاصمة وإسقاط النظام.

 

رؤية الدولة وإعادة الإعمار

وأكد الشرع أن المرحلة الحالية تقوم على بناء دولة تحكمها المؤسسات والقانون، مع الاستفادة من خبرات جميع السوريين ودمج مختلف المكونات في عملية إعادة الإعمار، معتبراً أن بناء الدولة مسؤولية يشترك فيها جميع السوريين.

وشدد على أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، مؤكداً أن سوريا تحتاج إلى إصلاحات جريئة تتجاوز الحلول التقليدية، وصولاً إلى نموذج وطني يقوم على المواطنة وسيادة القانون.

واختتم الرئيس السوري حديثه بالتأكيد على رؤيته الحضارية لدمشق، قائلاً: "أؤمن بنظرية أن البشرية بدأت من هنا، وعندما نقف أمام دمشق فإننا نقف أمام حضارة البشرية".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث