مجموعة من المؤشرات تُبيِّن أن محكمة الجنايات الدولية الدائمة في لاهاي ستكون أولى ضحايا التغييرات الهائلة التي تحصل في العالم، واستهدافها يخفي رغبة في التفلُّت من العقاب بمناسبة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة وإرهاب، وهي فظائع عادةً ما تفتعلها قوىً نظامية، لا يستطيع النظام القضائي في الدول الوطنية المحاسبة عليها، وهذا الاختلال كان الدافع الأساسي لإنشاء المحكمة بموجب اتفاقية العام 1998 (نظام روما) ووضعت قيد التنفيذ في عام 2002.
بعض التحرشات التي قد يكون قام بها مدعي عام المحكمة البريطاني كريم خان؛ لا تُبررِ ما حصل في 24 تموز/ يوليو، عندما صوتت 82 دولة من أصل 125 على عزله من منصبه. فالرجل لم يُحاكم وفقاً للأصول، وبالتالي لم يُدَن، ولم يبرأ في آن من تهمة الاعتداء الجنسي على إحدى الموظفات. والواضح أن هناك دوافع أخرى تقف وراء السعي لإبعاده عن المنصب، وأهم هذه الأسباب، إقدامه في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024على إصدار مذكرة توقيف دولية بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يواف غالانت بتهمة ارتكابهم جرائم حرب وفظائع إبادة بحق الفلسطينيين العُزَّل في قطاع غزة.
النوايا الإسرائيلية ضد محكمة الجنايات الدولية انكشفت إلى العلن في أكثر من مناسبة، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومعه عدد من الوزراء لم يتوانوا عن مهاجمة المحكمة بأقذع الألفاظ، واتهموها بممارسة الانحياز وتشويه العدالة، لأنها تجرأت على توصيف المأساة التي يتعرَّض لها الفلسطينيون على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. والإدارة الأميركية وعدت إسرائيل بمساعدتها في حربها ضد المحكمة، وقد عبَّر عن ذلك وزير الخارجية ماركو روبيو جهاراً، لا سيما في تصريحه الأسبوع الماضي عندما كان في زيارة الفلبين، حيث قال: هناك مجانيين ومختلون عقلياً في المحكمة الدولية.
والولايات المتحدة الأميركية كانت قد انسحبت من عضوية المحكمة بعد الاتهامات التي وجهت لجنودها بارتكابهم جرائم حرب بمناسبة احتلالهم للعراق عام 2003، وهي فرضت عقوبات مالية على 9 من قضاة المحكمة، ومنعتهم من دخول البلاد، بمن فيهم كريم خان الذي لم يتمكن من الحضور إلى مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك للدفاع عن نفسه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ودول كبرى أخرى لم تتعامل بإيجابية مع المحكمة منذ البداية "كالصين"، وروسيا هي ذاتها امتعضت من إقدام المحكمة على إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس فلاديمير بوتين في آذار/ مارس 2023 بتهمة مسؤوليته عن إبعاد أطفال أوكرانيين عن أهلهم.
تصويت 82 دولة من أصل 125 عضواً في نظام المحكمة على إقالة خان؛ ليس مؤشراً اعتراضياً دولياً حاسماً، ذلك أن غالبية الدول التي صوَّتت مع القرار فعلت ذلك بدافع مجاملة الطلب الأميركي، أو بفعل تأثير ضغط إسرائيل. لكن هذا لا يعني بأية حال أن المحكمة بوضعية مُريحة على الإطلاق، فنيات بعض الدول الفاعلة تضمُر شراً ضدها، وعدد من هذه الدول بدأت تتعامل معها باعتبارها نموذجاً أوروبياً ينبغي التخلُّص منه.
أهم إنجازات المحكمة الدولية كانت ساحتها في يوغسلافيا السابقة، حيث حكمت على مرتكبي الإبادة في البوسنة وساراييفو، وفي دول افريقية، منها التعامل مع الفظائع التي حصلت في رواندا وبوروندي وفي ليبيريا وسيراليون وفي السودان وليبيا. وبقيّ مجرمون دوليون خارج مساحة المحاكمة، لأن مجلس الأمن الدولي لم يتفق على إحالة ملفاتهم إلى المحكمة، أو لأن دولهم ليست عضواً في نظام روما، ومنها على سبيل المثال ملف الجرائم التي ارتكبها النظام السوري قبل عام 2024، لوجود "فيتو" منع إحالة هذا الملف إلى المحكمة. تجدر الإشارة إلى أن مباشرة الملاحقة الجزائية أمام المحكمة تحتاج إلى تكليف من مجلس الأمن أو دعوة من دولة عضو أو تحريك تلقائي من المُدعي العام بموجب تأكيدات مشهودة دامغة.
انسحاب عدد من الدول الأعضاء من نظام المحكمة؛ ليس مسألة تفصيلية بسيطة، وهو مؤشِّر واضح على نوايا تستهدف إنهاء وجودها بالكامل. فبعد الفلبين وبوروندي وبوركينا فاسو والنيجر، تتهيأ فنزويلا وتشاد للخروج أيضاً. ويبدو واضحاً؛ أن تأثيراً أميركياً يدفع هذه الدول لترك المحكمة، وقد يكون هناك دول أخرى في طريقها إلى طلب الخروج، لأن الحملات السياسية على أداء المحكمة تتزايد، من دون أن يكون لهذه المحكمة قدرة سياسية أو قضائية على مواجهة هذه الحملات، حتى إنَّ الدول المدافعة عن هذا النظام القضائي الجنائي المتطور؛ لا تبذل جهوداً لتوقيف مسار الانحدار في طريق المحكمة، لأن الاعتبارات السياسية تقف حائلاً دون ذلك، ولا سيما كون التباين حول هذه المسألة يحصل بين الحلفاء، خصوصاً بين الولايات المتحدة الأميركية التي لا ترغب في بقاء المحكمة، ودول الاتحاد الأوروبي المتمسِّكة بها.
قد تكون محكمة الجنايات الدولية الدائمة أولى ضحايا النظام الدولي الجديد، مع أن بقاء 60 دولة عضواً يضمن لها الاستمرار، وهذا متوافر حتى اليوم. والأخطر من ذلك؛ ليس هناك اقتراحات بديلة عن هذا النظام القضائي القائم، ومن ثَمَّ فإن التفلُّت من المسؤولية عن الارتكابات الدولية سيزداد أكثر فأكثر، وهو ما يُهدِّد بفوضى لا يمكن تحديدها. أخفقت المحكمة في ملاحقة كل المجرمين الدوليين، ولكن بقاءها ضرورة إلى حين إيجاد البديل.




