نزيف الصورة وخسائر الهيبة

Image-1785614396.Jpg
إيران (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

وفق يوميات الحرب التي دخل طورها الثالث، أسبوعه الثالث، فإن أمريكا ما زالت لا توجع وإيران ما زالت لا تتوجع. كلاهما يخشى في لعبة عض الأصابع، أن يكون صراخه أولاً إقراراً بهزيمة، لها ما بعدها من توابع، سواء على الطرفين، أو على الإقليم، أو حتى على مستقبل النظام الدولي برمته، لكن الحرب الأمريكية على إيران تتواصل مع ذلك ، لليلة السادسة عشر، دون حصاد ظاهر لما ألحقته من أضرار، فلا بيانات البنتاجون تحصي خسائر إيران، ولا بيانات مقر خاتم الأنبياء تحصي خسائر أمريكا، كأنما ارتأى الطرفان أن مواصلة الضرب (عمياني) قد يكون أكثر جدوى لكليهما في الوقت الراهن، فلا أحد منهما يمكن أن تكون الصورة الراهنة في مسرح العمليات مصدراً لرضائه عن ذاته. 

 

مع كل يوم يمر دون هزيمة، تحتفي إيران بصمودها، ومع كل يوم يمر دون انتصار أمريكي واضح، تضطرب مشاعر البيت الأبيض وتزداد لهجة دونالد ترامب حدة، بينما تتواصل إعلاناته المتكررة عن نصر لم يصل بعد، وربما لم يشعر به سواه، فهو يتحدث مراراً عن إغراق الأسطول الإيراني كله!..لكننا نشاهد آثار حضور الأسطول الإيراني مراراً في مضيق هرمز حال إغلاقه، وهو يتحدث بالأمس فقط عن تدمير جميع طائرات سلاح الجو الإيراني (٢٥٠ طائرة حسب زعمه) دون دليل واحد على ما يقول. 

 

ثلاث موجات للحرب الأمريكية على إيران، لم تكن كافية، لتحقيق أي من أهداف واشنطن، سواء المعلنة منها أو المضمرة، فلا النظام الإيراني سقط، ولا البرنامج النووي انتهى، ولا البرنامج الصاروخي بات تحت السيطرة، وفوق كل هذا وقبله وبعده، فقد خرج مضيق هرمز من جراب الحاوي الإيراني ليقلب معادلات القوة، ويبدل حساباتها ومساوماتها. 

الآن وقد دخل الطور الثالث من الحرب، أسبوعه الثالث، دون أي انجلاء للمشهد في ساحات القتال أو حول طاولات التفاوض، فإن السؤال الذي بات يشغل الدنيا هو: ماذا جرى؟! 

لماذا خالف ما جرى على الأرض منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين اندلعت الحرب، تقديرات القوة وحساباتها لدى الأطراف، قبل اشتعال الحرب؟! 

وفق خبرات الحروب الكبرى، فإن القوى العظمى التي تختار بذاتها خوض منازلات عسكرية مباشرة مع خصومها أو أعدائها، تغامر بوضع هيبتها وصورتها في ميزان القوة مع خصومها أو منافسيها. 

في حسابات القوة فإن هيبة الجيوش، وصورة دولها، في عيون التاريخ، تكون طرفاً في المنازلات الكبرى، فتضيف أو تحذف تبعاً لمجريات الصراع. 

بعض القوى تغامر، فتدخل الحروب بسلاح الهيبة وحدها، أو بصورة القوة، وبذاكرة المعارك المظفرة، لكنها تتفاجأ بأداء الخصم في ساحات القتال، وترى كيف استطاع النيل من هيبتها وإهانة رموزها، وهذا ما يمكننا ملاحظته بوضوح في الحرب الأوكرانية الجارية، التي صاحبت اشتعالها توقعات بانتصار سريع وساحق لروسيا، مدفوعة بهيبة روسيا، القوة النووية الأعظم فوق هذا الكوكب، لكن الانتصار الذي ترقب العالم حدوثه بعد أيام أو أسابيع، ما زال ينتظر، فيما دخلت الحرب عامها الخامس. 

مثل ما جرى لروسيا في أوكرانيا، يجري الآن لأمريكا في إيران، إذ تخوض واشنطن الحرب مدججة بالأوسمة وبالنياشين، ومسبوقة بدرر تيجانها البحرية من أحدث حاملات الطائرات التي أعادتها المسيرات البسيطة إلى حظائر الانتظار!

 

حتى الآن يبدو الطور الثالث من الموجة الثالثة للحرب الأمريكية الإيرانية، كأنما هو مجرد تمهيد لطفرة في الصراع يتمنى صناعها لو وضعت نهاية صارمة لحرب يعض طرفاها بنان الندم، لكن الرئيس الأمريكي ترامب الذي يقود بنفسه عملية تأهيل الحرب لإنجاز أهدافها بأقل تكلفة ممكنة، لم يفق بعد من صدمة الحرب التي وعده نتنياهو بأنها لن تمتد لأكثر من أسبوع أو أسبوعين. 

 

المشهد الراهن في مسرح الحرب على إيران، يبدو مثيراً للارتباك، فالاستعدادات الأمريكية على الأرض، تشي بحرب كبرى وشيكة يريد من حشدوا لها أن يحسموها هذه المرة، ومستوى التجاوب الإيراني مع الحشد الأميريكي ينفي أي احتمال للتراجع عن الحرب. وحتى كتابة هذه السطور فإن ثمة مغامرة من الكاتب إن هو توقع اندلاع حرب كبرى، أو التوصل لتسوية كبرى، فالمشهد ملتبس ومرتبك، والرئيس الأمريكي صاحب القرارات العاصفة ما زال متردداً بين إشعال حرب كبرى باهظة الكلفة على الجميع، أو إطفاء لهيب صراع، يحتاج إلى أقصى الطاقة وكل الجهد لتبريده، وإعادة أطرافه إلى جادة الصواب. 

 

خلف الصورة وجدار الهيبة، تخوض الحضارات صراع وجود، وما يجري الآن في حروب إيران وأوكرانيا هو بعض تجليات هذا الصراع، وقد كشفت الحروب عورات الهيبة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث