منذ سقوط نظام الأسد وخسارة إيران لنفوذها في سوريا، لا توفر إسرائيل أي فرصة للتعبير عن مخاوفها من التغيير الذي حصل في البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بتبدل طبيعة التحالفات السورية وتنامي العلاقة بين أنقرة ودمشق.
وفي أبلغ مؤشر على زيادة القلق الإسرائيلي من التطورات في سوريا، كرر وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، تحذيراته من الخطورة التي تشكلها تركيا وسوريا على إسرائيل، معتبراً أنهما أكثر خطراً من إيران، وكان أخر هذه التحذيرات في 28 تموز/يوليو 2026، خلال مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي، الذي أكد فيه أن دمشق وأنقرة تشكلان أيدولوجيا معادية لإسرائيل، كما أن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس كان أكثر صراحة، وشدد على أن بلاده لن تسمح للرئيس التركي بتقوية سوريا ضدهم.
دعم تركيا لتقوية المؤسسات السورية
تمتلك أنقرة قدرات أكبر من إيران على تقوية المؤسسات السورية نظراً لما وصلت إليه من تقدم في مجال الصناعات الدفاعية وعلى رأسها الطيران المسير، إلى جانب رغبة أكبر بأن تقوم مؤسسات قوية ومستقرة في سوريا، على عكس إيران التي عملت على اختراق تشكيلات الجيش السوري السابق دون تقديم دعم تقني وعسكري حقيقي له.
وقعّت تركيا مع الجيش السوري في وقت مبكر اتفاقيات مشتركة تتيح للجيش السوري الوليد الاستفادة من التدريب والاستشارات، وقد شارك الجيش السوري في أيار/مايو الماضي، بمناورات "ايفيس" الدولية التي استضافتها تركيا بمشاركة أكثر من 60 دولة وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
على الطرف النقيض تقف إسرائيل التي أكدت مراراً أنها لا ترغب بعودة سوريا موحدة، وسعت بشكل حثيث للدخول على خط ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من خلال إجراء اتصالات مع قيادتها قبل أن تصطدم بالموقف الأميركي الراعي لاندماج قسد في الدولة السورية، كما دعمت تل أبيب مجموعات مسلحة في السويداء متمردة ضد الدولة السورية.
الدبلوماسية التركية النشطة
تمتلك تركيا دبلوماسية نشطة ومؤثرة، وقد استفادت سوريا من هذه الدبلوماسية في سياق تحالفها مع أنقرة، حيث شارك الرئيس السوري أحمد الشرع مطلع تموز/يوليو 2026، بقمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي استضافتها أنقرة، ليكون أول رئيس سوري يشارك في اجتماعات الحلف الغربي، بعد تخلص دمشق من العزلة الدولية الناجمة عن سياسات النظام السابق، ومن ضمنها الارتباط بالمحور الإيراني وما ترتب على هذا من تحميل سوريا تركة ثقيلة.
لا تمتلك تل أبيب القدرة على استهداف النفوذ التركي في سوريا بما في ذلك قواعد التدريب التي يمكن إقامتها في ظل التناغم الكبير بين الإدارتين التركية والأميركية برئاسة كلاً من الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأميركي دونالد ترامب، وتخشى إسرائيل فيما يبدو أن تستثمر تركيا هذا الموقف من أجل توسيع دورها ليشمل لبنان.
الدبلوماسية التركية النشطة في المنطقة تتيح لها أيضاً نسج تفاهمات أمنية مع الدولة المتوجسة من محاولات التمدد الإسرائيلي في المنطقة، ضاربة بعرض الحائط أمن ومصالح الدول الإقليمية الفاعلة.
مركزية الدور التركي في رؤية ترامب
من الواضح أن لتركيا دور مركزي في رؤية إدارة ترامب للمنطقة التي تبحث عن المزيد من الخطوات التي تستطيع من خلالها إضعاف الدور الإيراني، وفي هذا السياق يبرز دور تركيا إلى جانب سوريا بتوفير خيارات بديلة عن مضيق هرمز لتصدير الطاقة والمنتجات، وقد نشطت في الآونة الأخيرة برعاية أميركية، مشاريع نقل الطاقة من العراق عبر سوريا وتركيا باتجاه البحر المتوسط، بالإضافة إلى محاولات إنعاش طريق التنمية مجدداً، وهذه الخطوات بطبيعة الحال تؤثر على دور إسرائيل فيما يتعلق بمشاريع طرق نقل الطاقة والتجارة الدولية وأبرزها مشروع طريق البهارات.
أظهرت الإدارة الأميركية مراراً دعمها للدور التركي في سوريا، خصوصاً على صعيد توفير بديل عن القوات الأميركية لاستكمال مهمة تقويض تنظيم "داعش"، وهذا ما أتاح لإدارة ترامب تقليص وجودها العسكري في سوريا إلى حده الأدنى.
بالعموم، لم تجد تل أبيب عقبات كبيرة في استهداف الوجود العسكري الإيراني في سوريا وإن كانت قد فضلت اتباع استراتيجية طويلة الأمد، في المقابل لديها إرباك واضح فيما يتعلق بالدور التركي في سوريا، فمن جهة لا تتصرف أنقرة على أنها تسعى للهيمنة كما كانت تفعل طهران، وتتحرك وفق توافقات دولية تشمل أميركا وروسيا، وتعمل تدريجياً على إعادة الانتشار العسكري الذي كان موجوداً قبل سقوط نظام الأسد وتركز أكثر على العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية وتحت غطاء شرعي رسمي وشعبي سوري.




