باب المندب: خيارات الردع المتبادل بين السعودية وإيران

باب المندب في البحر الأحمر
لمواجهة إيران والحوثيين: الرياض تطلق "تحالفاً بحرياً" متعدد الجنسيات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

دخلت معادلة الأمن البحري في منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة ومفصلية عقب إعلان المملكة العربية السعودية من الرياض عن تأسيس "تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات"، في تحرك استراتيجي جاء رداً مباشراً على فرض جماعة الحوثي في اليمن "حظراً ملاحياً بحرياً" شاملاً على السفن والناقلات السعودية واستهداف خطوط الطاقة بممراتها الأكثر حيوية في البحر الأحمر.

وتضع هذه الخطوة، التي حظيت بتأييد 14 دولة مؤسسة ومشاركة 43 دولة، قطاعاً بحرياً حيوياً يمتد من قناة السويس إلى مضيق باب المندب وصولاً إلى خليج عدن تحت مظلة أمنية مكثفة. 

وفيما تشير التحليلات الاستراتيجية لتطورات البحر الأحمر إلى أن ذهاب إيران وحليفها الحوثي إلى نقطة أبعد في التصعيد في باب المندب سيجعلهما يدفعان تكاليف باهظة جراء استخدام قدراتهما للحد الأقصى، يرى خبراء أن هذه التحركات تعيد ترسيم دوائر الردع الدولية والإقليمية والمحلية بالكامل.

 

الحوثي: التحالف "إعلان حرب" 

وقلل عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي، محمد البخيتي، في تصريحات لـِ  "المدن"، من ثقل التحالف الجديد، مؤكداً أن حشد عشرات الدول لدعم ما وصفه بالعدوان على اليمن يزيد الجماعة إيماناً بصواب موقفها، ولا يزيد "المحتلين" إلا خوفاً من مواجهة الرجال في ميادين العزة والكرامة على حد تعبيره.

وشدد البخيتي على أن "تشكيل هذا التحالف يمثل إعلان حرب جديداً على اليمن، وسيكون الرد عليه بذات درجة التصعيد"، مؤكداً أن القوات البحرية والصاروخية وسلاح الجو المسير في أقصى درجات الاستعداد، وتملك زوارق مفخخة وصوارخ باليستية ومجنحة كفيلة بتحويل مياه البحر الأحمر إلى نار على أي معتدٍ.

وحذر القيادي الحوثي من أن أي سفينة حربية أو ناقلة نفط تتبع لبلدان التحالف ستغدو هدفاً مشروعاً، معلناً نية الجماعة الكشف عن "بنك أهداف جديد" يطال مصالح التحالف أينما وُجدت حال التعرض لأي عدوان.

وفيما يتعلق بالملاحة العامة، نفى البخيتي سعي جماعته لإغلاق مضيق باب المندب أمام حركة التجارة العالمية أو تهديد السفن الدولية، معتبراً أن الاستهداف يقتصر على السفن السعودية كـَ "رد مشروع" على الحصار والعدوان المستمر بحق الشعب اليمني منذ أكثر من عشر سنوات، ومشدداً على أن باب المندب يظل ممراً مائياً دولياً وأن مصالح العالم فيه ستظل مكفولة.

وفي رسالة مباشرة وجهها إلى الرياض، قال البخيتي: "هذا التحالف لن يوفر لكم الأمن، بل سيزيد المنطقة توتراً، ولن يوقف صواريخنا ومسيّراتنا، فالحل الوحيد هو وقف العدوان ورفع الحصار والإقرار بحقوق شعبنا". 

مؤكداً: "نحن من نحدد قواعد اللعبة في البحر الأحمر، وأي تصعيد سيقابل بتصعيد مضاعف يذكركم بأن البحر سيظل ناراً على الغزاة ما دمتم مصّرين على عدوانكم وظلمكم".

 

خيارات الردع 

وفي قراءة تحليلية، يرى الدبلوماسي والأكاديمي اليمني، والخبير في الجغرافيا السياسية وأمن البحر الأحمر، محمد القباطي، في حديث مطول مع "المدن"، أن تصعيد طهران والحوثيين في البحر الأحمر يمثل ما هو أبعد من مجرد تصعيد في سياق الصراع اليمني، بل يرفع المواجهة إلى مستوى مختلف تماماً يضع الطرفين في مسار تصادمي مباشر مع المصالح البحرية الإقليمية والعالمية، والواقع الميداني بالساحل الغربي لليمن.

ويوضح القباطي، أن حدود الاستراتيجية الإيرانية الحوثية تتضح عند تفكيك أبعادها عبر "الدائرة الدولية"، حيث إن مضيق باب المندب ليس مجرد ممر مائي إقليمي، بل هو شريان بحري عالمي تتدفق عبره نسبة هائلة من التجارة الدولية وحركة الحاويات وشحنات الطاقة من وإلى قناة السويس، وبالتالي فإن استمرار التصعيد الحوثي فيه يُعد تحدياً جسيماً ومباشراً لحرية الملاحة والاقتصاد العالمي برمته، ولا يمكن تصنيفها كحلقة إضافية ضمن حرب اليمن.

هذا البعد الدولي تجسد جلياً، بحسب القباطي، في إبداء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة استعدادهما لاستخدام القوة العسكرية لحماية الشحن التجاري عقب الهجمات المتكررة بالبحر الأحمر في عام 2025.

ومن هذا المنطلق، يظهر الفرق الجوهري بين التضييق والتعطيل والضغط المدروس كأساليب قد تبدو مستدامة في الحسابات التكتيكية، وبين الافراط في تصعيد دائم لباب المندب ولو أمام سفن السعودية، هذا ما جعل الرياض الذهاب إلى تدويل التحدي الأمني البحري في باب المندب وتحويله إلى مسؤولية دولية، تمهيداً لمواجهة مفتوحة ومباشرة.

 

البدائل الاستراتيجية الخليجية 

وفقاً للقباطي، يرتبط مشروع تأمين باب المندب ارتباطاً وثيقاً بالجهود الخليجية الهادفة للحد من الاعتماد المنفرد على الممرات البحرية الحرجة، فعلى الرغم من الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبها خط أنابيب النفط السعودي "الشرق-الغرب" كبديل رئيسي لمضيق هرمز، إلا أن جزءاً كبيراً من النفط ومشتقاته التي تصل الموانئ السعودية على البحر الأحمر ينبغي له المرور عبر باب المندب في طريقه للأسواق الآسيوية.

وبالتالي، فإن إغلاق المضيق وتهديد الملاحة من خلاله لن يكتفي بتعطيل سلاسل الإمداد العالمية، بل يهدد بشكل مباشر أحد البدائل الاستراتيجية المصممة أصلاً لتقليل المخاطر الإقليمية. 

ولأجل ذلك، يقول القباطي: كثفت السعودية تحركاتها الدبلوماسية وأطلقت من الرياض ما سمي بـِ "التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات"، الذي يتوقع انضمام دول كبرى له تباعاً كأميركا وبريطانيا، وهو خطوة أولى نحو التصعيد الدولي في التعامل مع جماعة الحوثي.

 

معركة الحديدة 

 وعلى المستوى الميداني والمحلي، تبرز "الدائرة اليمنية" من خلال الأهمية الجيوسياسية لمدينة الحديدة والساحل الغربي؛ إذ تعتمد قدرة الحوثيين على إبراز التهديد نحو باب المندب بشكل جوهري من خلال سيطرتهم على هذا الشريط الساحلي الحيوي في هذه المحافظة.

وتستحضر الحسابات الراهنة تجربة عام 2018 عندما اقتربت القوات المناهضة للحوثيين من استعادة الحديدة قبل أن يتدخل اتفاق ستوكهولم لتجميد المعركة، غير أن الظروف السياسية والدبلوماسية التي أنتجت ذلك الاتفاق ليست متوفرة اليوم، وبالأصح قد تغيرت.

ويؤكد القباطي أن اندفاع الحوثي بدعم إيراني نحو تحويل باب المندب إلى أداة إكراه جعل السعودية تعمل على إعادة تشكيل البيئة السياسية والعسكرية حول الحديدة، لا سيما بعد اختتام بعثة الأمم المتحدة الداعمة لاتفاق الحديدة، مما أزال أحد الأطر التنظيمية التي حافظت على الوضع الراهن بالساحل الغربي.

ورغم أن هذا التطور لا يعني اتخاذ قرار فوري باستعادة المدينة أو وشوك عمليات عسكرية جديدة، إلا أنه يجعل من هذا الاحتمال متغيراً استراتيجياً قائماً بنفسه؛ إذ يدرك الحوثيون أن الإفراط في استخدام ورقة مضيق باب المندب قد يحيي الجدل حول ضرورة نزع سيطرتهم عن الساحل الغربي.

وهنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالحديدة هي التي تمنح الحوثيين القدرة التشغيلية لتهديد الملاحة، لكن الاستخدام المفرط والتصعيدي لهذه القدرة قد ينتهي إلى فقدانهم السيطرة على الحديدة نفسها. 

ووفق القباطي، فإن استمرار محاولة إغلاق المضيق ولو أمام السفن السعودية فقط قد يُعيد فتح هذا الخيار العسكري المُجمّد منذ سنوات، وتهيئ السعودية الظروف للقوات اليمنية المعترف بها دولياً لاستئناف الضغط الميداني بدعم إقليمي وحماية جوية وبحرية دولية من خلال التحالف البحري المعلن.

 

حسابات طهران بالوكالة 

أما بالانتقال إلى حسابات طهران، فيمثل الحوثيون بالنسبة لإيران أداة ضغط جيوسياسية عالية القيمة، تتيح لها تهديد خطوط الشحن وفرض تكاليف اقتصادية باهظة من مسرح عمليات بعيد دون الانزلاق الكامل إلى مخاطر المواجهة المباشرة.

ويشير القباطي إلى أن إيران قد تتراجع ولن تدفع بالحوثيين نحو نقطة حرجة قد يعرّض بنيتهم العسكرية أو سيطرتهم على الحديدة للخطر، وإذا حدث ذلك سيجعل ورقة بابا المندب تفقد وزنها التفاوضي طالما تم استهلاكها بالكامل. 

وفي المحصلة، وبعد المتغير الجديد المتمثل بتأسيس التحالف البحري الدفاعي، يتوقع القباطي أن تعمل إيران والحوثيون على إعادة ضبط حساباتهما والتراجع عن التصعيد في البحر الأحمر، ليس لافتقارهما للوسائل العسكرية، بل لأن تكاليف هذا التصعيد تتضاعف بفعل تداخل دوائر الردع الدولية والإقليمية والمحلية.

 

نقل الملف إلى الدواليب الدولية

وفي تحليل متصل، اعتبر المحلل السياسي والخبير بالشأن اليمني، عبد الستار الشميري، في تصريحات لـِ "المدن"، أن إعلان التحالف البحري الدفاعي يشكل تحولاً استراتيجياً ينقل التهديد الحوثي من نطاقه الإقليمي إلى دواليب صناعة القرار الدولي، مستقطباً دولاً كبرى لم تكن مشاركة سابقاً، وموجهاً رسالة صارمة لإيران بعزلتها وإمكانية تقويض أدواتها الميدانية والتأسيس لتحالفات مستقبلية قد تطال نفوذها في مضيق هرمز.

وأوضح الشميري أن الأثر المرجو لهذا التحالف يجب أن يُقاس بزاوية قدرته على حماية حركة الملاحة والمصالح الدولية والسفن التجارية بدلاً من المراهنة عليه كقوة للقضاء المباشر على الجماعة الحوثية أو استهداف مصادر نيرانها البعيدة. 

وحذّر الشميري من الإفراط في التفاؤل واعتبار التحالف معركة نهائية ضد الحوثيين، مشيراً إلى أن الحسم الميداني يتطلب "تحالفاً دولياً آخر لدعم الشرعية اليمنية في معركة برية"، وهو خيار يراه مؤجلاً في المدى المنظور.

 

تقسيم المهام الميدانية 

وعن فرص نجاح التحالف، رجّح الشميري تحقيق نسب نجاح تتجاوز 90 في المئة في الحد من النشاط الحوثي بالبحر الأحمر، مستنداً إلى سهولة المهمة الموكلة إليه مقارنة بالتعقيدات الميدانية في مضيق هرمز، وتوزيع التكاليف والأعباء الأمنية على 14 دولة مشاركة.

ويرى الشميري أن التقسيم الجغرافي للمهام الميدانية سينفذ عبر توزيع قطاعات أمنية تراعي القرب الجغرافي لكل دولة:مصر تتولى تأمين المداخل القريبة من قناة السويس، والسعودية تتولى تأمين سواحلها الحيوية، قوى إقليمية ودولية تتولى مهام الدوريات المتحركة في العمق البحري، إضافة إلى المهمة المركزيّة المتمثلة في مراقبة وتأمين الشريط الساحلي اليمني الخاضع لسيطرة الحوثيين البالغ طوله نحو 300 كيلومتراً.

واختتم الشميري تصريحه بالإشارة إلى أن التحالف البحري المعلن كان "خياراً اضطرارياً" يلبي رغبة العالم في خفض كلفة التأمين والنفط بعد أن استنزفت طهران آخر أوراقها الإقليمية، متوقعاً ظهور مؤشرات نجاح ملموسة خلال الأشهر الثلاثة القادمة، لتشكل أداة ضغط رئيسية تجبر إيران على تقديم تنازلات حقيقية بشأن دورها الإقليمي والتخلي عن عسكرة المضايق الدولية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث