العراق والسعودية... بين تحديات الشَراكة والتصعيد

Image-1785521408.Jpg
العراق والسعودية (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كان كل شيء يمضي وفق ما يتمناه كثيرون، أو هكذا خُيل للبعض. فلم يكن يفصل عن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى المملكة السعودية ولقائه ولي العهد محمد بن سلمان سوى ساعات، وهي الزيارة التي كان يُعَول عليها كثيراً لتحسين العلاقة بين البلدين خاصة في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به دول المنطقة، والعراق تحديداً

وفجأة انقلبت الطاولة على الجميع وتغيّر المشهد تماماً. وبدلاً من حديث التفاؤل الذي ساد معظم كواليس السياسة في العراق إزاء الزيارة وما قد تحدثه من انفراج في العلاقة بين البلدين بما يساهم في تعزيز العلاقات، أصبح الحديث مشحوناً بكثير من عبارات الوعيد والتوعد.   

فقد شنت طائرات سعودية وأمريكية هجمات طالت العديد من المواقع التابعة للحشد الشعبي العراقي واُخرى تصفها السعودية بأنها مواقع تابعة "لمليشيات إرهابية موالية لإيران" وتتهمها بأنها مسؤولة عن تنفيذ العشرات من الهجمات داخل الأراضي السعودية، بعضها طال مواقع اقتصادية في الأيام القليلة الماضية.

 

المواقف الرسمية 

منذ الوهلة الاُولى كان واضحاً الخطاب المعتدل غير المتشنج الذي حاولت الحكومة العراقية تبنيه إزاء ماحدث، في محاولة لعدم الانجرار إلى مواقف من شأنها أن تأزم الموقف الذي وصل إلى ذروته في العراق، خاصة بعد إعلان هيئة الحشد الشعبي عن مقتل عشرين شخصاً في هذه الهجمات وأكثر من هذا الرقم من المصابين

الموقف غير المتشنج لم يمنع الحكومة العراقية من إدانة ما حدث والطلب من وزارة الخارجية "التحرك وفق القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة لتوثيق الحالة وتثبيت حقوق العراق المشروعة". 

وإزاء هذا الموقف أعلنت السعودية بشكل واضح في بيان على لسان المتحدث باسم وزارة الدفاع أنها "لا تسعى إلى التصعيد" مع العراق لكنّها سترد مستقبلاً على أي عدوان تتعرض له" ويكون مصدره الأراضي العراقية.

رسمياً لم تُعلن حكومة بغداد إلغاء الزيارة. ولا يُعلم على وجه الدقة حتى الآن من هو الطرف الذي بادر إلى إلغاء الزيارة أو على الأقل تأجيلها. لكن الواضح هو أن القنوات الخلفية لكلا البلدين قد تم تفعليهما بشكل كبير لينتج عن هذه الاتصالات، عدم إعلان واضح بخصوص مستقبل الزيارة ولا حتى عن خطاب رسمي متشنج إزاء ما حصل.

 

ردود الفعل

لم يكن مستغرباً ردود الفعل الغاضبة والمتشنجة التي تبنتها العديد من القوى العراقية، خاصة الفصائل المسلحة المتهمة بأنها قد تكون مسؤولة عن العشرات من الهجمات التي طالت السعودية في الأيام الماضية، التي تقول الرياض إنها انطلقت من أراضٍ عراقية. بعض المواقف توعّد بالرد وبقوة.

ومع ما يمكن وصفه حالة الرفض الجماعية، وبضمنها الموقف العراقي الرسمي، إزاء الموقف السعودي الذي يتهم به فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بتنفيذ هجمات من داخل الأراضي العراقية، جاء موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي يتمتع بعلاقات طيبة مع دول الخليج وفي مقدمتها السعودية، ليرد على هذه المواقف جميعاً بموقف مختلف تماماً

فقد أعلن الرجل رفضه لأي ممارسات يمكن أن تتسبب باستهداف الأراضي العراقية. وقال في تغريدة "على المليشيات المنفلتة عدم إعطاء الذريعة لإخوة في دول الخليج العربي لاستهداف أرضنا المقدسة". لم يكتفِ الصدر بهذا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال "أستنكر أفعال المليشيات الوقحة لجر العراق لحرب لا طائل منها".

اعتاد زعيم التيار الصدري ومنذ سنوات على استخدام مصطلحات مثل "المليشيات الوقحة" وأحياناً "المليشيات المنفلتة" في الإشارة إلى الفصائل المسلحة التي ترفض الانصياع لأوامر الدولة العراقية وخاصة حصر السلاح بيد الدولة. وأغلب هذه الفصائل مقرّبة من إيران.

إن ما يزيد من قتامة المشهد، هو عدم تعليق الحكومة العراقية حتى الآن على تصريح الرئيس الأمريكي أن الضربات تمّت بالتنسيق مع العراق.

 

هل استعجلت السعودية الضربة؟

قد يكون من الصعب الرد على سؤال بات يتردد هنا كثيراً، وهو لماذا استعجلت السعودية الضربة؟ ولماذا لم تنتظر زيارة رئيس الوزراء إليها لتبيان الموقف بشكل جلي مما يحدث، وخاصة تلك التطورات التي لها علاقة بما تقوله الرياض، إنها هجمات مسلحة تطال أراضيها وتنطلق من العراق وتنفذها جماعات مسلحة موالية لإيران؟

لكن لن يكون صعباً أبداً القول إن المنطقة بما تشهده من متغيرات سريعة ومتصاعدة تجعل ما قد يبدو للعيان أنه تصرفاً لا يتوافق وتطورات المشهد، فهو لا يعبر بالضرورة عن حقيقة ما يحدث، وأن ما تخفيه الأحداث قد يكون أكبر بكثير مما تظهره للعيان، تماماً كما هو الحال في وصف جبل الجليد.

هذه الفرضية تدفع إلى القول إن ما حدث لم يكن سوى إجراءٍ يندرج ضمن ما يمكن وصفه سعودياً بأنه استباق للأحداث واتخاذ فعل كان لا بد منه لإجهاض ما كان مخططاً له ويحاك ضد السعودية تحديداً.

هذا القول يعني فيما يعنيه إن ما حدث لم يكن مرتبطاً بالعراق بشكل مباشر ولا بالعلاقة العراقية السعودية، لكنه مرتبط بشكل أعمق بتطورات المشهد في منطقة الخليج والحرب التي تجري بين أمريكا وإيران التي تسعى من خلالها إيران إلى رفع تكلفة الحرب بأي شكل من الأشكال وجعل الجميع يدفع الثمن من ضمنهم السعودية، وحتى العراق

هذه الصورة هي الوحيدة التي تُبرر المواقف الرسمية غير المتشنجة التي أظهرتها بغداد والرياض في التعبير عن الموقف الرسمي لكل منهما، وتجنب الانجرار وراء ما يمكن أن يُصعّد الموقف ويدفعه باتجاهات لا يريد أي منهما الوصول اليه.

 

إن ما لا يمكن أن تخطئه العين هو الرسالة التي أرادت السعودية إرسالها للداخل العراقي ومفادها، نحن قادرون على الوصول إلى المواقع التي تستخدمها الجماعات التي تتهمها الرياض بأنها تستهدف المصالح السعودية وإلحاق الأذى بها.

أسفرت الضربات وخاصة تلك التي وقعت في محافظة ديالى المحاذية لإيران، عن مقتل عدد من الإيرانيين وصفتهم صحف إيرانية بأنهم "مستشارون عسكريون يعملون في الحرس الثوري الإيراني".

 

حصر السلاح بيد الدولة

إن ما حدث يُعيد إلى الواجهة المشكلة العراقية مرة أخرى وموضوع حصر السلاح بيد الدولة.

وإذا كانت الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي قد حددت الثلاثين من أيلول سبتمبر القادم موعداً نهائياً لكل الفصائل المسلحة العراقية في تسليم سلاحها للدولة، فإن ما حدث مؤخراً يدفع بقوة إلى القول إن على الحكومة أن تنفذ ما تعهدت به، وإلا فإن العراق سيبقى ضحية لتقاطعات حادة تلعب فيها القوى الخارجية دوراً فاعلاً وتتخذ من هذا الموضوع مبرراً لها، وهو ما قد يتسبب بمزيد من الإحراج للدولة العراقية

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث