بعد يوم من نشر مواقع التواصل الاجتماعي صورة الأرز الأميركي الذي تم شراؤه من الولايات المتحدة لأول مرة منذ عدة عقود، إثر تنفيذ مذكرة إسلام آباد، وتمكنه من عبور الحصار البحري كشحنة غذائية ودخول السوق الإيرانية، بالتزامن مع انتشار خبر وصول 30 سفينة محملة بالمواد الغذائية والأدوية إلى جنوب إيران دون مضايقة أو بإذن من القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، جاءت تصريحات يوم الجمعة لدونالد ترامب، الرئيس الأميركي، في البيت الأبيض لتُضعف الآمال بنجاح الدبلوماسية. إذ قال ترامب إنه من المستبعد أن تتوقف الهجمات الأميركية على إيران قريباً، وأعلن استراتيجيته بمواصلة الضربات حتى عودة طهران إلى طاولة المفاوضات.
وادّعى ترامب في اجتماع مجلس الوزراء: "سنضغط عليهم بشدة، وكما تعلمون، في مرحلة ما سيقولون: 'لم يعد بإمكاننا التحمل'".
وتأتي هذه التصريحات بعد خمسة أشهر من بدء الحرب، وبعد أسابيع قليلة من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في يونيو الماضي.
السوق لم تأخذ التهديد على محمل الجد
كرّر ترامب خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً وفي الأسابيع الأخيرة تهديداته بتصعيد الهجمات ضد إيران، وتحدث عن احتمال استهداف بنى تحتية حيوية كمحطات الطاقة والجسور، لكنه تراجع في كل مرة. ولم يُؤخذ تهديده الأخير على محمل الجد في الأوساط العامة الإيرانية. ففي يوم السبت، لم يسجل سعر الدولار ارتفاعاً ملحوظاً مقابل الريال الإيراني، كما أن سوق الأوراق المالية في طهران – وهو مؤشر حساس للاقتصاد – رغم تراجعه، كان الانخفاض طفيفاً مقارنة بالأيام التي كانت تُتوقع فيها أزمة كبرى.
وتعزى أسباب عدم أخذ الرأي العام الإيراني لتهديد ترامب بجدية، أولاً إلى أن الرد الإيراني غير قابل للتوقع وربما غير المحتمل على حلفاء أميركا في منطقة الخليج وسوق الطاقة العالمية، وهذا يُشكّل عاملاً رادعاً. وثانياً، لأن ترامب يواجه ضغطاً سياسياً كبيراً لإنهاء الحرب مع إيران، التي تحظى بمعارضة عميقة بين الأميركيين، إذ لا يؤيد سوى 28٪ من الأميركيين طريقته في إدارة هذا الصراع. وثالثاً، التداعيات الاقتصادية الواسعة لعودة الحرب على الاقتصاد الأميركي، بما في ذلك ارتفاع أسعار البنزين داخلياً.
العسكر على أُهبة الاستعداد
ومع ذلك، يبدو أن المسؤولين الأمنيين والقوات العسكرية الإيرانية يتعاملون مع التهديد بجدية و كأنهم يرون أن الهجوم العسكري الثقيل وشيك وهم مستعدون تماماً لأي هجمات جديدة من قبل الجيش الأميركي مساء السبت والأحد.
وكتب موقع "نور نيوز" المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في ساعات السبت الأخيرة: "الهجوم الأميركي على البنى التحتية للطاقة في إيران ليس مجرد حرب مع طهران، بل هو مقامرة بأمن الطاقة العالمي. حقل الغوار في السعودية، ورأس لفان في قطر، وزاكوم في الإمارات، وليفياثان في إسرائيل... كلها ستشتعل. الصاروخ الأول سيكون بداية أزمة لا يستطيع أحد احتوائها".
تحذير السفارات الأميركية
دعت الولايات المتحدة رعاياها إلى الاستعداد لمغادرة الشرق الأوسط، حيث حذّرت سفاراتها في عدة عواصم المنطقة المواطنين الأميركيين من احتمال "تصعيد غير متوقع" للنزاع، وطلبت منهم تجهيز أنفسهم لمغادرة المنطقة.
ورغم أن أميركا لا تملك أي قاعدة عسكرية في مصر، أصدرت سفارتها في القاهرة لأول مرة تحذيراً أمنياً، ودعت الأميركيين المقيمين في مصر إلى مغادرة المنطقة.
الى اين يتجه ترامب؟
شنّ ترامب حرب الأربعين يوماً بهدف القضاء على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وإحداث تغيير في النظام بدعم من الضغوط الداخلية للمعارضة. لكنه اليوم يتفاوض حول مضيق هرمز، في حين بقيت القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية سليمة، بل إن المعلومات التي كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحصل عليها بشكل يومي ومباشر عن الأنشطة النووية الإيرانية قبل حرب الاثنى عشر يوما، لم تعد متاحة لها. كما أن نظام الجمهورية الإسلامية لم يسقط، بل إنه يحظى بدعم شعبي أكبر مما كان عليه قبل خمسة أشهر. كما أن الاستسلام السياسي الكامل للجمهورية الإسلامية، الذي تحدّث عنه ترامب منذ بدء الحرب، لم يحدث.
وبفضل اتساع الجغرافيا الإيرانية واكتفائها الذاتي النسبي في الزراعة، لم تحصل مجاعة.
ملخص القول إن استهداف البنى التحتية الإيرانية لن يحقّق لترامب أياً من أهدافه، فلن يُثير الشعب ضد النظام، ولن يُجبر النظام على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وكل ما سيفعله هو تمكين المتطرفين في إيران وإغلاق باب أيّ مفاوضات أو تفاهم أو اتفاق. والحرب الاستنزافية ليست في مصلحة الولايات المتحدة، والانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب، ولهذه الاسباب يبدو أن الهجوم العسكري على البنى التحتية الإيرانية لا يبدو معقولاً لأنه يمثل جريمة حرب وضرره سيصيب المدنيين فحسب.
في اليوم الذي تحدث فيه ترامب عن محو الحضارة الإيرانية، وفي اليوم التالي له توصلت إيران والولايات المتحدة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، وبينما كانت إيران والولايات المتحدة على بعد خطوة من اتفاق في جنيف، اندلعت فجأة حرب الاثني عشر يوماً في حزيران ولهذا السبب، لا يمكن الجزم بأنه سينفّذ وعيده بضرب إيران.




