قبل أن تصمت القذائف على الجبهة الأميركية الإيرانية كان واضحاً أن إدارة ترامب وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع إسرائيل على طريقة وحدة الساحات. فلا أمل في تحقيق انفراجة في مكان من دون فتح أفق لانفراجة أو حل في مكان آخر وهذا هو المعنى الحقيقي لإعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قبيل سفره إلى واشنطن أن "الأميركيين يطالبون بسلسلة من الانسحابات، وأنا أنوي معارضتها". ويشير كلام نتنياهو، وفق القناة 13 أساساً إلى انسحابات في لبنان وغزة وكذلك بانسحابات من سوريا أيضاً. ولا يمكن فهم معنى ذلك من دون الإشارة إلى ما صارت إسرائيل تعتبره "صخرة وجودها" وهو الاعتماد ليس فقط على المناطق الأمنية العازلة في محيطها بل وتشجيع الاستيطان فيها. واليمين الإسرائيلي الذي أطلق العنان لعربدته الاستيطانية في الضفة الغربية لم يخف أبداً مساعيه لتشجيع الاستيطان في غزة وسوريا ولبنان.
ضغوط أميركية؟
رغم أن نتنياهو كان الزعيم الأجنبي الذي التقى ترامب أكثر من أي زعيم آخر، وأن لقاءه الأخير هو السابع خلال ولاية ترامب الثانية، إلا أن هذا اللقاء يختلف عن سابقيه. فقد استقبله الإعلام الأميركي باستطلاع يفيد بأن حوالي نصف الأميركيين يؤيدون اعتقاله بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة. كما أن ترامب بات من يحدد نبرة الحديث واستبق اللقاء بإعلان أنه ليس بحاجة إلى نتنياهو ليطلعه على آخر التطورات. والأهم أن ترامب لم يكن هذه المرة متلهفاً لهذا اللقاء، حيث كان الشرط هو تقديم تنازلات في القضايا مثار التداول، وكان أحد أقصر اللقاءات ومن دون تغطية إعلامية أو احتفاء. وحسب الإعلام الإسرائيلي، آثر نتنياهو التنازل مؤقتاً في موضوع غزة بقرار الانضمام لمجلس السلام وفتح الطريق أمام وصول قوات الاستقرار بانتظار رؤية ما سوف تتجه إليه الأمور في جبهات أخرى.
وبحسب المراسل العسكري لموقع "والا"، أمير بوحبوط، فإن "الكابينت السياسي الأمني الإسرائيلي لم يستطع الصمود أمام الضغوط الدولية، فقرر استقبال قوات متعددة الجنسيات وتعزيز آليات التفاف لا تنتظر التفكيك الكامل للبنية التحتية الإرهابية لحماس. وتشير مصادر أمنية إلى أنه إذا فشل نتنياهو في كبح أو تخفيف الضغط الأميركي على الساحة اللبنانية، فإن الخطوة التالية ستكون الانسحاب من سوريا". ووفقاً لكلامه، يتزايد القلق في الأوساط الأمنية من أن تُمارس إدارة ترامب ضغوطاً دبلوماسية شديدة، ما قد يُجبر إسرائيل على الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان. هذه الخطوة، التي ألمح إليها مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، تُثير مخاوف من فرض مسار مماثل على قطاع غزة.
وكتب المراسل العسكري لـِ "معاريف" آفي أشكنازي، أن "نتنياهو اضطر لحضور الاجتماع من الباب الخلفي، وذلك بعد أن عرض على ترامب خطة إعادة إعمار غزة من الباب الأمامي، رغم المناورات المراوغة والإنذار الأخير بأن إعادة الإعمار لن تبدأ إلا بعد نزع سلاح حماس. إسرائيل مضطرة للاعتراف بفشلها في تحقيق أهدافها الحربية في غزة، كما فعلت في إيران ولبنان. ستدخل قوات الاستقرار رفح وتعمل في المنطقة الخالية من الأسلحة".
وكان نتنياهو قد أكد عزمه على "مقاومة الطلب الأميركي بكل حزم" بالانسحاب ولكن ذلك لم يمنع حكومته من الإقرار بالإجماع بدء إدخال قوات الاستقرار إلى قطاع غزة. ورغم أن الموافقة الإسرائيلية هذه كانت مشروطة، إلا أنها لبت بشكل ما طلباً أميركياً تجنبت حكومة نتنياهو إقراره طوال شهور ومنحت الحصانة القانونية لقوات الاستقرار. وهذه واحدة من الخطوات التي تناقض إصرار حكومة نتنياهو على تهجير قطاع غزة ومنع أي محاولة لإعادة إعماره. ولكن هذا القرار لا يمنع استمرار محاولات عرقلة إعادة الإعمار أو إعادة بناء سلطة انتقالية في القطاع عبر لجنة التكنوقراط.
ويعارض الجيش الإسرائيلي انتشار قوة الاستقرار لأن ذلك، في نظره، يعيد الوضع إلى ما كان عليه ويسمح لحماس بإعادة تأهيل قوتها وفرض سيطرتها. وعدا ذلك يؤمن الجيش الإسرائيلي بأنه الوحيد القادر على نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في القطاع وليس أي قوة أخرى. كما يرفضون إمكانية إنشاء "مدينة خضراء" في رفح، ويعتقدون أن ذلك سيعيد لحماس القدرة على السيطرة والتهريب عبر الحدود المصرية لترميم قدراتها وفي وضع مقيد لإسرائيل كما كان في جنوب لبنان.
ويرى معلقون إسرائيليون أن نتنياهو وصل إلى واشنطن ضعيفاً وأن الرئيس الأميركي سوف يستغل هذا الضعف لتحقيق رؤية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد أن تبين أن إيران ليست سوى عنصر واحد بين عناصر سياسية مختلفة. وحالياً يحاول وزير الخارجية المتطلع للترشح للرئاسة الأميركية مستقبلاً، ماركو روبيو، رسم ملامح نظام جديد في المنطقة يشمل السعودية والعراق ولبنان وسوريا. ومن الجائز أن بين الأوراق الأميركية القوية في التشاور مع إسرائيل، التركيز على الممر الهندي مروراً بإسرائيل في مواجهة الممر الصيني "الحزام والطريق" كطريق اقتصادي عام إلى أوروبا.
الخوف من الانفجار
تعدت العربدة إسرائيلية في الضفة الغربية كل المقاييس الاحتلالية السابقة، حيث بات العنوان هو تعظيم الاحتكاك الاستيطاني والعسكري ومحاولة نقل تجربة الإبادة في غزة إلى الضفة. وعدا عن التفاخر بالبؤر الاستيطانية ومزارع الرعي التي "أنقذت" لليهود حوالي مليون دونم من "أراضي الدولة"، وفق تعبير وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يتحدث وزير الحرب إسرائيل كاتس عن إخلاء قرى وبلدات كما سبق وفعلوا بمخيمات. وقادت عمليات العربدة والدعم الحكومي الرسمي الكثيرين إلى التحذير من انفجار الوضع في الضفة وربما من نشوب انتفاضة شعبية فلسطينية ثالثة.
فالجيش الإسرائيلي الذي يعاني من نقص كبير في عديده وينتشر بشكل غير مسبوق على الحدود اللبنانية والسورية وحتى المصرية والأردنية مضطر لأن ينشر في الضفة حالياً ما لا يقل عن 26 كتيبة. الجيش الإسرائيلي اضطر لسحب سرايا من مرحلة التدريب في لواءي الكوماندوز وكفير لتعزيز القطاع. هذا قرار مفهوم في ظل الظروف الطارئة، ولكنه يُظهر التكلفة التراكمية للحرب الطويلة: فالجيش يستخدم قوات كان من المفترض أن تتدرب وتُحسّن وتُجهّز للحرب القادمة لسدّ الثغرات العملياتية هنا والآن.
وحسب القناة 12 حذر كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين من استمرار التصعيد واحتمال "خروج الوضع عن السيطرة" وأنه "يتفاقم ومن الصعب إيقافه". فخلال الشهرين الأخيرين، رصدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وهي غالباً ترصد بعين عوراء، 219 "جريمة قومية" من مستوطنين ضد فلسطينيين بينها عمليات قتل وتنكيل وإحراق مساجد وبيوت ومزارع وسرقة مواشي. ومع ذلك يجاري الجيش المستوى السياسي ويشدد على أنه بصدد تنفيذ عملية واسعة النطاق في الضفة بعد انتهاء زيارة نتنياهو لواشنطن.
وهذا ما دفع نحو 600 من كبار قادة الاحتياط في الجيش الإسرائيلي والموساد والشاباك والشرطة ووزارة الخارجية الأعضاء في منتدى "قادة من أجل أمن إسرائيل" رسالةً إلى الرئيس الأميركي قبيل اجتماعه مع رئيس الوزراء، محذرين من عواقب التصعيد في الضفة الغربية. وطالبت الرسالة ترامب بالتحرك ضد الإرهاب اليهودي في الضفة ومنع إضعاف السلطة الفلسطينية والضغط على نتنياهو لوقف التدهور. ويخشى هؤلاء بشكل أساسي من اشتعال الجبهة التي حاول الجيش ابقاءها خارج الحرب في ظل اشتعال الجبهات الأخرى. وهم يعرفون أن توسيع لعربدة الاستيطانية وصولاً إلى إقرار إعادة إسكان مستوطنتين جرى إخلاؤهما في السابق فتيل تفجير للوضع.
ويربط كثيرون في إسرائيل بين تصعيد الوضع في الضفة والانتخابات الإسرائيلية القريبة حيث يحاول اليمين المتشدد البقاء في الحكم لانجاز خطته "بحسم" المعركة وتهجير الفلسطينيين. بل أن البعض يعتقد أنها خطة لتسخين الأجواء لمنع إجراء انتخابات عامة وبقاء اليمين في الحكم لفترة أطول. ويعتقد كبير معلقي "يديعوت"، ناحوم بارنيع، أن حكومة نتنياهو تزرع الريح بقصد توفير الظروف لهبوب العاصفة وأنها تقود إلى انتفاضة شعبية فلسطينية في ظل استمرار دفن الجيش الإسرائيلي لرأسه في الرمال. ويرى أنه "إذا اندلعت الانتفاضة الثالثة، فستكون مختلفةً عن سابقتيها: ستكون الأولى التي تندلع بمبادرةٍ من الحكومة الإسرائيلية ووفقًا لرؤيتها".
أما المعلق العسكري يوسي يهوشع فكتب تحت عنوان "اللعب بالنار": "تشهد منطقة الضفة الغربية حالةً من التوتر الأمني والعملياتي غير مسبوقة. في رأيي، إن احتمالية حدوث انفجار كبير اليوم أعلى من احتمالية العودة إلى القتال مع إيران ". في كل حال يلخص معلقون الوضع في الضفة الغربية بأنه "جبهة متفجرة وأن النيران سوف تلتهمنا جميعًا" فيما يرى آخرون أن اليمين سوف يكتشف أن "من يغذون نيران الفتنة في الضفة الغربية" يقودون إلى تسوية قسرية بدعم دولي "تتضمن إقامة دولة فلسطينية" عكس مرادهم.




