لا تعني نهاية الحرب بين تركيا وحزب العمال الكردستاني بالضرورة نهاية الحزب بوصفه قوة إقليمية. فبينما يتراجع مقاتلوه عن الحدود التركية، تشير تحركات متراكمة إلى انتقال مركز ثقله جنوباً، عبر الشريط الجبلي الممتد من قنديل إلى حلبجة بمحاذاة إيران. وإذا تأكدت التقارير عن حفر أنفاق وتشييد تحصينات في المنطقة، فقد نكون أمام تحول استراتيجي، خروج الحزب من جبهة تركيا، مع الاحتفاظ منظومته بعمق عسكري على حدود إيران.
المعلومات عن الأنفاق تنسجم مع تغير جغرافي بدأ قبل أكثر من عقد، وأنتج انتشاراً تدريجياً داخل المناطق الخاضعة لنفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني في محافظة السليمانية.
ممر جبلي نحو الجنوب
عندما أطلق العمال الكردستاني تمرده ضد تركيا عام 1984، تركزت قواعده العراقية قرب الحدود التركية، لتكون نقاط انطلاق نحو الداخل. رسخ وجوده في هفتانين، ثم تمدد إلى أميدي وخواكورك وغارا وقنديل، ومعظمها ضمن مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني.
لكن الاستراتيجية العسكرية التركية غيرت الخريطة. فمنذ عام 2019، انتقلت أنقرة من الغارات والعمليات المؤقتة إلى إنشاء قواعد ونقاط متقدمة داخل شمال العراق. وأدى هذا الوجود إلى تقليص حركة الحزب ودفعه بعيداً عن الحدود التركية.
ينسجم حفر الأنفاق، مع أسلوب اعتمده الحزب لمواجهة التفوق التركي في الطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي. ولذلك فإن إنشاء تحصينات قرب حلبجة سيعني أن وجوده هناك ليس مجرد انتقال مؤقت، بل استعداد للبقاء طويلاً.
السليمانية وبيئة التوسع
لم يكن هذا التحول ممكناً بفعل الجغرافيا وحدها. فقد تسارع بعد مرض الزعيم الكردي جلال طالباني وغيابه عن المشهد منذ عام 2012، بالتزامن مع إعادة توزيع النفوذ داخل الاتحاد الوطني وأجهزته الأمنية وصعود لاهور شيخ جنكي. وخلال تلك المرحلة، أصبحت العلاقة مع العمال الكردستاني أقرب إلى تفاهم عملي، وهذا ما وفر بيئة أقل عداء لنشاطه من مناطق الحزب الديمقراطي المتحالف مع أنقرة.
لا يعني ذلك أن الاتحاد الوطني والعمال الكردستاني تنظيم واحد، فلكل منهما قيادته ومصالحه، كما شهدت علاقتهما خلافات متعددة. لكن التقاطع بينهما ساعد الحزب على بناء شبكات في السليمانية.
والمفارقة أن هذه الصلات لم تمنع تحسناً سريعاً في علاقة الاتحاد الوطني بتركيا. فقد زار رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن السليمانية في تموز/ يوليو 2026، ثم التقى قباد طالباني وزير الخارجية هاكان فيدان في أنقرة. ولا تثبت هذه الاتصالات وجود صفقة ثلاثية، لكنها توحي بأن أنقرة باتت ترى الاتحاد الوطني شريكاً محتملاً في إدارة مرحلة ما بعد انسحاب الحزب من الجبهة التركية.
هل تصبح إيران الجبهة البديلة؟
يكتسب الانتشار الجديد أهمية إضافية مع عودة الاشتباكات بين بيجاك وقوات الحرس الثوري الايراني. وكان التنظيم قد أبرم وقفاً لإطلاق النار مع طهران عام 2011، لكن المواجهات المتقطعة لم تتوقف. وهنا يجب التمييز بينه وبين العمال الكردستاني، فهما ليسا تنظيماً واحداً رسمياً، لكنهما ينتميان إلى منظومة أيديولوجية وعسكرية مشتركة. ولذلك لا يعني حل العمال الكردستاني تلقائياً اختفاء بيجاك، أبرز تنظيم إيراني ضمن المنظومة المرتبطة به.
مع ذلك، لا تتوافر أدلة موثوقة على انخراط العمال الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني في مشروع يستهدف إسقاط النظام الإيراني، ولا على تموضعهما ضمن استراتيجية إسرائيلية لمواجهة طهران. والأرجح أن الطرفين يسعيان إلى توسيع هامش المناورة والاحتفاظ بأوراق ضغط تحمي مصالحهما، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إيران، يدركان أن إقليم كردستان سيكون من أول المتضررين منها.
وإذ يخلى العمال الكردستاني ما تبقى من قواعده القريبة من تركيا، سينتقل الجزء الأكبر من ثقله العسكري في العراق إلى الشريط الجبلي المحاذي لإيران. وقد ينتج من ذلك نمط جديد من النفوذ، يجمع بين اندماج سياسي متدرج في تركيا واستمرار شبكات إقليمية مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني خارجها. وعليه، قد لا تنهي عملية السلام مع تركيا دوره بقدر ما تعيد تشكيله، من حركة تمرد انصب نشاطها تاريخياً على مواجهة أنقرة إلى فاعل عابر للحدود، يستمد شرعيته من العمل السياسي داخل تركيا، ويحتفظ في الوقت نفسه بعمق استراتيجي وأوراق قوة على تخوم إيران.




