أحدث وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، خلال ولاية الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، تغييرات واسعة في البنية الإدارية والاستيطانية والأمنية بالضفة الغربية المحتلة عبر نقل صلاحيات مدنية من الجيش إلى أطر سياسية خاضعة له، وتسهيل شرعنة البؤر الاستيطانية، والتوسع في المزارع الرعوية، وإعادة الاستيطان لشمال الضفة، في مسار يرسخ ضمّاً فعلياً للأرض.
وذكر تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن سموتريتش، رغم عدم فرضه ما تسميه إسرائيل "السيادة" رسمياً على الضفة، نجح في تحويل جزء كبير من برنامجه الاستيطاني إلى وقائع إدارية وميدانية، مستفيداً من صلاحياته بوزارة الدفاع وانشغال الرأي العام بالحرب.
نقل الصلاحيات من الجيش
وتضمنت أبرز التحولات التي قادها سموتريتش نقل قسم رئيسي من صلاحيات "الإدارة المدنية" التابعة للجيش الإسرائيلي إلى أطر مدنية وسياسية خاضعة له داخل وزارة الدفاع.
وقاد سموتريتش مساراً لنقل ملفات التخطيط والبناء والأراضي والبنية التحتية إلى ما يسمى "إدارة الاستيطان"، وهي هيئة سياسية أُنشئت داخل وزارة الدفاع وتعمل تحت مسؤوليته المباشرة، وذلك بموجب وثيقة نظمها مع نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت عام 2023. كما تقرر نقل مقر الإدارة المدنية من قاعدة عسكرية إلى منطقة "شاعر بنيامين" الاستيطانية.
ويؤدي هذا التحول عملياً إلى تقليص دور الجيش في إدارة الأراضي المحتلة، وإسناد ملفات الأرض والتخطيط إلى جهاز سياسي يعلن استهداف توسيع المستوطنات ومنع قيام دولة فلسطينية.
ويحذر معارضو هذه الخطوات من أن نقل الصلاحيات للهيئة السياسية يفرغ الإدارة العسكرية من مضمونها ويخلق تسلسلاً موازياً يسرع شرعنة البؤر على حساب الحقوق الفلسطينية.
شرعنة 103 مستوطنات
وأقرت الحكومة الإسرائيلية خلال ولايتها الحالية 103 تجمعات استيطانية جديدة، شملت بؤراً تصنف إسرائيلياً بـ"الاستيطان الشاب" وبؤراً أقيمت دون موافقات رسمية، حيث جرى تحويلها إلى مستوطنات مستقلة أو إدراجها ضمن مستوطنات قائمة.
ونقلت هذه القرارات عشرات البؤر من وضع مؤقت وغير معترف به وفق القانون الإسرائيلي إلى تجمعات تحظى بالتخطيط والميزانيات والرابط بالبنية التحتية والحماية العسكرية، مما يؤسس لانتشار استيطاني أوسع وتوسيع مناطق النفوذ على حساب الأراضي الفلسطينية.
المزارع الاستيطانية
وعقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أُنشئ اتحاد للمزارع الاستيطانية لتوسيع السيطرة على المناطق المفتوحة في الضفة عبر الرعي والزراعة بالتنسيق مع مؤسسات الدولة والجيش الإسرائيلي.
ووفق معطيات التقرير، تسيطر هذه المزارع الرعوية حالياً على أكثر من مليون دونم في الضفة الغربية، مقارنة بمساحة مبنية للمستوطنات والمدن الاستيطانية مجتمعة لا تتجاوز 200 ألف دونم. وارتفع عدد هذه المزارع من نحو 50 مزرعة عام 2022 إلى قرابة 140 مزرعة عام 2026.
وارتبط انتشار هذه المزارع بتصاعد اعتداءات المستوطنين والضغط على التجمعات الفلسطينية والبدوية لتهجيرها، حيث أشار التقرير إلى مواجهات متكررة في مناطق ريفية، بينها أحداث بلدة تل بمنطقة نابلس التي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وضابط إسرائيلي وأحد أفراد فرقة الحراسة الاستيطانية.
إعادة الاستيطان
وألغت الحكومة الإسرائيلية القيود التي كانت تمنع المستوطنين من العودة إلى مواقع أُخليت عام 2005 بموجب قانون "فك الارتباط" في شمال الضفة الغربية.
وأُعيد إنشاء مستوطنة "سا-نور"، وشرعنة البؤرة المقامة في موقع مستوطنة "حومش"، مع توقعات بإعادة إقامة مستوطنتي "غنيم" و"كديم" المخليتين، ضمن مسار لإعادة الانتشار الاستيطاني بشمال الضفة وتسريع المصادقة على المخططات الهيكلية.
استغلال ظروف الحرب
ويرى معارضو هذه السياسة أن سموتريتش استغل ظروف الحرب والانشغال الأمني لتمرير تغييرات هيكلية وتوفير ميزانيات ضخمة للبنية التحتية الاستيطانية.
وحذرت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية من أن سموتريتش كرس جهوده لدفع الاستيطان وتحويل الميزانيات، مؤكدة أن هذه السياسات تعمق العزلة الدولية لإسرائيل وتؤدي إلى مزيد من التطرف والعنف.
وأشار التقرير إلى تحول اعتداءات المستوطنين من هجمات ليلية تنفذها مجموعات صغيرة إلى اعتداءات واسعة النطاق في وضح النهار تستهدف الممتلكات والأفراد، في ظل عجز أو تساهل أجهزة الأمن والشرطة الإسرائيلية.
موقف سموتريتش
في المقابل، أعلن مكتب سموتريتش أن الإجراءات المتخذة تعد "ثورة تاريخية في يهودا والسامرة" (التسمية التوراتية للضفة الغربية)، مشيراً إلى أنها تهدف إلى "تعزيز أمن إسرائيل واقتلاع فكرة إقامة دولة فلسطينية".
وأكد المكتب أن ما تحقق كان جزءاً أساسياً من التعهدات الانتخابية لسموتريتش والتي نُفذت بالكامل، مشدداً على مواصلة العمل لترسيخ هذا الواقع الميداني والإداري.




