أعاد جدل تشهده واشنطن في خضم الحرب على إيران طرح سؤال قديم متجدد: أين تُرفع السرية العسكرية ومتى يحين دور عرض الحقائق على الرأي العام؟
أشار موقع وزارة الدفاع (البنتاغون) إلى 14 قتيلاً في الحرب على إيران، فيما أعلن مسؤولون في الإدارة الأميركية، وبينهم الرئيس دونالد ترامب نفسه بأن العدد هو 18 ، وهذا ما أثار تساؤلات مشكّكة خصوصاً أنَّ الأمر لا يتعلق بظهور رقمين بل بما قد يتركه من انعكاسات سلبية يمكن أن تؤثر على ثقة الأميركيين بمؤسساتهم الرسمية المدنية والعسكرية.
شكوك
لا يخفى أن الجيش الأميركي لكونه يتصدر قائمة أكبر جيوش العالم، فإنه يمتلك أنظمة دقيقة للإحصاء والتوثيق، وبالتالي فإن ظهور رقمين لقتلى الحرب، فتح المجال أمام التشكيك بسردية إدارة ترامب، بطريقة تم التغاضي فيها عن كون الخطأ إجرائياً أو تقنياً. ذلك أنه في ظل خلافات وجهات النظر السائدة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول جدوى الحرب على إيران ومدى إفادتها للمواطن الأميركي، فإن الخطأ في البيانات وكشف المعلومات تحوّل إلى مادة دسمة للمواجهة بين الحزبين.
غير أن الجدل الدائر حالياً حول عدد القتلى الأميركيين ليست قضية جديدة، فالأميركيون لديهم عقدة الأرقام منذ حرب فيتنام فارتفاع الخسائر البشرية وقتذاك أخرج الأميركيين إلى الشارع ما دفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من ذلك البلد بحيث تركت حلفاءها لمصيرهم. هذا السيناريو تكرر في حربي العراق وأفغانستان وإن كان بدرجات متفاوتة، لكن النتيجة كانت مشابهة، انسحاب أميركي مذل، والتخلي عن حلفاء الأمس لصالح نظام حاربته الولايات المتحدة لسنوات كثيرة.
وبناء عليه، فإن قضية الأرقام لا تقف في واشنطن عند حدود الخطأ الإداري، ذلكَ أنه وفق معايير السياسة الأميركية المتبعة فإن الخسائر البشرية قد تشكّل أساس الفشل الذريع خصوصاً في حال استمرار الحرب لفترات طويلة في موازاة العجز عن تحقيق أهدافها المرجوة.
معضلة ترامب
لطالما قدّم ترامب نفسه باعتباره رئيساً يفضّل إنهاء الحروب لا إشعالها، وتجنيب الولايات المتحدة الانخراط في النزاعات الخارجية وكلفتها "الدموية"، وقد صرح بذلك غير مرة مبرراً اللجوء إلى الخيارات العسكرية تحت شعار فرض "السلام بالقوة"، وبذلكَ فإن قضية الأرقام تتجاوز خطوطه الحمراء التي سبق له الإعلان عنها. عليه، باتت الأرقام أشبه بـِ "معضلة" لترامب إذ أن من شأن كل قتيل يسقط أن يشكك في صدقية وعوده المتكررة بتجنب الانجرار إلى نزاعات خارجية تؤدي لخسائر بشرية باهظة. وهذا ما منح في المقابل الديمقراطيين فرصة للتصويب على ترامب من باب تناقضاته، ومن منطلق أن الأمر لا يتعلق بمجرد إحصائية للقتلى لكنه يرتبط بمبدأ الشفافية بحد ذاته. وذلك ما أكدت عليه السيناتور مازي هيرونو، وفق "نيويورك تايمز"، ومعها 11 عضواً ديمقراطياً، بأن وزارة الدفاع لم تقدم تقارير شاملة وفي الوقت المناسب عن الخسائر، وأن نظام تتبع الإصابات والقتلى أصدر بيانات متناقضة أثارت تساؤلات حول شفافية الوزارة وصدقية بياناتها. وقد أعلن الديمقراطيون أن ذلك ليس بهدف تصحيح الأرقام فحسب، بل على سبيل اختبار مدى التزام الإدارة بإطلاع الكونغرس والرأي العام على حقيقة ما يجري في الميدان.
وفي مقابل الهجمة الديمقراطية لجأ "البنتاغون" إلى الدفاع عن نفسه بالترويج لفكرة أن بعض المعلومات لا يمكن إعلانها فوراً لأسباب أمنية تتعلق بسير الحرب، وهذا مبرر تستخدمه الجيوش عادة لتجنب كشف تفاصيل ترى أن الخصم قد يستفيد منها. لكن هذا التبرير لم يمنع المنتقدين من الحديث عن ضرورة التمييز بين تأخير نشر معلومات ميدانية للحفاظ على سلامة القوات، وبين تعديل بيانات تتعلق بخسائر وقعت بالفعل ولا يمكن التغاضي عنها، معتبرين في هذا السياق أن المسألتين ليستا شيئاً واحداً.
علاقة معقدة
لا شك أن الجدل الدائر حول هذه القضية يكشف طبيعة العلاقة المعقدة بين المؤسسة العسكرية الأميركية والسلطة السياسية، فالأولى تعتمد قواعد إدارية وعسكرية دقيقة وصارمة، فيما يتعامل السياسيون مع هذا النوع من القضايا أو المعلومات من زاوية تأثيرها على الرأي العام وقياسها على الانتخابات بغض النظر عن نوعها. وبذلك فإن الخلاف بشأن المعلومات والبيانات يتحوّل مادة مثيرة للجدل قد تتحول إلى أزمة ثقة. خصوصاً إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن غالبية الخبراء باتوا ينظرون إلى الحرب الحديثة بأنها لا تقاس فقط بالمواقع التي يتم قصفها أو الأراضي التي يمكن احتلالها، والقدرات العسكرية المستخدمة، وإنما تتركز أساساً حول قدرة الحكومة على إدارة سرديتها لنيل ثقة مواطنيها، وهذا يعني أنَّ المعلومات لم تعد وسيلة لشرح الحرب وتوضيح ظروفها، وإنما صارت إحدى أدواتها.
كذلك فإن سرعة تداول الأخبار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي جعلت من الصعب احتواء أي تناقض في البيانات الرسمية. ذلك أن الفارق بين رقم وآخر، خصوصاً إذا ما كان مرتبطا بأحداث دموية، قد يتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، ويمنح خصوم إدارة ترامب فرصة للتشكيك في مجمل روايتها بشأن الحرب، حتى وإن كان سبب التناقض تقنياً أو إجرائياً.
وفيما يرى داعمو الرئيس الأميركي أن ما جرى لا يعني وجود محاولة متعمدة لإخفاء الخسائر، مستندين بذلك إلى عدم توفر الإثباتات، إلا أن استمرار التضارب في الأرقام، وتأخر تقديم توضيحات شاملة، منحا منتقدي ترامب مساحة أوسع لإثارة الأسئلة، ووضعا المؤسسات الرسمية أمام تحدي استعادة الثقة.
خلاصة القول، إنَّ القضية لم تعد متعلقة برقم خضع للتعديل زيادة أو نقصاناً، بل باتت تتعلق بمعركة سياسية أوسع تدور في أروقة واشنطن وتمس صدقية السردية الرسمية للحرب. وعليه يبدو أن الجدل حول أرقام القتلى مرشح للاستمرار، ليس بسبب الرقم في حد ذاته، وإنما لأنه يعكس صراعاً أوسع على الثقة والمساءلة في زمن الحرب.




