صعّدت إيران، لهجتها تجاه أوكرانيا بعد الهجوم الذي استهدف سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، متوعدةً بالرد، فيما ردت كييف باتهام طهران بالتواطؤ المباشر مع روسيا في الحرب، في أحدث تصعيد بين البلدين على خلفية التعاون العسكري الإيراني الروسي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن الهجوم الأوكراني على السفينة الإيرانية يمثل "عملاً إجرامياً وعدوانياً وغير قانوني"، واصفاً إياه بأنه "مغامرة خطيرة لن تمر من دون رد".
وأضاف أن الهجوم يشكل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة، وقد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب الروسية الأوكرانية، محملاً "رئيس النظام الأوكراني وداعميه ومحرضيه" مسؤولية التداعيات الناجمة عنه.
وقال بقائي إن سلوك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يذكّر بـ"سلوك الفوضويين خلال الحرب العالمية الأولى"، مؤكداً أن كييف ستتحمل مسؤولية التصعيد، وأن إيران تعلم أيضاً أن الدول المطلة على بحر قزوين غير راضية عن هذا الهجوم.
وفي المقابل، رد وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها على التهديدات الإيرانية، مؤكداً أنه "لا أساس لتهديدات إيران"، ومعتبراً أن النظام الإيراني "متواطئ بشكل مباشر مع العدوان الروسي على أوكرانيا".
وقال سيبيها إن "النظام في طهران يغذي حرب روسيا بالأسلحة التي أودت بحياة الأوكرانيين منذ عام 2022"، مضيفاً أن التصريحات الإيرانية "ليست سوى محاولة لصرف الأنظار عن الإرهاب الروسي ضد الملاحة المدنية في البحر الأسود".
عراقجي: الهجوم لن يمر من دون رد
وجاءت تصريحات بقائي بعد يوم من تأكيد وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي أن الهجوم على السفينة الإيرانية "لن يمر من دون رد". وقال عراقجي إن زيلينسكي هاجم سفينة تجارية إيرانية، ما أدى إلى مقتل أحد البحارة، معتبراً أن ذلك "يشكل انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة"، وأنه جرى "بتحريض من إسرائيل لجر أوروبا إلى الحرب".
وأضاف أن "ما فعله هذا الانتهازي في كييف لا يمكن أن يبقى بلا رد"، مشيراً إلى أنه شدد خلال اتصالين مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على ضرورة محاسبة أوكرانيا والدول الداعمة للهجوم. كما دعا عراقجي الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات بحق كييف وداعميها.
بدوره، كتب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي على منصة "إكس": "أي هجوم على إيران يأتي دائماً بتكلفة، وهذا لا يزال صحيحاً اليوم؛ والولايات المتحدة وإسرائيل تدركان ذلك جيداً. وقد تدرك أوكرانيا أيضاً قريباً أن إيران لا تدع الأعمال تمر دون رد".
مقتل بحار وإصابة ثلاثة آخرين
وكان محافظ إقليم غيلان الإيراني هادي حق شناس أعلن، الأحد، أن السفينة التجارية الإيرانية تعرضت لهجوم أثناء وجودها في منطقة الرسو الخارجية لنهر الفولغا في بحر قزوين. وقال إن الهجوم أدى إلى مقتل أحد البحارة وإصابة ثلاثة من أفراد الطاقم، كما دُمر جسر قيادة السفينة بالكامل، ما حال دون تمكنها من مواصلة رحلتها.
وأوضح أن السفينة كانت تحمل شحنة من الحديد من ميناء أستراخان الروسي إلى ميناء أنزلي الإيراني، مؤكداً أن هذا المسار كان يُستخدم منذ سنوات ممراً آمناً وموثوقاً للتبادل التجاري بين الميناءين. وأضاف أن الهجوم لا يستهدف سفينة تجارية فحسب، بل يمثل أيضاً اعتداءً على أمن التجارة البحرية واستقرار منطقة بحر قزوين، متهماً "العدو" بالسعي إلى زعزعة الأمن في هذا الممر البحري.
من جانبها، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الهجوم أدى إلى مقتل بحار وإصابة آخر، ووصفت العملية بأنها "عمل عدواني وإجرامي"، مؤكدة أن إيران ستدافع عن مصالحها وأمنها القومي، ومتهمة أوكرانيا بالسعي إلى توسيع نطاق الحرب الروسية الأوكرانية.
وعقب الهجوم، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال الأوكراني في طهران، وقدمت احتجاجاً رسمياً على العملية، محملة الحكومة الأوكرانية والدول الداعمة لها مسؤولية تداعياتها.
زيلينسكي: استهدفنا سفناً تنقل شحنات عسكرية
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن، السبت، أن القوات الأوكرانية نفذت ضربات بعيدة المدى في بحر قزوين، مؤكداً أنها حققت "نتائج جيدة للغاية". وقال في منشور على منصة "إكس": "حققنا نتائج جيدة للغاية من الضربات بعيدة المدى في بحر قزوين"، مضيفاً أن الضربات استهدفت "سفناً كانت تنقل شحنات عسكرية من إيران، إضافة إلى سفينة حربية روسية".
وأوضح جهاز الأمن الأوكراني أن طائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت أيضاً منصة "فيلانوفسكي" النفطية التابعة لشركة "لوك أويل" الروسية، إضافة إلى سفينتي الشحن "بورت أوليا 2" و"بيجي"، اللتين قال إنهما تشاركان في نقل شحنات عسكرية بين روسيا وإيران.
وفي تصعيد منفصل، اتهم زيلينسكي روسيا بتزويد إيران ببيانات استخباراتية وصور أقمار صناعية تستخدم في تنفيذ هجمات على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. وقال إن أوكرانيا رصدت منذ بداية يوليو عمليات مراقبة روسية نشطة عبر الأقمار الصناعية لأراضي دول الخليج والمنشآت العسكرية الأمريكية، مضيفاً أن هذه الصور "تصل في نهاية المطاف إلى إيران".
وأضاف أن هناك "ارتباطاً واضحاً" بين المراقبة الروسية للمنشآت والضربات الإيرانية، سواء قبل الهجمات لتحديد الأهداف أو بعدها لتقييم حجم الأضرار، زاعماً أن الأقمار الصناعية الروسية راقبت يومي 19 و20 تموز/ يوليو أربع قواعد جوية، اثنتين في البحرين وواحدة في كل من الأردن والكويت.
وكانت شبكة "CNN" قد أفادت في أذار/مارس بأن روسيا زودت إيران بمعلومات استخباراتية حول مواقع وتحركات القوات والسفن والطائرات الأمريكية في الشرق الأوسط.
بحر قزوين... أهمية متزايدة لإيران
ويمثل الهجوم أول استهداف معلن لسفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، كما أنه يأتي في ذروة التوتر بين طهران وواشنطن، ما يمنحه أبعاداً تتجاوز الحرب الروسية الأوكرانية. وازدادت أهمية بحر قزوين بالنسبة لإيران مع اعتمادها بصورة أكبر على موانئها الشمالية وخطوط التجارة مع روسيا، في ظل الضغوط الأمريكية على موانئها في الخليج وبحر عُمان.
وترتبط إيران وروسيا باتفاقية شراكة استراتيجية واسعة تشمل التعاون الاقتصادي والعسكري، كما طورت موسكو طائرات "شاهد" الإيرانية المسيّرة داخل مصانع على الأراضي الروسية.
ولم تكن هذه أول عملية أوكرانية في بحر قزوين، إذ سبق لكييف أن استهدفت حقل "فيلانوفسكي" النفطي، كما هاجمت في وقت سابق سفينتين قالت إنهما تُستخدمان في نقل الأسلحة بين روسيا وإيران.
وتتهم أوكرانيا والولايات المتحدة ودول أوروبية إيران منذ اندلاع الحرب بتزويد روسيا بطائرات "شاهد 136" المسيّرة، وهو ما تنفيه طهران، بينما فرض الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة عقوبات على موانئ وشركات شحن إيرانية، بينها ميناءا أنزلي وأمير آباد، على خلفية اتهامها بنقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى موسكو.




