ما بعد 2030: كيف يستعد النظام المصري للبقاء في الحكم؟

أحمد عبد الحليمالأحد 2026/07/26
Image-1785001559.Jpg
عبد الفتاح السيسي (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يطرح السؤال حول مستقبل السلطة في مصر بعد عام 2030 نفسه بقوة على طاولة النقاش السياسي، مدفوعاً بمؤشرات متزايدة حول إمكانية الذهاب نحو تعديل دستوري جديد لتمديد الفترة الرئاسية الحالية. هذه الخطوة المرتقبة تستند على ثلاثة أعمدة رئيسة منها جبهة سياسية داخلية يجري ترتيب صفوفها لتقديم المبادرة، ورواية إعلامية مكثفة تؤكد على حتمية استكمال المسار، ومناخ دولي تحكمه لغة المصالح الاستراتيجية والملفات الإقليمية الحيوية كغزة والسودان والأمن المائي. في هذا المقال، سنحاول نقاش أبعاد هذا التمهيد الثلاثي، وكيف تترابط خيوطه لإعادة صياغة المستقبل السياسي للبلاد.

 

البنية الدستورية وتطور آليات الحكم منذ عام 2011

شهدت مصر منذ عام 2011 تحولات دستورية متلاحقة عكست الصراع بين الاستقرار المؤسسي وضمانات تداول السلطة. فبعد سقوط نظام مبارك الذي امتد ثلاثة عقود، نص دستور 2014 على انتخاب الرئيس لأربع سنوات مع حظر إعادة انتخابه أكثر من مرة واحدة، سعياً لقطع الطريق أمام الحكم الاستبدادي المفتوح. لكن في عام 2019 أقر البرلمان تعديلات مددت الفترة الرئاسية إلى ست سنوات، وأضافت مادة انتقالية (241 مكرر) مددت ولاية السيسي الثانية عامين لتنتهي 2024، مع السماح بالترشح لولاية ثالثة تنتهي 2030.

أثارت التعديلات جدلاً قانونياً واسعاً؛ إذ عبرت منظمات حقوقية، منها اللجنة الدولية للحقوقيين، عن قلقها من المساس بالمادتين 140 و226 اللتين تقيدان تعديل نصوص إعادة انتخاب الرئيس. واعتبر النقاد الخطوة تراجعاً عن مكتسبات دستور 2014 وتكريساً لمركزية السلطة. ورغم ذلك، مرت التعديلات في استفتاء أبريل 2019 بموافقة 88.83% ومشاركة تجاوزت 27 مليون مواطن، وفق البيانات الرسمية، وسط هيمنة إعلامية رسمية وتضييق شمل حجب عشرات المواقع واعتقال آلاف من المواطنين.

 

وهكذا تدرجت مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات بحد أقصى مرتين في دستور 2014، إلى ست سنوات مع إتاحة ولاية ثالثة تنتهي 2030 بتعديلات 2019، وصولاً إلى مقترحات حالية تدعو لتعديل جديد يمد الحكم عشر سنوات أخرى بذريعة تأمين الاستقرار وتفادي الفراغ السياسي وسط الأزمات الإقليمية، كما تطورت صلاحيات المؤسسة العسكرية من حماية الأمن القومي والحدود في دستور 2014، إلى صون الدستور والديمقراطية ومدنية الدولة في تعديلات عام 2019، وتتجه المقترحات المقبلة لتوسيع دورها في إدارة المشاريع والأصول الاقتصادية، بما يرسّخ التدخل العسكري في الشأن المدني ويوسّع اختصاصات القضاء العسكري. أما القضاء، فانتقل من مجالس مستقلة تدير تعييناتها ذاتياً في دستور 2014، إلى تولي رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للهيئات القضائية وتعيين قياداتها بموجب تعديلات 2019، وتتجه الخطط المقبلة لدمج الهيئات القضائية تحت إشراف رئاسي، ما يحكم قبضة السلطة التنفيذية على التعيينات ويحد من استقلال القضاء.

 

ومع اقتراب 2030، موعد انتهاء الولاية الثالثة والأخيرة للرئيس السيسي وفق تعديلات 2019، بدأ يتبلور حراك سياسي وإعلامي يطالب بفتح الدستور لتمكين الرئيس من البقاء. وتجسد ذلك في تصريحات برلمانية بارزة، أبرزها دعوة نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، المهندس ياسر قورة، لتعديل دستوري يسمح باستمرار الرئيس عشر سنوات إضافية. 

واستندت هذه الدعوة إلى صياغة سياسية تتجاوز الجدل القانوني نحو شرعية أمنية وجودية؛ إذ أكد قورة أن الطرح ليس بمثابة قناعة (وليس رأياً شخصياً) تفرضها المخاطر الإقليمية والتهديدات المباشرة للأمن القومي. وتقوم هذه "العقيدة السياسية للضرورة" على فرضية أن تغيير رأس السلطة وسط مشهد إقليمي متفجر (غزة، السودان، إيران، وغيرهم بسبب الحروب الأميركية/الإسرائيلية) مغامرة غير محسومة العواقب تهدد تماسك الدولة وتُدْخلها في الفوضى. غير أن هذه الرؤية تواجه تحديات بنيوية تتعلق بالوضع الاقتصادي المتأزم؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه النخبة المؤيدة لتمديد الحكم عشر سنوات ضماناً للاستقرار، تقر بأن التضخم الذي تجاوز 20% يلتهم زيادات الحد الأدنى للأجور. هذا ما  يعكس التناقض في انتقادات برلمانية لتوقيتات رفع أسعار السلع والمحروقات، مما يثقل كاهل المواطن ويزيد التوتر الاجتماعي الذي تضبطه السلطة عبر الأدوات الأمنية وتقييد التعبير العام.

 

أيضا، يضطلع البرلمان الحالي بدور محوري في صياغة المستقبل الدستوري، إذ تمتد ولايته خمس سنوات تتقاطع مع نهاية الفترة الرئاسية عام 2030، وهذا ما يجعله الأداة التشريعية الوحيدة القادرة على تمرير تعديلات مد الحكم. وقد تراجع عدد المرشحين للمقاعد الفردية بأكثر من 46%، من 5432 مرشحاً عام 2020 إلى 2904 فقط في الدورة اللاحقة، رغم نمو الناخبين 10% إلى نحو 69.3 مليون، نتيجة هيمنة القائمة الموحدة لتحالف أحزاب الموالاة (مستقبل وطن، حماة الوطن، الجبهة الوطنية) التي تحسم نصف المقاعد بالتزكية أو تفاهمات مسبقة. وبالتوازي، أجرت الدولة في فبراير 2026 تعديلاً وزارياً شمل 12 حقيبة، تضمن دمج وزارتي الخارجية والتعاون الدولي، وتعيين نائبين للوزير، وإعادة تسمية منصب وزير الإعلام وتعيين ضياء رشوان لتوحيد الخطاب الإعلامي.

 

التحول نحو الكيانات السيادية وإدارة الأصول

وفي إطار تعظيم العائد الاقتصادي، طرأ تحول هيكلي من إدارة الوزارات التقليدية إلى تمكين كيانات سيادية مرتبطة بالرئاسة، أبرزها "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة". فبعد أن تأسس عام 2017 لاستصلاح 2.2 مليون فدان بالدلتا الجديدة بتكلفة 8 مليارات جنيه، تحول بقانون يوليو 2026 إلى هيئة سيادية واسعة الصلاحيات تضم الأراضي والشركات الحكومية، وتؤسس مناطق تنموية بإعفاءات ضريبية وجمركية، وصندوق "داعم" وحصانة قانونية شاملة لعقوده. وشهدت الجلسات البرلمانية نقاشات حادة، إذ انتقد النائب ضياء داوود غياب الحكومة، فيما عُدلت المادة العاشرة بمقترح النائب علاء الدين فؤاد وموافقة رئيس الجهاز اللواء بهاء الغنام لضبط الشؤون القانونية والمناطق الحرة.

 

من هنا، تتضح أبعاد التحول بالمقارنة بين مشروع 2017، الذي كان يتبع وزارة الزراعة بالتنسيق مع القوات الجوية ويخضع للرقابة المعتادة، والجهاز السيادي الحالي التابع مباشرة لرئيس الجمهورية بذمة مالية مستقلة. فهذا يركز القرار الاقتصادي في يد الرئاسة بعيداً عن البيروقراطية، ويحول الجهاز لذراع استثمارية تتجاوز الزراعة إلى العقار والصناعة، بحصانة واسعة وتقليص للرقابة التشريعية والقضائية، ما يسرّع الاستثمار لكنه يثير مخاوف بشأن الشفافية وتكافؤ الفرص.

كما تثير هذه الهيكلية مخاوف لدى مجتمع الأعمال بشأن المنافسة العادلة؛ فعسكرة إدارة الأصول تؤدي لاستحواذ كيانات مرتبطة بالسلطة والجيش على أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع بروز رجال أعمال مقربين كإبراهيم العرجاني المهيمن على قطاعات الأرز والأغذية والمصايد والعقارات، ما يدفع مستثمرين للهروب نحو الخليج هرباً من الاحتكار وغياب استقلال القضاء. وفي مواجهة هذه التحديات، يسعى النظام لتحقيق توازن بين الإصلاحات الدولية والاستقرار الداخلي، معتمداً على برنامج وطني بعد انتهاء برنامج صندوق النقد في 2026. ورغم ارتفاع الاحتياطيات إلى 33.4 مليار دولار عام 2022، يتوقع الصندوق تجاوز الديون الخارجية 200 مليار دولار بحلول 2030، وسط ضعف الادخار المحلي وأزمة الطاقة وتراكم مديونيات كيانات خاصة مثل مجموعة "القلعة". لذا، ترتكز استراتيجية 2030 على التحول الرقمي، والتوسع في كليات الذكاء الاصطناعي، ورفع الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار، وإطلاق مبادرة "شمس الصناعة" لتركيب طاقة شمسية على 7000 مصنع.

 

الدبلوماسية الإقليمية والمسارات المستقبلية للاستقرار

تمثل السياسة الخارجية والتموضع الجيوسياسي للدولة المصرية ركيزة أساسية تعتمد عليها القيادة السياسية لتثبيت ركائز حكمها والحصول على القبول والشرعية من المجتمع الدولي. وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة، تحرص الدبلوماسية المصرية على تقديم الدولة كعامل استقرار محوري لا يمكن الاستغناء عنه لصون الأمن الإقليمي والدولي وتجنيب المنطقة خطر الانهيار الشامل. وتتجلى هذه الفلسفة الجيوسياسية في ثلاثة محاور استراتيجية، أولاً، القضية الفلسطينية والوساطة في غزة التي تحتل صدارة أولويات التحرك الدبلوماسي، وقد تجسد الدور المصري الإيجابي في رعاية مفاوضات وقف إطلاق النار، واستضافة مؤتمر شرم الشيخ في أكتوبر 2025، والتنسيق المستمر مع الشركاء لتنفيذ اتفاقات التهدئة ودعم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود يونيو 1967. (حتى وإن لم يكن هناك نتائج حقيقية لهذه المساعي)

 

ثانياً، احتواء الأزمات الإقليمية ومكافحة الإرهاب، حيث تقدم مصر نفسها كشريك أمني موثوق في مواجهة تمدد المليشيات والجماعات المسلحة، ويمتد هذا الدور للتنسيق مع لجان الكونغرس الأمريكي لتعزيز تفاهمات السلام الإقليمي، وإجراء زيارات أخوية لدول الخليج، مثل مملكة البحرين، لتأكيد التضامن العربي وخفض التصعيد. ثالثاً، الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، حيث يوظف النظام المصري موقعه الجغرافي كحارس لبوابة المتوسط الجنوبية لمكافحة الهجرة غير الشرعية وتأمين تدفقات الطاقة، وهو دور يسهم في تيسير تدفق الدعم المالي والسياسي الأوروبي لمصر، وتخفيف الضغوط الدولية المتعلقة بملفات حقوق الإنسان والحريات العامة. إن نجاح الإدارة المصرية في تحويل أزمات الإقليم إلى فرص للدبلوماسية يدعم بشكل مباشر مبررات بقاء القيادة الحالية في سدة الحكم لما بعد عام 2030، حيث يتم تصدير فكرة أن أي تغيير في بنية السلطة قد يؤدي إلى إضعاف هذا الدور المحوري وتأثر التوازنات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

 

تتلخص مسارات المشهد المصري لما بعد عام 2030 في اتجاهين رئيسيين؛ الأول هو مسار المأسسة الدستورية والاستمرارية المقوننة الذي يرتكز على نجاح البرلمان في تمرير تعديلات لمد فترة الرئاسة أو إلغاء قيود الفترات تحت ذريعة الظروف الإقليمية واستكمال التنمية لضمان استمرار السلطة مع الحفاظ على القبول الدولي. والثاني هو مسار الهيمنة السيادية وإعادة هيكلة الإنتاج، والذي يتوقع تقليص دور الوزارات التقليدية والقطاع الخاص لصالح تعاظم نفوذ الكيانات السيادية المرتبطة بالرئاسة والقوات المسلحة لإدارة الأصول وفق نموذج صارم يضمن سرعة إنجاز المشاريع لكنه يهدد بانكماش القطاع الخاص وهروب رؤوس الأموال.

أما مسار التكيف مع الضغوط المالية والتعافي المستدام فيفترض نجاح الدولة في التخارج الآمن من برامج صندوق النقد بنهاية عام 2026 والاعتماد على برنامج إصلاح محلي خالص. ويتطلب هذا السيناريو موازنة دقيقة بين ترشيد الإنفاق وحماية الطبقات الضعيفة من التضخم، إلى جانب تقديم تنازلات هيكلية تشمل الشفافية، ومكافحة الفساد، وتوفير ضمانات قضائية للملكية الخاصة وتسهيل التراخيص لجذب الاستثمار الأجنبي المستدام.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث