يتذكر كل من وَطِئت قدمه أروقة كليات العلوم السياسية أن أول توصيه من الزملاء الأقدم هي قراءة الكتاب المرجعي الشهير لعالم الاجتماع والسياسة الفرنسي موريس دوفرجه بـِ الأحزاب السياسية. كون الأحزاب هي العصب الأساسي للحياة السياسية، وفيها تتشكل الأطر الفكرية الأولى لبناء الدولة والمجتمع. كان هذا التكليف الأول شيقاً وممتعاً ولم تكن تلك القراءة مجرد واجب أكاديمي ينتهي بانتهاء الامتحان، بل كانت صدمة معرفية إيجابية كشفت عمق الرابط العضوي غير القابل للتجزئة بين قيام الدولة الحديثة ونشوء الأحزاب السياسية.
لقد نجح دوفرجيه في كتابه في تفكيك الصورة النمطية السطحية التي تختزل الحزب السياسي في مجرد (دكان) يتنافس على مقاعد السلطة ومواقع النفوذ، ليعيد تقديمه بوصفه بنية سياسية واجتماعية أساسية، ومحركًا هيكليًا أسهم في انتقال المجتمعات البشرية من فضاء الفردية والروابط الوراثية ومفهوم الرعية فاقدة الإرادة، إلى رحاب المواطنة والمؤسسات والمشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العام.
ويخلص القارئ إلى نتيجة جوهرية مفادها أن المجتمعات الحديثة، كلما اتسعت رقعتها وتعقّدت مصالحها وتشابكت تناقضاتها، ازدادت حاجتها إلى الأحزاب السياسية بوصفها وسيطًا لا غنى عنه لتنظيم التنافس الاجتماعي والسياسي، وإدارة الاختلافات بعيدًا عن منطق الصراع العنيف. فالحزب، في هذا السياق، لا يلغي الخلاف، بل يؤطره ويمنحه قنوات سلمية للتعبير، محولًا التباينات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية من صدامات مفتوحة إلى مناظرات سياسية ناضجة، تجري تحت قبة البرلمان وعبر صناديق الاقتراع.
وإذا أردنا إسقاط هذه الفكرة على المشهد السوري الراهن، فإننا نجد مثالًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة السياسية القريبة، تمثل في المداولات التي سبقت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة. فقد فوجئنا بخطاب صدر عن بعض الشخصيات التي لا نشك في خلفيتها الثورية أو في صدق انتمائها الوطني، لكنه انزلق، في لحظة ما، إلى خطاب مناطقي ضيق، من قبيل القول إن حلب خسرت رئاسة البرلمان، بينما حصلت دمشق على أربعة مواقع، في منطق ربما يصلح لوصف مباراة كرة سلة بين الوحدة والاتحاد وليس لمنافسه على رئاسة برلمان.
إن مثل هذا الخطاب، في جوهره، ما كان ليجد طريقه إلى التداول لو كان التنافس السياسي يجري ضمن إطار حزبي حقيقي، قائم على برامج ورؤى سياسية واضحة. ففي النظام الحزبي، لا تكون هوية المرشح أو موقعه الجغرافي هي المحدد الأساسي للتنافس، بل ينصرف النقاش إلى البرنامج الذي يمثله، والقضايا التي يدافع عنها، والقدرة على إقناع الناخبين بجدوى مشروعه السياسي. أما حين تغيب الأحزاب المؤسسية، فإن الفراغ الذي تتركه سرعان ما تملؤه الانتماءات الأولية، من مناطقية وطائفية وعشائرية وغيرها، فتتحول المنافسة السياسية من صراع بين مشاريع وبرامج إلى صراع على تمثيل المناطق والهويات الفرعية.
ومن هنا، تبدو أهمية الحزب السياسي أكبر بكثير من مجرد كونه أداة للوصول إلى السلطة؛ فهو في جوهره، إطار لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، ووسيلة لنقل التنافس من ساحات الهويات الضيقة إلى فضاء السياسة والمؤسسات. ولذلك، فإن بناء حياة حزبية حقيقية في سوريا لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه ترفًا سياسيًا أو استيرادًا لنموذج جاهز، بل باعتباره أحد الشروط الضرورية للانتقال من منطق المحاصصة المناطقية والاجتماعية إلى منطق المواطنة والتنافس السياسي القائم على البرامج والرؤى.
بين إدارة الدولة والحياة السياسية.. تفكيك اللبس
اليوم، ونحن نتابع النقاشات المحمومة المحتدمة في الفضاء السوري حول طبيعة المرحلة القادمة ومفهوم الحياة السياسية المنشودة، نجد أنفسنا أمام لبس مفهومي بحاجة ماسة إلى التفكيك والمصارحة. يعتقد البعض، عن حسن نية أو عن قراءة مبتسرة لواقع الدول وتاريخها، أن الحياة السياسية تكمن فقط في الإدارة الخدمية والعمل المؤسساتي التنفيذي؛ كتقديم الكهرباء والماء، وشق الطرقات، وإدارة المرفق العام عبر حكومات تكنوقراطية صماء، معتبرين أن العمل الحزبي والتعددية السياسية مجرد تفصيل ثانوي أو ربما خيار مؤجل لا يمس جوهر الدولة وقدرتها على البقاء.
لكنّ هذا الاختزال يغفل حقيقة بنيوية كبرى: الإدارة الحكومية بلا أحزاب هي جسد بلا روح، وبيروقراطية صماء تفتقر إلى العقل الموجّه والشرعية المتجددة. إن الدولة لا تعيش بالخدمات وحدها، بل بالشرعية، والوعي، والرؤية الوطنية الشاملة التي تنبض بها أوردة مجتمعها. لذلك يتوجب علينا التمييز الحاسم بين مفهومين يُخلط بينهما كثيراً في السجالات العفوية:
1. إدارة الدولة
هي البنية التقنية والإدارية واللوجستية التي تهدف إلى تسيير المرافق العامة وتقديم الخدمات وتطبيق القوانين وحفظ الأمن، وهي عملية نمطية تحكمها البيروقراطية وقواعد الكفاءة الإدارية والتقنية.
2. الحياة السياسية
هي المجال الحيوي والفضاء الحر الذي يحدد كيف تُدار تلك المؤسسات، ومن يملك الحق والشرعية الإدارية والأخلاقية في توجيهها، وما هي الرؤى والأولويات الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي أن تُترجم إلى سياسات عامة تمس حياة الناس اليومية ومستقبل أبنائهم.
إن اختزال السياسة في جانبها الإداري والخدمي يحوّل المواطنين إلى مجرد مستهلكين للخدمة ينتظرون ما تجود به السلطة الحاكمة، وتتحول الدولة في هذه الحالة إلى ما يشبه شركة خدمات كبرى يملكها القائمون عليها، بدلاً من أن تكون كياناً وطنياً يملكه المجتمع بكافة أطيافه وشرايينه. مؤسسات الدولة، مهما بلغت كفاءتها البيروقراطية وتطورها التقني، لا يمكنها أن تولد الرؤى الوطنية أو تنشئ الشرعية السياسية من تلقاء نفسها؛ فالبرلمان الذي يخلو من الكتل الحزبية القائمة على البرامج والأفكار يتفكك سريعاً ليصبح مجلساً لتمثيل المصالح الفردية والعائلية والعشائرية والجهوية الضيقة. والحكومة التي لا تخضع لرقابة حزبية تنافسية ولنقد برامجي حصيف تهادن نفسها سريعاً وتتغطرس، ثم تسقط في حمأة الفساد والترهل والاستبداد البيروقراطي المغلق الذي لا يرى من الشارع إلا مجرد مقهى للثرثرة ومصدر للجباية.
الدور الهيكلي للأحزاب في بناء المجتمعات الحديثة
من هنا تأتي الأحزاب السياسية لتشكل صمام الأمان والترياق لمعالجة هذه الاختلالات العميقة. فالمجتمع الحديث، بطبيعته المعقدة والتعددية، يتكون من شرائح وطبقات وفئات مهنية وفكرية متباينة الأهداف والمصالح. ويمكن تلخيص الأبعاد الوظيفية للأحزاب في بناء المجتمع على النحو التالي:
أولاً: تجميع المصالح وتأطيرها
لو ترك كل فرد أو فئة ليعبر عن مطالبه بطريقة عفوية وفردية، لغرقت الدولة في فوضى عارمة من المطالبات المتضاربة التي يستحيل الاستجابة لها أو مفاضلتها. تقوم الأحزاب باستقبال هذه الشكاوى والمطالب الفرعية والمبعثرة في المجتمع، ثم تقوم بصهرها ومعالجتها وصياغتها في شكل برنامج سياسي واقتصادي متكامل يطرح رؤية شاملة للوطن ككل. تحول الأحزاب الشكوى الفردية العفوية إلى مشروع قانون، والمطلب الفئوي الضيق إلى سياسة عامة قابلة للتطبيق والمحاسبة.
ثانياً: حماية المجتمع من الهويات الضيقة
تلعب الأحزاب السياسية دوراً حاسماً في حماية المجتمعات من التشرذم والارتداد إلى الهويات الصغرى والقاتلة. فعندما يغيب العمل الحزبي البرامجي الوطني وتُمحى الحياة السياسية، لا يتوقف الأفراد عن التجمع والبحث عن الأمان الجماعي، بل يرتدون تلقائياً إلى التكتلات الأكثر بدائية وأولية: العشيرة، الطائفة، المنطقة، أو العرق. إن الأحزاب السياسية الحديثة هي الجسر والممر الإجباري الذي ينقل الإنسان من ضيق الولاء للنسب أو الطائفة أو المذهب، إلى اتساع الولاء للفكرة الوطنية والمشروع العام الممتد على مساحة الوطن بأكمله. إن الحزب، بالتعريف، هو فضاء مدني يعبر الحدود الجغرافية والإثنية ليمعن التكتل والالتقاء على أساس الفكرة والبرنامج والحلول العملية، لا على أساس المولد والنسب والدم.
ثالثاً: صناعة القيادات وتأهيل كوادر الدولة
تظل الأحزاب الحاضنة الأساسية والمدرسة الأولى لتأهيل القيادات السياسية وكوادر الدولة. فالدولة بحاجة دائمة ومستمرة إلى رجال دولة وقادة يمتلكون الرؤية والقدرة على إدارة الوزارات وصياغة القوانين ورسم السياسات الخارجية والاقتصادية. والأحزاب تعمل كمختبر طبيعي وميدان حقيقي لتأهيل هذه القيادات، حيث يتدرج الفرد داخل الحزب، فيتعلم أصول المناظرة الفكرية، وإعداد الميزانيات، وفهم التشريعات، والتواصل الفعال مع الجمهور، وفنون التفاوض وبناء التحالفات. يتشكل لدى السياسي عبر الممارسة الحزبية حس بالمسؤولية العامة وفهم دقيق لآليات الحكم والتوازنات قبل أن يصل إلى سدة السلطة، مما يضمن للدولة ألا يتولى مقاليد أمورها هواة أو طارئون يفتقرون للخبرة والمعرفة، فيمارسون التجربة والخطأ على حساب مقدرات الشعب ومستقبله.
الذاكرة الوطنية السورية.. التعددية الحزبية وحق تصويت المرأة
ولأن الشواهد التاريخية هي خير من يصدق الطرح النظري ويثبت صحته، فإننا عندما ننظر إلى تاريخنا السوري الحديث، نجد أن التمسك بالتعددية الحزبية ليس استيراداً لنماذج غربية ولا ترفاً فكرياً طارئاً على ثقافتنا، بل هو استعادة حقيقية لأصل تاريخي أصيل ناصع تشهد عليه وثائق الدولة السورية وأرشيفها الشامخ. منذ المؤتمر السوري الأول 1920 مرورا بعودة الحياة الدستورية بعد اضراب 1930 الى المرحلة التي ما زال السوريون يتغنون بها ويحنون إليها كعصر ذهبي للاستقلال والازدهار والكرامة الوطنية والحريات العامة في منتصف القرن العشرين، لم تكن سوى فترة ازدهار العمل الديمقراطي الحزبي وحيوية الفضاء العام وحرية الصحافة والتأطير المدني.
في تلك الحقبة الذهبية من تاريخ سوريا، تجسدت الحياة السياسية في أبهى صورها عبر تنافس شريف ومثمر بين أحزاب وقوىً وطنية عريقة كـَ "حزب الشعب" و"الكتلة الوطنية"، إلى جانب بروز أحزاب وقوى فكرية جديدة كالبعث... ضخت دماء حارة في أوردة الشارع السوري. كانت تلك الأحزاب تتصارع بضراوة، ولكن بمسؤولية وطنية عالية تحت قبة البرلمان وفي صفحات الصحف السياسية، حول بناء الاقتصاد الوطني، وإصلاح التعليم، وتطوير الجيش، ودعم قضايا الأمة، وكان التنافس حامياً على قدم وساق، والرهان المرفوع دائماً هو خير المواطن ورفعة الوطن وتكريس دولة القانون.
ولم تكن تلك التعددية الحزبية مجرد خطابات تنظيرية معزولة عن قضايا الناس، بل أثمرت تحولات مجتمعية وحقوقية فارقة سبقت بها سوريا الكثير من دول المنطقة، بل وحتى بعض الدول الأوروبية العريقة. ولعل أبرز وأبهى تلك الإنجازات الوطنية هو نيل المرأة السورية لحق التصويت والانتخاب في دستور عام 1950.
إن هذا المنجز الحضاري العظيم لم يكن ليتأتى قط بمجرد قرار إداري أو منّة من حاكم مستبد أو مكرمة سلطوية، بل كان ثمرة مباشرة للنضال الاجتماعي والتدافع الحزبي البرلماني الذي شهدته البلاد. لقد خاضت الأحزاب والقوى الوطنية والتنويرية، بالتحالف مع الحركات النسوية والمدنية داخل البرلمان وفي الفضاء العام، معارك فكرية وسياسية مستميتة لتشريع حق المرأة، وتأكيد مشاركتها في صناعة القرار السياسي، وتكريس مفهوم المواطنة الكاملة الشاملة دون تمييز جنسي أو طبقي أو ديني.
لقد أثبتت تلك التجربة التاريخية الغنية أن الشعب السوري يمتلك قدرة عالية وأصيلة على إدارة الاختلاف والتعددية السياسية بأسلوب حضاري يخدم بناء الدولة ومؤسساتها. ولم يتوقف هذا المسار النهضوي الواعد ولم تكسر إرادة التطور الطبيعي للمجتمع إلا مع مجيء حقبة الديكتاتورية وتجريف الحياة السياسية عام 1966 وما تلاها من هيمنة شمولية، حيث جرى تأميم الفضاء العام، وقمع الحريات السياسية والنقابية، وإغلاق التعددية، وتجميد العمل الحزبي الحقيقي لصالح هيمنة الحزب الواحد واختزال الدولة في السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية. إن هذا التجريف القسري أدخل البلاد في حالة من الجفاف السياسي والاغتراب الوطني، وأفرغ المؤسسات الإدارية والنيابية من مضمونها الفعلي، مما أسهم مع مرور العقود في تراجع الوعي السياسي العميق وتفكيك البنية الوطنية المتماسكة.
الأحزاب السياسية كمصنع رئيسي للوعي ومواجهة السلبية
هنا يبرز الملمح الأهم والأكثر خطورة في أهمية الأحزاب، والمتمثل في قدرتها الفريدة والجوهرية على بناء وصياغة "الوعي السياسي" لدى جموع المواطنين. إن الوعي السياسي لا ينشأ من النصوص الدستورية الصماء، ولا يتكون تلقائياً بمجرد الحصول على شهادة جامعية، بل يتشكل بالممارسة اليومية، والتدافع السلمي، والتفاعل الحي في الساحة السياسية المفتوحة.
تظهر أهمية الأحزاب في تشكيل الوعي من خلال آليات ثلاث:
1. الانتقال من السطحية إلى التفكير النقدي
في غياب الأحزاب البرامجية، يتحول الفكر السياسي للشارع إلى فكر انفعالي سطحي، محكوم بالشائعات، والمشاعر العاطفية اللحظية، والشعارات التعبوية الرنانة، والاستقطابات الطائفية أو المناطقية الحادة التي يسهل استغلالها وتوجيهها من قبل المغامرين والشعبويين. أما في وجود الأحزاب القائمة على رؤى اقتصادية وسياسية واضحة، فإن الشارع يتعلم تدريجياً قواعد التفكير النقدي والتحليلي. فعندما تطرح الحكومة خطة اقتصادية أو تشريعاً مالياً جديداً، يبرز حزب المعارضة ليتناول الخطة بالتحليل العلمي، ويكشف نقاط ضعفها، ويقدم البدائل البرامجية بالأرقام والدلائل والحلول الممكنة. هذا السجال العلني المنظم تحت قبة البرلمان وفي وسائل الإعلام هو المدرسة الوطنية الكبرى التي يتعلم فيها المواطن كيف يزن الأمور بميزان العقل والمصلحة، وكيف يفاضل بين خيار وآخر بناءً على الحلول والنتائج، وليس بناءً على الولاء العاطفي أو الانتماء المذهبي.
2.عقلنة المطالب الشعبية وتأطيرها
تلعب الأحزاب الحقيقية دوراً حيوياً في تحويل السخط الشعبي والمظالم الاجتماعية إلى عمل سياسي إيجابي ومنظم يخدم الاستقرار العام ولا يهدده. فعندما يعاني المواطنون من غلاء الأسعار، أو تدهور الخدمات، أو الفساد الإداري في ظل غياب قنوات حزبية مؤطره تعبر عنهم، فإن هذا الغضب يترجم إما إلى سلبية مطلقة واغتراب تام عن الدولة ومؤسساتها، أو إلى انفجارات عشوائية وفوضى عارمة قد تعصف بأمن المجتمع ومؤسساته. أما في البيئة الحزبية السليمة، فإن الحزب يمتص هذا الغضب الشعبي، ويؤطره في شكل حملات مدنية، أو مظاهرات سلمية كفلها القانون، أو عريضة توقيعات، أو مشاريع قوانين تقدم للبرلمان لمعالجة المشكلة، مما يعيد الثقة للمواطن بقدرته على التغيير والتأثير عبر الأدوات السلمية والمؤسسية، ويحميه من الانزلاق نحو العنف أو اليأس.
3. ترسيخ ثقافة المواطنة والشراكة
تحول الأحزاب الفرد من "رعية" تنتظر المكارم والمساعدات الإدارية، إلى "مواطن شريك" يمتلك حقوقاً دستورية واضحة، ويمارس حقه في النقد والمحاسبة عبر صناديق الاقتراع والقنوات الرسمية المكفولة.
التكافل العضوي بين مؤسسات الدولة والتعددية الحزبية
بالعودة إلى الأطروحة التاريخية التي صاغها موريس دوفرجه والتي افتتحنا بها هذه القراءة، نصل إلى حقيقة ناصعة مفادها أن الأحزاب والمؤسسات الرسمية للدولة ليسا طرفين متنافسين أو بديلين يختار المرء بينهما، بل هما وجهان متكاملان لعملة واحدة لا تقوم بدونها الدولة الحديثة العصرية.
إن الإدارة الحكومية والمؤسسات الخدماتية تشكل السكك والهيكل الخرساني الصلب لبناء الدولة، في حين تشكل الأحزاب والتعددية والتنافس البرامجي المحرك، والوقود، والدماء الحية التي تجري في شرايين ذلك الهيكل لتبث فيه الحياة والشرعية والقبول الشعبي.
إن المطالبة بتأسيس الأحزاب في سوريا المستقبل، وترخيصها وفق أطر وطنية ودستورية صارمة تحمي سيادة البلاد وتمنع الارتهان للخارج أو التأسيس على قواعد طائفية أو إثنية، ليست مجرد ترف فكري أو مطالبة بشكليات ديمقراطية مستوردة، بل هي الضرورة الوطنية الأولى والأهم لإعادة بناء الوطن. إنها المدخل الوحيد لبناء مجتمع سوري محصن بالوعي، قادر على الانتقال النهائي والسلس من ثقافة الاستبداد والارتهان للسلطة الفردية إلى ثقافة المواطنة الفاعلة، والشراكة الحقيقية، والمسؤولية الجماعية. إن الدولة القوية الراسخة لا تُبنى فقط بالإسمنت والخدمات والبيروقراطية الإدارية، بل تُبنى بالإنسان الواعي، وبالمؤسسات السياسية الناضجة، وبحياة سياسية حية تتنفس الحرية، وتعكس تنوع المجتمع، وتصنع المستقبل المشرق بيد أبنائها جميعاً.




