لم تنجح إيران في إغلاق مضيق هرمز بالكامل، لكنها دفعت حركة الناقلات فيه إلى مستويات متدنية، قبل أن يمتد الضغط إلى البحر الأحمر عبر الحوثيين، لتجد السعودية مساريها الرئيسيين لتصدير النفط مهددين في وقت واحد. وبينما لجأت الرياض إلى خط الأنابيب الشرقي–الغربي وميناء ينبع لتجاوز اضطراب هرمز، جعلت هجمات الحوثيين وتهديداتهم في باب المندب هذا البديل أكثر خطورة وكلفة.
ويعكس ذلك تحولاً في طبيعة الصراع الإقليمي، إذ لم تعد المواجهة تتركز على استهداف حقول النفط ومنشآت الإنتاج، بل انتقلت إلى طرق وصول الطاقة إلى الأسواق. وأصبحت المضائق البحرية، من هرمز إلى باب المندب، أدوات ضغط سياسي وعسكري قادرة على إرباك التجارة ورفع تكاليف النقل والتأمين دون الحاجة إلى تعطيل الإنتاج.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن صادرات السعودية باتت تعتمد بصورة متزايدة على "مخرج ضيق أخير"، بعدما حوّلت المملكة جزءاً كبيراً من صادراتها من الخليج إلى البحر الأحمر لتجاوز هرمز، قبل أن يهدد الحوثيون هذا المسار أيضاً. وبذلك قد تضطر الشحنات إلى سلوك طريق أطول عبر قناة السويس والبحر المتوسط ثم الدوران حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى آسيا.
ولم يُنشأ خط الشرق–الغرب لأغراض تجارية فقط، بل جاء امتداداً لدروس "حرب الناقلات" خلال الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أدركت الرياض أن الاعتماد الكامل على هرمز يجعل صادراتها رهينة لأي تصعيد عسكري. لكن الأزمة الحالية أظهرت أن تجاوز مضيق واحد لا يكفي إذا انتقل التهديد إلى الممر البديل.
المضائق تتحول إلى سلاح إقليمي
وتكمن خطورة تهديد الممرات البحرية في أن أثره يبدأ قبل توقف الملاحة فعلياً، إذ يؤدي ارتفاع المخاطر إلى تغيير مسارات السفن، ورفع أقساط التأمين وأجور الشحن، وتأخير وصول الإمدادات. ووفق بيانات كبلر، انخفض عدد سفن السلع العابرة لهرمز في 21 تموز/يوليو إلى ثلاث سفن فقط، من دون تسجيل أي ناقلة نفط عملاقة أو ناقلة غاز طبيعي مسال.
وفي البحر الأحمر، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السعودية وهددوا السفن المرتبطة بموانئها، قبل أن تعكس ناقلتان تحملان الخام السعودي إلى آسيا مسارهما أثناء توجههما إلى باب المندب، وفق رويترز استناداً إلى بيانات الملاحة.
ويصف مجلس العلاقات الخارجية الأميركي البحر الأحمر بأنه جبهة جديدة في الحرب الأميركية–الإيرانية ونقطة ضغط موازية لهرمز. وقالت خبيرة الطاقة والمناخ في المجلس كلارا غيليسبي إن الأزمة لا تتعلق بحجم النفط العابر لباب المندب فقط، بل بفقدان ضمان المرور الآمن، بما يقلص خيارات تجارة النفط والغاز بين الشرق الأوسط والأسواق العالمية ويزيد هشاشة سوق الطاقة.
وقال الباحث في المجلس ستيفن كوك إن حماية حرية الملاحة ارتبطت تاريخياً بالمصلحة الأميركية في ضمان تدفق نفط وغاز الشرق الأوسط، معتبراً أن إغلاق هرمز واحتمال إغلاق باب المندب يمثلان "اختباراً لكليهما". كما نقل المجلس عن مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي قوله إن ما سماها "جبهة المقاومة" تنظر إلى باب المندب كما تنظر إلى هرمز، ملوحاً بإمكان تعطيل تدفق الطاقة والتجارة العالمية، في إشارة إلى تعامل طهران مع المضيقين ضمن معادلة ردع واحدة.
السعودية تعيد رسم خريطة صادراتها
ودفعت اضطرابات هرمز السعودية إلى تحويل معظم صادراتها عبر خط الشرق–الغرب وميناء ينبع، لكن الخام المتجه إلى آسيا يبقى مضطراً لعبور باب المندب، ما جعل التهديد الحوثي يصيب البديل السعودي مباشرة.
وقال الباحث في المجلس ادوارد فيشمان إن السعودية تصدر ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً عبر شبكة الأنابيب الواصلة إلى البحر الأحمر، ما يجعل باب المندب محورياً لصادراتها، مضيفاً أن الحوثيين يستطيعون نظرياً حرمان المملكة من منفذها الرئيس إلى آسيا، وإن بقيت أمامها طرق بديلة أقل كفاءة.
وأظهرت بيانات الملاحة أن بعض الشحنات السعودية بدأت تتجه شمالاً عبر قناة السويس بدلاً من باب المندب، ما يفرض مساراً أطول يمر بالبحر المتوسط ومضيق جبل طارق ثم يلتف حول رأس الرجاء الصالح قبل العودة إلى المحيط الهندي.
ووفق بيانات كبلر ومجموعة بورصة لندن التي نقلتها وكالة "رويترز"، ترتفع مدة الرحلة من ينبع إلى تايوان من 19 يوماً عبر باب المندب إلى 48 يوماً عبر السويس والبحر المتوسط ورأس الرجاء الصالح، فيما ترتفع كلفة الوقود من 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار، إضافة إلى نحو مليون دولار رسوماً لعبور قناة السويس.
ولا تقتصر التحديات على الزمن والكلفة، فالناقلات العملاقة المحملة بالكامل لا تستطيع غالباً عبور قناة السويس، ما يفرض عليها الإبحار بحمولة جزئية أو تفريغ جزء من الشحنة في خط سوميد بين العين السخنة وسيدي كرير. ووفق إنرجي أسبكتس، لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لسوميد 2.5 مليون برميل يومياً، مقابل صادرات سعودية تقارب سبعة ملايين برميل يومياً. كما يؤدي طول الرحلات إلى تقليص عدد الرحلات السنوية لكل ناقلة، ما يخفض الطاقة الفعلية لأسطول الشحن العالمي حتى مع استمرار إنتاج النفط عند مستوياته المعتادة.
تعويض النفط السعودي
وتبقى آسيا الأكثر تأثراً بأي اضطراب في هرمز وباب المندب، بعدما أصبحت الوجهة الرئيسة للصادرات السعودية، بخلاف سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين كانت أوروبا والولايات المتحدة تستحوذان على الحصة الأكبر.
وتتمتع الصين والهند بمرونة نسبية بفضل تنوع مورديهما وإمكان زيادة الواردات من روسيا والبرازيل وأميركا اللاتينية وغرب أفريقيا، إلا أن ذلك لا يوفر بديلاً مطابقاً للخام السعودي، إذ تعتمد المصافي الآسيوية على خامات الشرق الأوسط المصممة لمعالجتها من حيث الكثافة ونسبة الكبريت ومزيج المنتجات.
في المقابل، تبدو اليابان وكوريا الجنوبية أكثر حساسية لاعتمادهما الكبير على الخام السعودي والإماراتي وعقود التوريد طويلة الأجل مع المنتجين الخليجيين. ويمكن لهما اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية أو السوق الفورية، لكن ذلك يبقى حلاً مؤقتاً لا يعوض اضطراباً طويلاً في الإمدادات.
قناة السويس تستعيد دورها
وأعادت الأزمة قناة السويس وخط سوميد إلى قلب معادلة أمن الطاقة، بعدما أصبحا المسار البديل أمام النفط السعودي الخارج من ينبع، إلا أن هذا الخيار لا يشكل بديلاً مكافئاً لباب المندب، بل طريقاً أطول وأكثر كلفة، تحده قيود الغاطس والطاقة الاستيعابية.
وقال فيشمان إن نقل النفط من موانئ السعودية على البحر الأحمر إلى آسيا عبر قناة السويس والبحر المتوسط ثم الالتفاف حول أفريقيا يمثل "رحلة أطول بكثير"، مؤكداً أن وصول النفط إلى الأسواق يبقى ممكناً، لكنه أقل سهولة وكفاءة من المرور المباشر عبر باب المندب.
وتكشف الأزمة أن النفوذ في أسواق الطاقة لم يعد يرتبط فقط بامتلاك النفط أو القدرة على إنتاجه، بل أيضاً بضمان وصوله إلى الأسواق. فالدول قد تواصل الإنتاج بمعدلات مرتفعة، لكنها تفقد جزءاً من قوتها الاقتصادية إذا تعطلت طرق التصدير أو ارتفعت كلفتها بصورة كبيرة.
وبالنسبة إلى السعودية، يشكل التهديد المتزامن لهرمز وباب المندب اختباراً لاستراتيجية استغرق بناؤها أربعة عقود بهدف توزيع مخاطر التصدير بين الخليج والبحر الأحمر. أما بالنسبة إلى إيران وحلفائها، فإن الضغط على المضائق يحقق مكاسب تتجاوز استهداف المنشآت النفطية، لأنه ينقل كلفة المواجهة إلى شركات الشحن والتأمين والدول المستوردة.




