واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، توسيع عملياتها العسكرية في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع تصعيد واسع في اعتداءات المستوطنين التي طالت المساجد والمنازل والممتلكات والأراضي الفلسطينية، وسط حملات دهم واعتقالات وإغلاق للطرق، في وقت حذرت فيه تقديرات أمنية إسرائيلية من احتمال انفجار الأوضاع في الضفة مع استمرار تصاعد التوتر.
وشهدت محافظات جنين وطولكرم وقلقيلية وسلفيت ونابلس ورام الله وأريحا وطوباس وبيت لحم والخليل اقتحامات واسعة نفذتها قوات الاحتلال، رافقها إطلاق كثيف للرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز، ومداهمات للمنازل وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية، إلى جانب تنفيذ حملات اعتقال وتحقيق ميداني طالت عشرات الفلسطينيين.
اقتحامات واسعة واعتقالات متواصلة
وواصل جيش الاحتلال، لليوم الثالث على التوالي، اقتحام قرية تل جنوب غربي نابلس، حيث نفذ عمليات دهم واسعة للمنازل وسط حالة من الخوف بين السكان، ولا سيما الأطفال. وقال رئيس مجلس قروي تل، وليد زيدان، إن الأهالي لم يعودوا يشعرون بالأمان حتى داخل منازلهم، مؤكداً أن اقتحامات الجيش واعتداءات المستوطنين باتت تلاحق السكان في كل مكان.
وفي شمال نابلس، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب عز الدين دروزة، نجل الشهيد صلاح الدين دروزة، بعد مداهمة منزل عائلته في بلدة عصيرة الشمالية، كما قامت بقياس منزلين في قرية تل تمهيداً لهدمهما.
وأصدر الاحتلال أمرين عسكريين جديدين للاستيلاء على نحو 55 دونماً من أراضي محافظة جنين، شمل الأول نحو 33 دونماً من أراضي بلدتي جبع وعجة جنوب المحافظة، فيما استهدف الثاني نحو 22 دونماً من أراضي بلدة اليامون غرب جنين، في إطار سياسة توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
كما شنت قوات الاحتلال حملات اقتحام واعتقال في جنين ورام الله والخليل وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم والقدس، طالت عدداً من البلدات والقرى، بينها قباطية والسيلة الحارثية وكفردان واليامون ويعبد وبرقين .
وفي طولكرم، استولت قوات الاحتلال على بنايتين سكنيتين في ضاحية شويكة وحولتهما إلى ثكنتين عسكريتين بعد إخلاء سكانهما قسراً، كما اعتدت على فتى يبلغ من العمر 14 عاماً وأصابته بكسر في الأنف.
المستوطنون يحرقون مسجدين
وصعّد المستوطنون اعتداءاتهم في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية، حيث أحرقوا مسجد "الرحمة" في بلدة قصرة جنوب نابلس، بعد اقتحام البلدة وكتابة شعارات عنصرية ودعوات للانتقام على جدرانه، ما أدى إلى احتراق أجزاء منه.
وأضرم مستوطنون النار في مسجد قرية كور جنوب طولكرم، وخطوا شعارات عنصرية على جدرانه، في اعتداء جديد يأتي بعد ساعات من إحراق مسجد آخر في الضفة الغربية.
وفي بيت فوريك شرق نابلس، أحبط الأهالي محاولة لمستوطنين إحراق أحد المنازل بعد مهاجمة البلدة وكتابة شعارات عنصرية، فيما أقدم مستوطنون على إحراق مرافق ومنشآت في منطقة عين سامية شمال شرق رام الله، واعتدوا بالضرب على حراس الموقع، كما أحرقوا عدداً من المركبات في المنطقة وهاجموا قرية بيتللو.
وامتدت الاعتداءات إلى محافظة قلقيلية، حيث أجبر مستوطنون مركبة إسعاف فلسطينية على التراجع قرب مستوطنة "كارني شمرون"، كما أغلقوا طرقاً قرب مستوطنة "متسبيه يريحو" جنوب غرب أريحا.
وهاجم مستوطنون منزل فلسطيني مسن في قرية بيرين في الخليل، وهدموا جدرانه الداخلية ودمروا محتوياته بالكامل، بينما أغلق آخرون طريق النفق المؤدي إلى قرى شمال غرب القدس، ورشقوا المركبات الفلسطينية بالحجارة، كما استهدفوا مركبة قرب بلدة سلواد شرق رام الله.
واقتحم مستوطنون تجمع الكعابنة شرق الطيبة في رام الله، ونفذوا أعمال استفزاز قرب منازل الفلسطينيين، كما اقتحموا خربة الطويل جنوب شرق نابلس برفقة مواشيهم ورعوها في أراضي المواطنين، وهاجموا قرية النصارية شمال شرق نابلس بحماية قوات الاحتلال، فيما حول الجيش منزلاً في قرية جالود إلى ثكنة عسكرية.
أربع بؤر استيطانية جديدة قرب نابلس
وأقام مستوطنون خلال الساعات الأخيرة أربع بؤر استيطانية جديدة في محيط قرية تل جنوب غرب نابلس، قرب الموقع الذي استشهد فيه أربعة شبان فلسطينيين، وذلك بالتوازي مع مقتل جنديين إسرائيليين.
وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن البؤر أُقيمت قرب بلدة تل، وأخرى قرب عورتا، إضافة إلى بؤرتين قرب عصيرة القبلية ومنطقة جبل عيبال، موضحة أنها أُنشئت في المنطقتين "ب" و"ج" في الضفة الغربية.
وأشارت الإذاعة إلى أن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي آفي بلوت يمتلك صلاحية إخلاء البؤر المقامة في المنطقة "ب"، بينما يتطلب إخلاء البؤر في المنطقة "ج" موافقة المستوى السياسي، ممثلاً بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
وقال رئيس مجلس قروي تل، وليد زيدان، إن مستوطنين نصبوا خيمة في الموقع الذي شهد استشهاد أربعة من أبناء البلدة، معتبراً أنها تمثل مقدمة لإقامة بؤرة استيطانية جديدة.
كما عاود مستوطنون اقتحام بلدة تل مساء السبت، ونصبوا غرفة متنقلة وشرعوا في تجريف أراضٍ، فيما أطلقت قوات الاحتلال قنابل الغاز السام المسيل للدموع تجاه الفلسطينيين، ما أدى إلى إصابات بالاختناق.
توسيع العمليات العسكرية
وأفادت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية بأن الجيش تلقى أوامر بتوسيع نطاق عملياته الهجومية في الضفة الغربية، وأنه نشر 26 كتيبة عسكرية في أنحاء الضفة.
وفي المقابل، دعت لجنة التنسيق الفصائلي في محافظة نابلس الفلسطينيين إلى رفع مستوى الجاهزية والاستنفار، وتفعيل لجان الحراسة والطوارئ في القرى والبلدات، لمواجهة اعتداءات المستوطنين المتصاعدة.
وفي السياق نفسه، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أمنية تقديرها أن الأحداث الأخيرة قد تؤدي إلى انفجار واسع في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن التوسع الكبير في البؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية أدى إلى مواجهات يومية بين الفلسطينيين والمستوطنين خلال الأسابيع الأخيرة.
من جانبه، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش مواصلة بناء المزارع والبلدات الاستيطانية، مؤكداً المضي في بناء مئات الوحدات السكنية الجديدة في مستوطنة "عيلي" وتوسعتها إلى ثلاثة أضعاف.
أكثر من 80 معتقلاً
وأعلن نادي الأسير الفلسطيني أن قوات الاحتلال شنت منذ مساء الجمعة وحتى صباح السبت حملة اعتقالات وتحقيقات ميدانية واسعة طالت ما لا يقل عن 80 فلسطينياً، بينهم أسرى محررون، وتركزت بصورة أساسية في قرية تل عقب المجزرة التي شهدتها، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي والانتقام.
وأضاف النادي أن عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية منذ بداية العام الجاري تجاوز 3600 حالة، إلى جانب آلاف الفلسطينيين الذين تعرضوا للتحقيق الميداني.
تصاعد في اعتداءات المستوطنين
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، إذ أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن قوات الاحتلال والمستوطنين نفذوا خلال النصف الأول من عام 2026 ما مجموعه 11 ألف و74 اعتداءً، فيما وثق مركز معلومات فلسطين "معطى" 6 آلاف و856 اعتداءً نفذها المستوطنون خلال شهر يونيو/حزيران وحده.
ويعيش في الضفة الغربية نحو 750 ألف مستوطن موزعين على 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية، بينهم نحو 250 ألفاً في مستوطنات القدس الشرقية، وسط استمرار التوسع الاستيطاني والاعتداءات على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.




