ربما لا يصدق أي عالم إستراتيجي في العالم تحويل مضيق هرمز من ورقة رابحة إلى نقطة للخلاف والتشرذم في الداخل الإيراني بسبب التعويل المفرط عليه وتحميله ما لا يطيقه من الأحلام والاوهام.
مقاومة الجغرافيا ام جغرافيا المقاومة؟!
لم تكن القوات الوكيلة أو محور المقاومة أكبر ورقة رابحة أو منقذ لإيران في حرب الأربعين يوما بل كانت، إلى جانب المقاومة السياسية للجماهير الشعبية، والقوة الصاروخية، مقاومة الجغرافيا الإيرانية التي كان مضيق هرمز في طليعتها، وفي الخطوط الداخلية كانت الجبال الشاهقة والحصينة التي يتعذر اختراقها، والتي تحتضن مدن الصواريخ والطائرات المسيّرة. ورغم أن تلك المدن الصاروخية قد تُعطل بسبب القصف لأيام أو أسابيع، إلا أنها قابلة لإعادة البناء في فترة زمنية قصيرة جداً. أما مضيق هرمز، فكان الحصن الذي أجبر ترامب إيران على اكتشافه، ولو لم تشن حرب الأربعين يوماً، لما أدرك الإيرانيون أبداً أهميته الاستراتيجية. تمكنت إيران لمدة أربعين يوماً، مستفيدةً من ميزة الجبال والمدن الصاروخية المنغرسة في أحضان تلك الجبال، من إبقاء المضيق مغلقاً، وجنت ثمار ذلك في مذكرة إسلام آباد، لأنها حصلت على امتيازات لا تصدق من ترامب.
ولكن يبدو أن كل تلك الامتيازات لا ترضي المتشددين، فهم لا يزالون يطلبون المزيد حتى ينفد صبر المجتمع الدولي، وتخرج هذه الورقة الرابحة من يد إيران بسبب حرب عالمية، أو تفقد قيمتها بإنشاء طرق بديلة لنقل الطاقة.
استهلاك المضيق بدل الاستثمار
يبدو أن الجمهورية الإسلامية، بدلاً من أن تنظر إلى مضيق هرمز بنظرة استراتيجية كعنصر ردعي على المدى الطويل في المستويين الأمني والعسكري أو رأسمال اقتصادي يتطلب الاستثمار في مجال تقديم خدمات منوعة للسفن العابرة فإنها تستهلك مضيق هرمز. فبهذا النهج الذي تتبناه إيران، حيث تعتبر المضيق ملكاً حصرياً لها وتحتفظ لنفسها حق تحصيل رسوم من السفن العابرة، وتسعى لتأسيس نظام قانوني جديد، فإن المضيق سيفقد أهميته الاستراتيجية بالنسبة لإيران كما يقول مسؤول ياباني إن الدول العربية في المنطقة، بما فيها السعودية والإمارات، طلبت من بلاده المشاركة في إنشاء خطوط أنابيب بديلة لمضيق هرمز. ويقول رئيس جمعية النفط اليابانية إن مصافي بلاده، بالإضافة إلى تنويع مصادر توريد النفط، تدرس سبل دعم منتجي الشرق الأوسط، بما في ذلك مشاريع تطوير خطوط أنابيب تلتف حول مضيق هرمز.
وتعتزم الإمارات تسريع بناء خط أنابيب نفط جديد لها لمضاعفة طاقة التصدير عبر ميناء الفجيرة في بحر عُمان بحلول عام 2027. كما تدرس السعودية زيادة سعة خط أنابيب نقل النفط إلى سواحل البحر الأحمر الغربية.
كما يدرس العراق إنشاء خطوط أنابيب لتصدير النفط عبر تركيا وسوريا، ويضع إحياء الخط الحالي على جدول أعماله لتخفيف حاجته لمضيق هرمز.
تحويل السلاح إلى نقطة خلاف
إن إصرار الجناح المتشدد في إيران المفرط على السيطرة على كامل المضيق وتجاهل قانون الممرات المائية الدولية، لا يسبب خلافاً بين إيران وسلطنة عمان، شريكها في السيادة على المضيق فحسب، بل تسبب أيضاً في انقسام داخل إيران بين القوى السياسية. تحاول حكومة بزشكيان بإبقاء المضيق مفتوحاً واحترام حق السيادة لجارتها الجنوبية عُمان على مياهها الإقليمية، وإبقاء مذكرة إسلام آباد قيد الحياة للتخلص من الحصار البحري المفروض على إيران. لكن الجناح العسكري المتشدد يعتقد أن إيران يمكنها الحصول من المضيق على امتيازات أكثر مما حصلت عليه في مذكرة إسلام آباد.
ورغم أن وسائل الإعلام الإيرانية في الأجواء شبه الحربية الحالية تقلص من كشف الخلافات بين المسؤولين، إلا أن مناظرة جرت ليلة الخميس الماضي بين نائبين في مجلس الشورى، أحدهما عضو جبهة الصمود المتشددة والآخر اصلاحي وداعم لحكومة بزشكيان، حظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإيرانية. يرى حسين ثابتي المتشدد أنه يجب إبقاء المضيق مغلقاً واستخلاص أقصى الامتيازات منه، بينما يرى مهدي شهرياري أن هرمز ليس ارثاً أو ملكاً لإيران، ووفقاً للقانون الدولي للممرات المائية، لا يمكن إغلاق هذا المضيق في الظروف العادية، ورغم أن لإيران حق ممارسة السيادة على المضيق، إلا أنها ليست مالكة له كي تنظر إليه كحصالة أو محطة لتحصيل الرسوم.
إن نشر هذه المناظرة التي جرت في أجواء متوترة جداً، يجعل الأجواء السياسية الإيرانية أكثر استعداداً لتكشف وتبرز الخلافات حول كيفية استغلال مضيق هرمز بما لا يؤدي إلى استهلاكه او استنزافه.




