قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن صاروخ "خيبر شكن" الباليستي متوسط المدى بات يمثل أحد أخطر الأسلحة في الترسانة الإيرانية، بعدما طورت طهران أساليب استخدامه خلال الحرب، معتمدة على مزيج من مسارات الطيران المختلفة والمناورات وتغيير السرعات، إلى جانب دمجه مع هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الأخرى، في محاولة لإرباك الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية وزيادة فرص اختراقها.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم إن إيران تستخدم منذ تجدد القتال هذا الشهر صواريخ "خيبر شكن" في هجمات معقدة تستهدف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، إذ تطلق الصواريخ عبر مسارات طيران مختلفة، وتنفذ مناورات متباينة، وتغيّر سرعتها خلال مراحل الطيران بهدف تضليل أنظمة الرصد والدفاع الجوي.
وأضاف المسؤولون أن الولايات المتحدة وشركاءها تمكنوا من اعتراض معظم صواريخ "خيبر شكن" التي أطلقتها إيران منذ اندلاع الحرب، إلا أن عدداً منها نجح في اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافه.
تكتيكات هجومية جديدة لإرباك الدفاعات
وبحسب الصحيفة، لا تكتفي إيران بإطلاق صواريخ "خيبر شكن"، بل تشن هجمات مركبة عبر إطلاق طائرات مسيّرة هجومية عالية السرعة وصواريخ أقل تطوراً على المواقع نفسها التي تستهدفها صواريخ "خيبر شكن" الموجهة بالأقمار الصناعية، في محاولة لإغراق منظومات الدفاع الجوي بعدة تهديدات متزامنة وتشتيت قدرتها على التعامل معها.
وأوضحت الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن إيران كثفت منذ انهيار وقف إطلاق النار استهداف مناطق إقامة الجنود الأميركيين داخل القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، كما ركزت هجماتها على الرادارات التي تشكل أساس شبكات الدفاع الجوي في المنطقة، وهي استراتيجية تزيد المخاطر التي تواجه القوات الأميركية.
وقال القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، إن ما تكشفه هذه الهجمات هو أن إيران "تراقب وتتعلم وتبحث عن وسائل للوصول إلينا"، مضيفاً أن الجيش الإيراني يمتلك خبرة طويلة في برامج الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف الصاروخية، وهو ما يمنحه قاعدة واسعة من الخبرة في هذا المجال.
قدرة أكبر على المناورة
وأوضحت الصحيفة أن الصواريخ الباليستية عادةً ما تنطلق إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي أو إلى الفضاء قبل أن تعود للانقضاض على أهدافها، إلا أن جميعها لا يمتلك القدرة على المناورة خلال مساره.
ونقلت عن محللين عسكريين درسوا "خيبر شكن" قولهم إن هذا الصاروخ قادر على تغيير مساره بدرجة أكبر من بعض الصواريخ الباليستية الأخرى، في محاولة لجعل اكتشافه واعتراضه أكثر صعوبة.
وأضافت أن بعض نسخ الصاروخ مزودة برأس حربي منفصل ينفصل خلال المرحلة الأخيرة من الطيران، ويحتوي على محرك صغير يسمح له بتعديل اتجاهه أثناء اقترابه من الهدف بسرعة تصل إلى نحو 6000 ميل في الساعة، ما يزيد من صعوبة اعتراضه في اللحظات الأخيرة.
وذكرت "وول ستريت جورنال" أن "خيبر شكن" يتفوق على كثير من الصواريخ الإيرانية الأقدم التي تحتاج إلى وقت طويل للتزود بالوقود قبل الإطلاق، إذ يعمل بوقود صلب يسمح بإبقائه جاهزاً للإطلاق وتحميله بسرعة على شاحنات أو منصات متحركة، بما يساعد إيران على نقل منصات الإطلاق باستمرار لتفادي استهدافها من الطائرات الأميركية والإسرائيلية.
العمود الفقري للترسانة الإيرانية
ووصفت الصحيفة "خيبر شكن" بأنه "حصان العمل" في الترسانة الصاروخية الإيرانية، نظراً لانخفاض تكلفة إنتاجه، وسهولة نقله وإطلاقه، ودقته العالية. ووفقاً للبيانات التي أوردتها الصحيفة نقلاً عن موقعي "Iran Watch" و"GlobalSecurity.org" دخل الصاروخ الخدمة عام 2022، ويبلغ مداه نحو 900 ميل، ويعمل بوقود صلب أحادي المرحلة، ويحمل رأساً حربياً يتراوح وزنه بين 990 و1300 رطل وتبلغ سرعة اصطدامه نحو خمسة أضعاف سرعة الصوت.
وأشارت الصحيفة إلى أن التقديرات الأميركية والإسرائيلية كانت تشير قبل اندلاع الحرب إلى امتلاك إيران نحو 2500 صاروخ "خيبر شكن" وصواريخ باليستية أخرى متوسطة المدى.
وقال الخبير المستقل في شؤون الصواريخ فابيان هينتز إن إيران قد تتمكن من تجميع صواريخ جديدة اعتماداً على مكونات مخزنة داخل قواعد تحت الأرض، رغم أن منشآت تصنيع المحركات الخاصة بهذه الصواريخ تعرضت للتدمير خلال الحرب.
بدورها، قالت الباحثة المتخصصة في الاستراتيجية الإيرانية بمعهد "Sciences Po" في باريس، نيكول غرايفسكي، إن الإيرانيين توصلوا خلال الحرب إلى أن "خيبر شكن" يمثل خياراً مثالياً لأنه منخفض الكلفة، ومرن في وسائل الإطلاق، ويحقق فعالية قتالية كبيرة.
التعلم من الحرب
وأضافت الصحيفة أن إيران تبدو وقد حسنت أداء هجماتها الصاروخية من خلال دراسة نتائج عمليات الإطلاق السابقة وتحليل كيفية زيادة فرص اختراق منظومات الدفاع الجوي.
وقال هينتز إن كل استخدام قتالي يمنح إيران بيانات جديدة تساعدها على تطوير الصاروخ وتكتيكات استخدامه، مضيفاً أن طهران أصبحت تعرف بصورة أفضل أي المناورات تحقق أكبر فرصة لتجاوز الدفاعات الصاروخية.
وأشار إلى أن إيران كانت تؤكد منذ سنوات أن "خيبر شكن" قادر على المناورة في المرحلة النهائية من الطيران لتفادي الدفاعات الجوية، إلا أن الحرب الحالية وفرت لها فرصة عملية لاختبار هذه القدرات وتحسينها.
ولفتت الصحيفة إلى أن إيران استخدمت "خيبر شكن" أيضاً في هجمات ضد إسرائيل، التي أعلنت اعتراض معظم هذه الصواريخ. كما أعلنت طهران أنها استخدمت الصاروخ لاستهداف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومقر قائد سلاح الجو الإسرائيلي، وأعلنت الشهر الماضي تنفيذ هجوم آخر باستخدام صواريخ "خيبر شكن" بالتزامن مع طائرات مسيّرة نفاثة، إلا أن الصحيفة قالت إنه تعذر التحقق من نتائج تلك الهجمات. وأضافت أن اسم الصاروخ مستمد من معركة خيبر التي وقعت عام 628 ميلادية.
ميزة اقتصادية في حرب الاستنزاف
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن إيران لم تعلن تكلفة إنتاج صاروخ "خيبر شكن"، إلا أن محللين يرون أنه أقل تكلفة بكثير من الصواريخ الاعتراضية الأميركية والإسرائيلية المستخدمة لإسقاطه، والتي تتراوح تكلفة الواحد منها بين مليوني دولار و15 مليون دولار بحسب نوع منظومة الدفاع.
وخلصت الصحيفة إلى أن اعتماد إيران على صاروخ منخفض الكلفة وسريع الإنتاج، مع استمرارها في تطوير تكتيكات استخدامه واستخلاص الدروس من كل هجوم، يجعل "خيبر شكن" أحد أخطر الأسلحة في ترسانتها وأكثرها قدرة على تحدي أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية.




