بينما ينشغل العالم بتداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية، يُطرح في الأوساط السياسية الأميركية سؤالاً مختلفاً وهو: هل تجاوز الرئيس دونالد ترامب صلاحياته الدستورية عندما خاض الحرب دون تفويض مسبق من الكونغرس؟ وعلى الرغم من أن الحرب أعادت إلى الواجهة الجدل حول مساءلة الرئيس، فإن موازين القوى الحالية تجعل عزله مستحيلاً عملياً. أما المعركة الحقيقية فقد تبدأ بُعيد الانتخابات النصفية للكونغرس في شهر تشرين الثاني\نوفمبر المقبل، إذا نجح الديمقراطيون في استعادة مجلس النواب وتحويل ملف الحرب إلى أداة استنزاف للرئاسة حتى نهاية الولاية.
من الحرب إلى العزل
قبل بداية الضربات العسكرية لإيران، كان النائبان الجمهوري توماس ماسي والديموقراطي رو خانا يقودان مبادرة لإلزام الإدارة الأميركية بالعودة إلى الكونغرس قبل أي مواجهة مع إيران. وبعد اندلاع المواجهات، تحولت المبادرة إلى مطلب مفاده إخضاع العمليات العسكرية لتصويت الكونغرس، إلا أن المحاولة الأولى لم تنل ثقة الأكثرية.
ومع توسع العمليات العسكرية، ارتفع سقف المطالب داخل الحزب الديمقراطي، إذ دعا حوالي خمسة وثمانين نائباً إلى فتح مسار لعزل الرئيس أو تفعيل القسم الرابع من التعديل الخامس والعشرين للدستور، الذي ينظم نقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه في حال عجزه عن أداء مهامه. غير أن هذه الدعوات بقيت محصورة إلى حدّ كبير داخل الجناح التقدمي للحزب، في حين ركّز الديمقراطيون المعتدلون على استعادة دور الكونغرس في قرارات الحرب. ورغم ظهور انتقادات داخل الحزب الجمهوري، فإنها لم تصل إلى تشكيل كتلة مستعدة ضد رئيس ينتمي إلى حزبها. وهنا ظهرت المعضلة الأساسية، فحتى لو توفرت أغلبية في مجلس النواب لفتح تحقيقات أو إعداد مواد العزل، فإن إزاحة الرئيس تبقى مرهونة بمجلس الشيوخ، حيث تتطلب الإدانة موافقة ثلثي أعضائه، وهي عتبة بعيدة المنال في ظل التوازنات الحالية.
معضلة التعديل الخامس والعشرين
أعاد التصعيد العسكري أيضاً إحياء الحديث عن القسم الرابع من التعديل الخامس والعشرين، الذي يسمح بنقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه إذا أعلن هذا الأخير، مع أغلبية أعضاء الإدارة الأميركية، أن الرئيس أصبح عاجزاً عن أداء مهامه. غير أن هذا المسار كان منذ البداية أقل واقعية. فنجاحه لا يعتمد على المعارضة، بل على أقرب حلفاء الرئيس داخل السلطة التنفيذية، ويحتل نائب الرئيس جاي دي فانس موقعاً محورياً في هذه الآلية، فلا يمكن إطلاقها من دون موافقته. كما أن أي اعتراض من الرئيس ترامب يعيد النزاع إلى الكونغرس، حيث يصبح استمرار نقل الصلاحيات مشروطاً أيضاً بأغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ.
وفي هذا الصدد لم يصدر عن فانس أي موقف يوحي باستعداده للسير في هذا الاتجاه. لا بل انبرى للدفاع عن الرئيس في ذروة الجدل الحاصل، ولم يستجِب للرسائل الموجهة من النواب الديمقراطيين على الأقل بشكل علني. لذلك يبدو الحديث عن التعديل الخامس والعشرين أقرب إلى الضغط السياسي منه إلى خيار دستوري قابل للتطبيق.
الانشقاق المحدود
إذا كانت دعوات العزل لم تُحدث شرخاً داخل الحزب الجمهوري، فإن ملف صلاحيات الحرب فعل ذلك جزئياً. ففي 23 حزيران\يونيو الفائت، صوّت أربعة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ وهم: سوزان كولينز وليزا موركوفسكي وراند بول وبيل كاسيدي، إلى جانب معظم الديمقراطيين لمصلحة مشروع قرار يهدف إلى وقف أي عمليات عسكرية ضد إيران من دون تفويض من الكونغرس. وشكّل التصويت أحد أبرز مظاهر التململ داخل الأغلبية الجمهورية منذ اندلاع الحرب، لكنه بقي محصوراً في حدود الاعتراض على إدارة الصراع، ولم يتحول إلى استعداد سياسي لتأييد عزل الرئيس أو إدانته.
البطة العرجاء
تبدو انتخابات تشرين الثاني\نوفمبر المقبل، أكثر أهمية من كل النقاشات الدستورية الدائرة حالياً. فطالما يحتفظ الجمهوريون بالأغلبية في الكونغرس، يبقى الحديث عن عزل ترامب أقرب إلى السجال السياسي منه إلى احتمال دستوري واقعي. لكن هذا المشهد قد يتغير إذا نجح الديمقراطيون في استعادة مجلس النواب، وهو احتمال قائم وتشير إليه معظم استطلاعات الرأي، حتى لو بقيت السيطرة على مجلس الشيوخ أكثر صعوبة. غير أن استعادة مجلس النواب لن تعني نهاية المطاف لولاية ترامب. فالدستور يميز بين العزل والإدانة، إذ يستطيع مجلس النواب بأغلبية بسيطة توجيه الاتهام وإقرار مواد العزل، لكن الإدانة في مجلس الشيوخ تتطلب ثلثي الأعضاء، وهي أغلبية صعبة من دون انقسام جمهوري واسع، وهو ما لا تظهر مؤشراته حتى اليوم.
إزاء ذلك، تبدو استراتيجية الديمقراطيين مختلفة عن الرهان على الإطاحة بالرئيس، فإذا فازوا بمجلس النواب، سيتمكنون من فتح تحقيقات متواصلة، وعقد جلسات استماع، واستدعاء كبار المسؤولين، وربط كل ذلك بقرار الحرب وصلاحيات الرئيس الدستورية. وعندها تصبح إجراءات العزل وسيلة لإبقاء البيت الأبيض في حالة دفاع دائم أكثر من كونها طريقاً واقعياً لإنهاء الولاية.
لهذا، قد لا تكون الانتخابات النصفية محطة تؤدي إلى عزل ترامب، لكنها ستمنح الديمقراطيون قدرة على تعطيل أجندة ترامب السياسية طوال النصف الثاني من ولايته. وسيجد البيت الأبيض نفسه منشغلاً بالتحقيقات والاستجوابات والدفاع عن قراراته، ومواجهة ضغوط الكونغرس والإعلام، وهنا يكون الديمقراطيون قد جعلوا ترامب يدفع الكلفة السياسية للحرب. وبهذا تنتقل المواجهة من الخارج إلى الداخل الأميركي في معركة تستنزف الرئاسة حتى نهاية الولاية، وتجعل ترامب عملياً رئيساً أقرب إلى "البطة العرجاء" منه إلى رئيس يملك زمام المبادرة.




