فاجأ آندي بورنهام المراقبين، عشية تسلّمه رسمياً مقاليد السلطة في بريطانيا، بالاعتذار عن موقف حزبه الحاكم من حرب غزة، قائلاً إن "الاستجابة لم تكن جيدة بالقدر الكافي غالباً (...) علينا أن نمارس مزيداً من الضغط على الحكومة الإسرائيلية". ولم تلبث لندن أن اتخذت، بالتشاور على الأرجح مع الزعيم الجديد، قراراً يقضي بإدراج حرس الثورة الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، كانت قد ماطلت بتمريره خمس أو ست سنوات.
طريقه "الثالث"؟
هكذا، فيما كان بورنهام يمضي لإجراء تغييرات لم ترَ البلاد مثلها في أربعين سنة، وُجِّهت ضربة مزدوجة: واحدة للراديكاليين ممن يعارضون سياسات دونالد ترامب وتدخله العسكري في دول أجنبية، وأخرى لليمين وجماعات الضغط النافذة الموالية لإسرائيل. وهذا يذكر ببعض ملامح استراتيجية "الطريق الثالث" التي اعتمدها الزعيم الأسبق توني بلير، ولا سيما تجاوزها المزعوم للاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، واستبدال خيارات براغماتية به.
وباعتبار أن بورنهام تربّى في حزب العمال أيام كان بلير في ذروة سطوته، فمن الطبيعي أن يقتفي خطواته. لكن استلهام الأفكار شيء، واتباع سياسات تُعدّ نسخة طبق الأصل عن سياسات سلفه شيء آخر، فكيف إذا كان أصلاً يختلف معه بشأن قضايا أساسية؟
إنه يتحفظ، ومعه إد ميليباند، وزير الخارجية الجديد، على ما يُسمى بـِ "عقيدة بلير"، التي تزعم أن التدخل العسكري يمكن تسويغه أخلاقياً إذا كان الهدف منه وضع حد لفظائع نظام أو إطاحة حكم قمعي، وهذا ما يدّعي أنه فعله مع جورج بوش الابن في العراق عام 2003. ومع أن رئيس الوزراء الحالي يعارض سياسات النظام الإيراني، وسلوك حرسه الثوري "الإرهابي"، وسعيه لتطوير سلاح نووي، فإنه، ووزير خارجيته، لا يؤيدان حرب أميركا وإسرائيل عليها. وإذ سيحاول الحفاظ على العلاقات "الخاصة" مع أميركا، فهو لن يرتمي في أحضانها، كبلير الذي لا يزال يؤيد بقوة البقاء تحت عباءتها. وثمة خلاف آخر مع "المعلم" حول السياسات الخضراء المفصلية التي يعتمدها بورنهام، ويُعدّ ميليباند بمثابة رأس حربة لها، وخصوصاً تصفير الكربون.
زعيم متقلب
من ناحية أخرى، يبدو أن تصنيف هذا الزعيم في قالب محدد، بليري أو غيره، غير ممكن. ولعل أشرس الانتقادات التي يُرمى بها تتصل بشخصيته السياسية "الزئبقية". ويتندر المراقبون بتعدد وجوه "ملك الشمال".
هذا التأرجح ينطبق بوضوح على أدائه المتعلق بفلسطين/ إسرائيل. لذا فالانتقاد الشديد غير المسبوق لدولة الاحتلال، الذي يحل محل تعاطفه المألوف معها، ببساطة غير مقنع. ويوحي توقيت هذا الانتقاد، ومدى عمقه، أنه جاء على سبيل المناورة لاستمالة الناخبين، من مسلمين وغيرهم، ممن نفروا من حزب العمال بسبب فشل كير ستارمر في التعاطي بنزاهة مع أحداث غزة، وهي غلطة رسمت بداية النهاية لمستقبله السياسي. ولو كانت لدى رئيس الوزراء رغبة حقيقية برفع الظلم عن الفلسطينيين، فلماذا يرفض حتى أن يسمي ما يتعرضون له باسمه، كحرب إبادة؟
أصدقاء إسرائيل
ربما كان أحد أسباب رفضه يعود إلى الحرص على احترام مشاعر "حلفاء" من أنصار إسرائيل، كالنائب السابق جوش سايمون، الذي تخلى له عن مقعده النيابي ليصل إلى الزعامة، وآخرين تغص بهم إدارته، ويتقدمهم جون بيرنال، كبير موظفيه الذي يمسك بخيوط السلطة بقوة، وكان رئيس جماعة الضغط النافذة "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال" بين 2002 و2004.
ولا ننسى أن ميليباند نفسه لا يوافق على توصيف ما تقوم به تل أبيب في القطاع بأعمال إبادة، علماً أن بعض أسلافه كانوا من ضحايا المحرقة النازية، وشجب بقوة "العنف الذي تشهده غزة". ولم يوقّع عرائض برلمانية مناهضة للاحتلال، طالب بعضها بـ"حظر بيع السلاح لإسرائيل" و"فرض عقوبات" عليها، كما امتنع عن التصويت في مجلس العموم لمصلحة مشروع دعا إلى "وقف إطلاق النار في غزة المحتلة" (15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023). ويتفق مع بورنهام في معارضة حركة مقاطعة البضائع الإسرائيلية، وتأييد "حق إسرائيل بالأمن".
نصير فلسطين؟
المفارقة أن اليساري ميليباند يُعدّ من أكثر المتعاطفين مع الحق الفلسطيني بين وزراء الحكومات العمالية الثلاث الأخيرة. انتقد حكومة بنيامين نتنياهو، وهاجم سياساتها التوسعية وبناء المستوطنات، معتبراً أن ذلك "خاطئ" و"لا يمكن تبريره". وقيل إن تسليمه حقيبة الخارجية جاء في سياق المحاولة ذاتها لاستمالة أنصار فلسطين!
إذا كان "الفتات" الذي يجود به عليهم ميليباند هو أقصى ما يمكن أن يناله الفلسطينيون من هذه الحكومة العمالية، فهل يمكنهم التعويل على إنصافها لهم؟ ومن يستطيع أن يلومهم إن لم يقيموا وزناً لما يقوله بورنهام، إذا بقي، كبلير وغوردون براون وستارمر، ينادون بحل الدولتين الذي بات مستحيلاً، من دون أن يحاولوا تقليص الدعم بأنواعه لإسرائيل أو خفض شحنات السلاح التي يصدّرونها لها؟ فقد يختلف عن سابقيه، قليلاً أو كثيراً، في النبرة، وليس في الجوهر.




