فيما تستمر الاستهدافات الإيرانية التي طالت الأردن، أعلنت القوات المسلحة الأردنية، الأربعاء، اعتراض أربعة صواريخ إيرانية، بينما سقط اثنان في مناطق خالية من السكان، حيث أطلقت إيران ستة صواريخ باتجاه الأردن، سبقها، خلال الأيام الماضية، عدد من عمليات الاعتراض، ودوت صفارات الإنذار في العاصمة عمان وعدد من محافظات المملكة.
استهداف القواعد العسكرية والعقبة
الهدف الأبرز للضربات الإيرانية هو قاعدة الأزرق العسكرية في شمال الأردن، المعروفة باسم قاعدة موفق السلطي الجوية، ذات الوجود العسكري الأميركي. ويقول العميد السابق في مديرية المخابرات العامة الأردنية عمر الرداد إن هذا الأسبوع شهد تكثيفًا في عمليات استهداف الأردن وضمه إلى المنظومة الخليجية، عبر امتداد الاستهداف من نطاق المواقع العسكرية، مثل قاعدة الأزرق وقاعدة الحسن الجوية، إلى استهداف مدينة العقبة، "التي لا تضم قواعد عسكرية أميركية".
وكانت الصواريخ والمسيرات الإيرانية قد حاولت استهداف ميناء العقبة ومطارها، فيما أكد الجيش الأردني اعتراض وإسقاط صواريخ كانت متجهة نحو المدينة، ونفت الحكومة الأردنية تعرض المطار لأي أضرار أو إخلاء.
ويطرح الرداد تساؤلًا حول غاية استهداف مدينة العقبة، في حين لا تبعد مدينة إيلات سوى بضعة كيلومترات عنها. ويضيف أن هذه الضربات الإيرانية تعكس حالة من "الانغلاق السياسي والعسكري أمام الحرس الإيراني"، الذي يخوض حروبه مع الدول العربية من منطلقات أيديولوجية.
الموقف الأردني والوجود الأميركي
وفيما تنتهج عمان سياسة ضبط النفس وتجنب التصعيد، جاء التطور الأبرز خلال الأيام الماضية، حيث تمكنت إيران من استهداف قاعدة موفق السلطي شمال البلاد، وهذا ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية هوية جنديين منهم، فيما لا يزال الثالث في عداد المفقودين. وتعد هذه الخسارة البشرية الأولى التي تعلن عنها الولايات المتحدة في صفوف القوات الأميركية في الأردن.
ويقول الرداد إن الأردن لا يخفي وجود جنود ومستشارين أميركيين يعملون داخل الأردن، "في قواعد أردنية وتحت راية العلم الأردني"، وهذا الاتفاق الدفاعي ليس وليد اللحظة، وقد توسع خلال السنوات الماضية عبر اتفاقيات أمنية بين الجيش الأردني ووزارة الدفاع الأميركية، مع دخول الأردن التحالف الدولي لمحاربة داعش عام 2014.
وأضاف الرداد أن الحديث عن استخدام هذه القواعد من قبل الأميركان لضرب إيران مخالف للمنطق، حيث إن الضربات الأميركية تتم عبر حاملات طائرات موجودة كلها، إما في خليج عمان أو الخليج العربي قبالة الإيرانيين.
الأردن الرسمي، وعلى لسان مسؤوليه، أكد منذ بداية الحرب أنه لن يكون طرفًا في أي تصعيد إقليمي، وأنه ليس جزءًا من الصراع الدائر في الإقليم، ولن يسمح بانتهاك سيادته. فيما أكد مصدر عسكري في القوات المسلحة الأردنية، اليوم الأربعاء، أن أجواء المملكة تخضع لمراقبة عملياتية مستمرة، وأن القوات المسلحة ستتعامل مع أي تهديد جوي يستهدف الأراضي الأردنية وفق قواعد الاشتباك المعمول بها، وبما يكفل حماية سيادة البلاد وسلامة المواطنين.
مواقف داخلية وتحذيرات من التصعيد
في المقابل، وعلى صعيد الفعاليات الشعبية والحزبية، أصدرت عشرات الشخصيات السياسية والحزبية بيانًا، أمس الثلاثاء، دعت فيه إلى "إجلاء القوات الأجنبية من الأردن وصون السيادة الوطنية"، وطالب البيان الحكومة الأردنية بإخراج تلك القوات، باعتبار أن وجودها يعرض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية.
وطالب الموقعون بسحب الاتفاقية الأمنية العسكرية المبرمة مع الولايات المتحدة الأميركية، وإعادة عرضها على مجلس الأمة من أجل إلغائها أو تقييدها، إضافة إلى دعوة السلطات الأردنية إلى اتخاذ خطوات تكفل تحييد البلاد عن هذه الحرب.
ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبد الحكيم القرالة إن الأردن ينظر بعين القلق إلى التصعيد الحاصل بوصفه ضربة قاصمة للسلام الإقليمي، وأن مقاربة الأردن لهذا الصراع كانت واضحة وثابتة منذ اليوم الأول للحرب، وهي التأكيد على ضرورة تغليب لغة الحوار والتفاوض.
ويرى القرالة أنه، مع انهيار مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، فإن المشهد بالغ التعقيد فيما يتعلق بعودة الاستهدافات العسكرية بكثافة، والأضرار التي ستلحق بدول خليجية وبالأردن أيضًا عبر ضربات إيرانية "غير مبررة".
ويضيف أن الأردن لن ينجر إلى هذه الحرب، فهو "مثال للدولة التي تجسد الوسطية والاعتدال في المنطقة"، لكنه، في الوقت نفسه، سيتمسك بحقه في الحفاظ على سيادته وتحييد المخاطر التي تستهدف أمنه واستقراره، وسيستخدم حقه المشروع الذي كفلته المواثيق الدولية بالدفاع عن أجوائه وسلامة مواطنيه.

