لم يكن اختفاء المعارض المصري محمود فتحي في العاصمة الليبية طرابلس، خبراً عادياً في الأوساط السياسية والحقوقية. فالرجل الذي يعيش خارج مصر منذ سنوات، ويحمل الجنسية التركية، ظهر في دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد إلى جانب أحمد الشرع وياسين أقطاي.
وأفاد مصدر خاص "المدن"، بأن فتحي سافر الى طرابلس برفقة زوجته في 13 تموز/ يوليو الجاري، وانقطع الاتصال به بتاريخ 19 تموز الساعة 4 عصراً، في ظروف لا تزال غامضة لكن الجهة التي نفذت العملية، والسبب المباشر وراءها، ومكان احتجازه الحالي، ما زالت جميعها أسئلة بلا إجابات رسمية واضحة.
وقال مصدر "المدن" إنَّ لديه معلومات تشير إلى وجود دور للمخابرات التركية في اعتقال محمود فتحي، وهذه المعلومة تفتح باباً مهماً، خصوصاً أن محمود فتحي يحمل الجنسية التركية، وأن اختفاءه حدث في طرابلس، المدينة التي تتمتع فيها أنقرة بنفوذ سياسي وعسكري وأمني كبير.
معارض مصري
ومحمود فتحي ليس معارضاً مصرياً يعيش في الخارج فحسب، فهو ينتمي إلى التيار الإسلامي المصري المعارض، وارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بحزب الفضيلة، كما صدرت بحقه أحكام غيابية في مصر (4 أحكام إعدام و6 أحكام مؤبد) على خلفية قضايا قضائية وأمنية، بينها قضية اغتيال النائب العام المصري هشام بركات. كما أنه يحمل الجنسية التركية وظهر في دمشق بعد سقوط نظام الأسد إلى الشرع وياسين أقطاي.
لا يمكن بناء استنتاجات كبيرة على صورة واحدة. لكن وجود هذه الشخصيات في مشهد واحد لم يكن بلا دلالة سياسية. فدمشق، بعد سقوط الأسد، تحولت إلى نقطة جذب لشخصيات وشبكات سياسية كانت تتحرك لسنوات بين عواصم المنطقة.
وتركيا كانت طرفاً رئيساً في الملف السوري، وياسين أقطاي من الشخصيات المعروفة بقربها من دوائر القرار التركي، بينما أحمد الشرع يقود مرحلة انتقالية شديدة الحساسية في سوريا.
وفي هذا السياق، كان وجود محمود فتحي في دمشق لافتاً، حتى لو لم يكن يشغل منصباً رسمياً أو معلناً. ثم ظهر اسمه في ليبيا حيث طرابلس ليست مدينة عادية بالنسبة إلى تركيا. فمنذ تدخل أنقرة العسكري في ليبيا، أصبحت العاصمة جزءاً من شبكة نفوذ تركية واسعة، تشمل العلاقات السياسية والتعاون العسكري والأمني.
هل تغيرت علاقة تركيا بالمعارضين المصريين؟
خلال سنوات التوتر بين مصر وتركيا، كانت إسطنبول واحدة من أهم نقاط الاستقطاب للمعارضين المصريين وكان ذلك مفهوماً في سياق الصراع السياسي بين البلدين لكن اليوم العلاقات تغيرت. وبدأت القاهرة وأنقرة منذ سنوات مساراً لإعادة تطبيع العلاقات. ومع مرور الوقت، انتقلت العلاقة من المواجهة إلى الحوار، وبدأت ملفات الاقتصاد والطاقة وليبيا والأمن الإقليمي تأخذ مساحة أكبر.
في مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تعيد الدول مراجعة الملفات القديمة ومن بينها ملف المعارضين المصريين الموجودين في تركيا أو المرتبطين بها. لا يعني ذلك أن تركيا قررت التخلي عن جميع المعارضين المصريين. لكن العلاقات بين الدول لا تعمل بطريقة ثابتة.
أكثر من سيناريو
قد لا يكون السيناريو الحقيقي أنَّ تركيا قررت اعتقال محمود فتحي. قد يكون الأمر أبسط، وأكثر تعقيداً في الوقت نفسه. فربما كانت أنقرة تعرف مكانه، لكنها لم تتدخل عندما جرى توقيفه. وربما لم تعتبر أن وجوده يستحق الدخول في أزمة مع القاهرة أو مع أطراف ليبية.
وفي السياسة، أحياناً يكون عدم التدخل قراراً بحد ذاته، فلا تحتاج الدولة دائماً إلى أن تسلم شخصاً بيدها بل يكفي أن تتوقف عن حمايته.
أما بالنسبة إلى مصر، فمحمود فتحي ليس مجرد معارض يعيش خارج البلاد، فهو مرتبط بتيار إسلامي معارض، وصدرت بحقه أحكام في مصر، وله حضور سياسي وإعلامي كبير، وبالتالي فإن توقيفه، إذا انتهى إلى تسليمه للقاهرة، سيكون ذا قيمة أمنية وسياسية ولكن الأهم هو ما قد يعنيه ذلك للعلاقة المصرية–التركية.
فاختفاؤه كان بعد زيارة وزير الدفاع المصري إلى تركيا فإذا كان هناك تعاون تركي في الملف، ولو على مستوى المعلومات، فهذا يعني أن البلدين دخلا مرحلة جديدة من التعاون، مرحلة لا تقتصر على الاقتصاد أو الدبلوماسية، بل تشمل الملفات الأمنية والسياسية الحساسة.
وقد تكون القضية جزءاً من تفاهمات أوسع، يجري خلالها تبادل المعلومات أو إعادة ترتيب نشاط بعض الشخصيات.




