فيما تستعد إسرائيل للانتخابات في ذروة حرب تخوضها على عدة جبهات، تشهد تطورات داخلية شديدة الأثر تزعزع أسس العقد الاجتماعي الذي أنشئت تحت رايته. فالدولة التي شاء آباؤها الأوائل أن تكون "يهودية وديمقراطية" تصطدم بواقع تحولها إلى دولة دينية وفاشية. وبدلاً من أن تبقى دولة مؤسسات وقانون تتحول بسرعة إلى نوع جديد من الديكتاتورية التي لا تبقي للأقليات ولا للأفراد حقوقا مضمونة لا نقاش فيها. وما سلسلة القوانين التي تم تمريرها في الكنيست الأخيرة، وليس فقط ضمن ما يسمى بالإصلاح القضائي، إلا تعبيراً عن ذلك. إذ لم يتم الاكتفاء بالقوانين العنصرية ضد العرب مثل قانون القومية إنما تجاوزوا الخطوط ضد مبادئ المساواة حتى بين اليهود في قوانين مثل قانون الفصل بين الذكور والإناث في الجامعات وقانون دراسة التوراة. ولهذا السبب لا يستغرب كثيرون اندفاع الكثير من الساسة لشن حملات ضد قادة الجيش والأجهزة الأمنية واشتراط الولاء عند التعيين أكثر من الكفاءة.
وينظر المعارضون للخطوات التشريعية الأخيرة على أنها توفر صورة مقلقة جداً لمستقبل المجتمع الإسرائيلي، حيث لم تعد قضايا الخلاف الداخلي هامشية ومعزولة بل صارت أقرب إلى كرة ثلج تتدحرج بقوة لتحطم كل من يعترضها. فقانون الفصل بين الجنسين الذي تم إقراره مؤخراً، يهدد بالقضاء على مبدأ تكافؤ الفرص والحفاظ على متطلبات الحياة الليبرالية في مجتمع ديمقراطي. وهذا القانون مع سواه يوضح طبيعة المخطط الذي يرمي إلى تسييد الرؤية الدينية التوراتية في البناء المجتمعي وفي سلطات الدولة وتغيير طابع الدولة جذرياً. والأهم أنه بعد أن لوحقت حرية التعبير في وسائل الإعلام، تتوجه أنظار اليمين نحو مؤسسات التعليم العالي والجامعات لتقييد الحريات الشخصية والأكاديمية فيها. وجاء هذا التقييد بعد أن بدأت بلدية بني براك الخاضعة للنفوذ الديني بتخصيص أرصفة للفصل بين الجنسين أثناء السير عليها.
ومعروف أن صراعاً شديداً يدور منذ مدة حول خدمة الفتيات في الجيش الإسرائيلي. حيث لا تريد القوى الدينية استمرار هذا التجنيد الذي تعفى منه كل فتاة تدعي أنها متدينة، وترفض السماح للجنود المتدينين بالخدمة في وحدات أو معسكرات توجد أو تخدم فيها مجندات. وتخوض قيادة الجيش التي تشعر بحاجتها إلى تجنيد الفتيات، خصوصاً في ظل النقص الحاد في تجنيد الرجال بسبب رفض طلاب المدارس الدينية الحريدية، صراعاً حاداً ضد هذه الرؤية الدينية.
التفكير بالهجرة
وأمام هكذا واقع متنوع الإشكالات، أظهر استطلاع نشر مؤخراً في صحيفة "معاريف"، أن ربع السكان اليهود قد يفكرون بالهجرة من إسرائيل إذا عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. وأشار الاستطلاع الذي أجري لحساب برنامج "أولبان شيشي" في القناة 12، إلى أن إعادة انتخاب نتنياهو تثير حفيظة ومخاوف شريحة واسعة من الإسرائيليين. وقد أكد 68% من المستطلعة آراؤهم، أنهم لا يعتزمون الانتقال إلى الخارج في حال عودة نتنياهو إلى السلطة، فيما قال 23% إنهم قد يدرسون خيار الهجرة أو الإقامة خارج البلاد، بينما أعرب 9% عن عدم قدرتهم على تحديد موقفهم أو أنهم غير متأكدين من القرار.
وتعكس نتائج الاستطلاع تنامي حالة الاستقطاب السياسي داخل إسرائيل، في ظل تباين المواقف تجاه مستقبل المشهد السياسي وانعدام آفاق الأمن والسلام بعد أطول الحروب وترسيخ نظرية الحرب الدائمة. كما أن العديد من القوى السياسية الهامة تعلن منذ اليوم رفضها الانضمام إلى أي حكومة تشارك فيها أي من مكونات الائتلاف الذي قاده نتنياهو وضم مجموعات مثل حزبي سموتريتش وبن غفير. كما يرفض آخرون الائتلاف مع أحزاب حريدية مثل "أغودات إسرائيل" و"يهدوت هتوراه" وحتى "شاس". والمسألة في نظر الكثيرين لم تعد تنحصر بخلاف أيديولوجي وإنما صارت تتركز أكثر حول مستقبل الحياة في دولة تحوي هذ القدر من التناقضات.
ولا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن الهجرة ينطوي على إثبات لواقع بات يتكرس خلال السنوات الأربع الأخيرة. فمعطيات دائرة الإحصاء المركزي الإسرائيلية تشير إلى أنه في الفترة من 2022-2024 ترك إسرائيل من غير رجعة حوالي 104 ألف إسرائيلي. وأن الغريب بعض الشيء أن هذه المعطيات، وبعضها سبق الحرب، تأتي في ظل معطيات تتحدث عن ازدهار اقتصادي في إسرائيل حتى في ظل الحرب. لكن طبعاً هناك تفسيرات مختلفة لهذه الظاهرة حيث أن البعض يعزوها فترة حكم ائتلاف نتنياهو الذي سعى بشكل جدي لحسم مواضيع الخلاف الداخلي السياسية والقانونية لمصلحة اليمين وبشدة. وكان بين أسباب ذلك ما عُرف بثورة الإصلاح القضائي التي سعت لمنح الكنيست والحكومة الأولوية على المحكمة العليا وعلى القوانين الدستورية. ومعروف أن ذلك قاد قبل الحرب إلى أوسع موجات التظاهر والاحتجاج ضد تغيير صورة ووجهة الدولة لمصلحة اليمين الديني والفاشي.
ازدهار وهجرة
وأعرب الخبير الاقتصادي في "معاريف" شلومو ماعوز، عن استغرابه لما أسماه بـِ "البيانات المفاجئة" التي تشير إلى ازدهار أسرائيل اقتصادياً فيما "الإسرائيليون يقررون ببساطة الرحيل عنها". وكتب: "شهدت جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية - التعليم والتنوير، والتنقل، والصحة، والترفيه، ومتوسط العمر المتوقع، والثروة، ووضع المرأة - تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، تتراجع مكانة إسرائيل، وتتزايد الهجرة منها". وعزى ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي بشكل رئيسي إلى الاستثمارات في رأس مال البحث والتطوير، إذ بلغ رصيد رأس المال في هذا المجال 212.2 مليار شيكل عام 2024، بزيادة قدرها 33% خلال عقد من الزمن. وما يُميز الاقتصاد الإسرائيلي هو استمراره في الاستثمار في التكنولوجيا وامتلاكها. لكنه أشار إلى أن الأسباب الأساسية في تزايد الهجرة تعود إلى الوضع الأمني وتعاظم الفجوة الاجتماعية والتعليمية وعدم القدرة على شراء الشقق للسكن. وهكذا رغم ارتفاع مستوى المعيشة والتعليم إلا أن تراجعاً في القدرة على امتلاك مسكن كتعبير عن المساواة في توزيع الثروة من %95 عام 2012 إلى %64.2 عام 2023.
وهكذا، على الرغم من ما يُعلن عن نجاحات اقتصادية في السنوات الأخيرة، فإن الكثير من الإسرائيليين صاروا يتركونها ابتداءً من العام 2022 حيث بدأت الهجرة السلبية وبفارق متزايد. في العام 2022، كان الفارق بين المهاجرين إلى إسرائيل وتاركيها 15 ألفاً و500 شخص، وفي العام 2023 بلغ 29 ألفاً و600 شخص، وفي العام 2024 بلغ 58 ألفاً و600 شخص. وحتى الآن لا توجد معطيات دقيقة حول الفارق في العام 2025 ولكن هناك معطيات تشير إلى مغادرة 69 ألفاً و300 شخص بعد تزايد الاحتجاج على سن القوانين الفاشية والدينية ما يدفع الكثيرين للهجرة، خصوصاً في زمن الحرب.
هجرة العقول
على الرغم من أن جهات رسمية إسرائيلية تحاول عبثاً إشاعة أن المهاجرين في الغالب هم من القادمين الجدد من أوكراينا وروسيا، إلا أن المعطيات تظهر أن أكثر من نصف المهاجرين هم من مواليد إسرائيل. ويعترف باحثون بأن أخطر ما في هذه الهجرة هي أنها "هجرة عقول" لشباب متعلم غالباً وعلماني. وهذه الهجرة تترك خلفها جمهوراً يميل للبقاء غالباً لاعتبارات دينية أو قومية أو لشرائح تفتقر للموارد الاقتصادية وفرص العمل في الخارج. وذكرت معطيات أن غالبية المغادرين من فئة الشباب الذين يبلغ متوسط أعمارهم 32 عاماً وفي مراحل تكوين أسرهم، وجلّهم من الأكاديميين وأصحاب المهن الحرة. وتصل نسبة المهاجرين الذين تقل أعمارهم عن 40 عاماً، إلى نحو 67% من العدد الإجمالي. وتُعد هذه الفئة العمرية الأكثر إنتاجية، حيث تُبنى فيها المسارات المهنية وتُدفع معظم الضرائب. التنقل العالمي: يتصدر العاملون في قطاع التكنولوجيا والأطباء المتخصصون والباحثون الأكاديميون معدلات المغادرة، نظراً للطلب الكبير عليهم في السوق الدولية.
ووفق رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات في الكنيست، جلعاد كاريف، فإن الحكومة الحالية تتجاهل تزايد هذه الظاهرة ولا تتعامل معها. كما أن رئيسة لجنة الشباب، عضو الكنيست نعمة لازمي (حزب العمل)، قالت إن "هذا يُهدد الصهيونية. لا يعلم الشباب في إسرائيل ما إذا كان التعليم العالي سيضمن لهم مستقبلاً طبيعياً. هذه كارثة. 67% من المهاجرين تقل أعمارهم عن 40 عاماً، والعديد من الأطباء الذين درسوا وتخصّصوا في إسرائيل يهاجرون. هذه ظاهرة خطيرة ومُقلقة. لقد تخلت الدولة عن مسؤوليتها تجاه مواطنيها.".
ووفقًا للبروفيسور إيتاي آتر، من جامعة تل أبيب، لوحظ انخفاض في عدد الأطباء العائدين إلى إسرائيل. في المقابل، ارتفع عدد المهندسين الذين غادروا، وانخفض عدد العائدين منهم. كما أعلن ليران باسّون، نائب رئيس اتحاد الطلاب، أن 33% من الطلاب ينوون مغادرة إسرائيل بعد إتمام دراستهم، وأرجع السبب الرئيسي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن.




