شاركت كل من الولايات المتحدة والصين في اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في العاصمة الفلبينية مانيلا، في الوقت الذي تعصف بالمنطقة تغيرات جيوسياسية متسارعة مع التصعيد الأميركي في مضيق هرمز وتعطيل خطوط الإمداد وتهديد حرية الملاحة إلى تهديدات أمنية إقليمية .هذا الحضور يعطي رسالة لأهمية المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية. بالنسبة للقوتين العظميين، تبدو المنطقة أمام اختبار جيوسياسي بالغ الحساسية. فبينما تستعد دول الرابطة لمناقشة ملفات التعاون الاقتصادي والأمني ومستقبل المنطقة، من الحرب الاهلية في ميانمار إلى الخلافات الاقليمية التي تطفو على السطح مجدداً في بحر الصين الجنوبي، حيث تتصاعد المواجهات بين الصين والفلبين، في مشهد يتجاوز حدود الخلاف البحري ليكشف عن صراع أوسع على النفوذ ومستقبل النظام الإقليمي في آسيا.
ولعل توقيت التصعيد ليس تفصيلاً هامشياً. عودة التوتر بين بكين ومانيلا قبيل اجتماع وزراء خارجية آسيان تضع دول الرابطة أمام معادلة صعبة: كيف يمكن الحفاظ على وحدة آسيان في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية والصينية، وتتحول المنطقة إلى ساحة تنافس استراتيجي بين أكبر قوتين في العالم؟
الصين ترى أن بحر الصين الجنوبي جزء من مجالها السيادي والتاريخي، بينما تتمسك الفلبين، بدعم من حلفائها، بحقوقها البحرية وفق القانون الدولي. وبين الموقفين، تقف دول أخرى مثل فيتنام وماليزيا وبروناي، التي لديها أيضاً مطالبات أو مصالح متداخلة في هذه المنطقة الغنية بالموارد والممرات البحرية الحيوية.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الفلبين باعتبارها إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية بين بكين وواشنطن. التوتر بين مانيلا وبكين في بحر الصين الجنوبي لم يعد مجرد نزاع على المياه والجزر والموارد البحرية، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والقواعد الأمنية ومستقبل النظام الإقليمي في آسيا. ومع كل مواجهة بحرية أو احتكاك بين السفن، تتسع مساحة القلق من أن يتحول حادث محدود إلى أزمة أكبر، خصوصاً في ظل التحالف الدفاعي بين الولايات المتحدة والفلبين والحضور العسكري الأميركي المتزايد في منطقة الإندو-باسيفيك.
الصين، من جانبها، تتمسك بمطالبها السيادية والتاريخية في بحر الصين الجنوبي، بينما تؤكد الفلبين حقوقها البحرية استناداً إلى القانون الدولي، وتحظى بدعم سياسي وأمني من الولايات المتحدة. وبين هذين الموقفين، تقف دول أخرى مثل فيتنام وماليزيا وبروناي، التي لديها أيضاً مطالبات أو مصالح متداخلة في منطقة تُعد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتختزن موارد طبيعية هائلة، تربط بين المحيطين الهندي والهادئ.
لكن القضية لم تعد صينية–فلبينية فقط.
لقد أصبحت الولايات المتحدة طرفاً مؤثراً في المعادلة، ليس باعتبارها دولة مطالبة بأراضٍ في بحر الصين الجنوبي، إنما باعتبارها ترى في أمن المنطقة وحرية الملاحة جزءاً من استراتيجيتها الأوسع للحفاظ على توازن القوى في الإندو-باسيفيك. وفي المقابل، ترى بكين أن واشنطن تستثمر في النزاعات الإقليمية لتعزيز شبكة تحالفاتها وشراكاتها الأمنية حول الصين، والحد من هامش حركتها الاستراتيجية.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل أصبحت الفلبين رأس حربة في الاستراتيجية الأميركية لاحتواء الصين؟ أم أنها تحاول، قبل كل شيء، الدفاع عن مصالحها الوطنية في نزاع قائم فعلاً مع بكين، فيما تستفيد واشنطن من موقعها الجغرافي والاستراتيجي؟
ربما لا تكمن الإجابة في أحد الخيارين وحده.الفلبين ليست مجرد أداة في الاستراتيجية الأميركية، كما أن خلافاتها مع الصين سبقت تصاعد التنافس بين القوتين العظميين، ولها حساباتها الوطنية ومصالحها الأمنية والاقتصادية الخاصة. لكن واشنطن تدرك جيداً القيمة الجيوسياسية لموقع الفلبين، القريب من تايوان وبحر الصين الجنوبي، ولذلك فإن دعم مانيلا يمثل بالنسبة إليها جزءاً من استراتيجية الردع والحفاظ على توازن القوى في المنطقة.
أما من منظور بكين، فإن الصورة تبدو مختلفة تماماً؛ إذ ترى أن تعزيز التحالفات العسكرية الأميركية مع دول الجوار، وتوسيع التعاون الدفاعي مع الفلبين، يندرج ضمن محاولة أوسع لتطويق الصين والحد من صعودها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما ازدادت مخاوف دول المنطقة من القوة الصينية، ازدادت حاجتها إلى المظلة الأمنية الأميركية؛ وكلما توسع الحضور الأميركي بالقرب من حدود الصين، ازداد شعور بكين بالتهديد، فتعزز حضورها العسكري والبحري، الأمر الذي يدفع بعض دول المنطقة مجدداً إلى الاقتراب من واشنطن.
إنها دائرة استراتيجية مغلقة، تقف آسيان في قلبها، وتحاول أن تحافظ على استقلال قرارها ووحدتها، وألا تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوتين العظميين.
والسؤال الذي تفرضه اجتماعات مانيلا ليس فقط: من يربح المواجهة بين واشنطن وبكين؟ بل أيضاً: هل تستطيع آسيان أن تحافظ على مركزيتها واستقلاليتها، أم أن تصاعد التنافس بين القوتين سيدفع دول المنطقة، واحدة تلو الأخرى، إلى اختيار معسكر على حساب آخر؟
وهنا، ربما تكون الفلبين هي الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، لكنها بالتأكيد ليست الحلقة الوحيدة.
فكلما ارتفعت المخاوف من الصين، زادت مبيعات الأسلحة الأميركية، وتعززت التحالفات العسكرية، وتوسعت القواعد والتسهيلات اللوجستية.لكن هل يعني ذلك أن واشنطن هي التي تشعل النزاعات؟
لا توجد أدلة قاطعة على أن الولايات المتحدة تصنع كل أزمة إقليمية من أجل بيع السلاح. غير أن هناك حقيقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها: واشنطن بارعة في توظيف النزاعات القائمة لخدمة مصالحها الجيوسياسية.
فهي لا تحتاج بالضرورة إلى خلق المشكلة؛ يكفي أن تستثمر فيها. وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تحولت منطقة بحر الصين الجنوبي إلى سوق استراتيجية للسلاح، وإلى منصة لإعادة بناء النفوذ الأميركي في آسيا؟
آسيان بين المطرقة والسندان
بالنسبة إلى دول آسيان، فإن المعضلة أكبر. الصين هي الشريك التجاري الأكبر أو من أكبر الشركاء لمعظم دول المنطقة، وهي جزء أساسي من سلاسل التوريد والاستثمار والبنية التحتية. وفي الوقت ذاته، فإن الولايات المتحدة تمثل قوة اقتصادية وعسكرية لا تستطيع دول المنطقة تجاهلها. لذلكَ، فإن معظم دول آسيان لا تريد الاختيار بين واشنطن وبكين. إنها تريد الصين اقتصادياً، وأميركا أمنياً، مع الحفاظ على هامش واسع من الاستقلال الاستراتيجي.
لكن هذه المعادلة تصبح أكثر صعوبة مع تصاعد التوتر.فإذا اندلعت مواجهة عسكرية واسعة في بحر الصين الجنوبي، لن يكون بإمكان آسيان البقاء على الحياد بسهولة. وإذا تصاعدت أزمة تايوان، فإن دول المنطقة ستجد نفسها أمام واقع جغرافي جديد يجعلها جزءاً من الصراع، حتى لو لم ترغب في ذلك.
الصين في مواجهة استراتيجية التطويق
من وجهة نظر بكين، لا يتعلق الأمر بالفلبين وحدها. الصين تنظر إلى المشهد الأوسع: تحالف أميركي مع اليابان، تعاون دفاعي متزايد مع أستراليا، تقارب استراتيجي مع الهند، تعزيز العلاقات مع الفلبين وشراكات أمنية متنامية في المحيطين الهندي والهادئ. ومن هنا ترى الصين أن واشنطن تحاول بناء شبكة احتواء تدريجية حولها. لكن واشنطن ترد بأن ما تقوم به ليس احتواءً، بل رداً على التوسع العسكري الصيني.وبين الروايتين، تتحول آسيا إلى مسرح لأخطر منافسة استراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة.
أين تقف الهند؟
الهند تراقب هذه التحولات بعناية.
فهي لا تريد أن ترى الصين تهيمن على المحيط الهندي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تصبح جزءاً من تحالف أميركي صريح ضد بكين. الهند تعزز شراكتها مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن إطار "كواد"، وتعمل على تعزيز حضورها في منطقة الإندو-باسيفيك، لكنها تحافظ في الوقت ذاته على استقلالها الاستراتيجي وعلاقاتها مع روسيا ودول الجنوب العالمي. الهند تريد أن تكون قوة توازن، لا مجرد طرف في محور، وهذا ينسجم مع طبيعة سياستها الخارجية التي تسعى إلى توسيع هامش المناورة بدلاً من الانضمام إلى تحالفات عسكرية مغلقة.
قمة آسيان... اختبار للمنطقة
اجتماع وزراء خارجية آسيان ليس مجرد اجتماع دبلوماسي آخر فحسب، بل إنه اختبار لقدرة دول جنوب شرق آسيا على الحفاظ على وحدتها واستقلال قرارها في ظل صراع القوى الكبرى.
آسيا تتغير بسرعة، والتحالفات تتبدل، والإنفاق العسكري يتصاعد، وسلاسل الإمداد يعاد تشكيلها، والتكنولوجيا أصبحت جزءاً من الأمن القومي. وفي النهاية، قد لا تكون المعركة الحقيقية على الجزر والشعاب المرجانية وحدها، بل على من يكتب قواعد النظام الآسيوي الجديد.
وهنا يبقى السؤال الذي ستواجهه آسيان في اجتماعها المقبل:
هل تستطيع دول المنطقة أن تحافظ على استقلال قرارها، أم أن بحر الصين الجنوبي سيحولها تدريجياً إلى ساحات نفوذ في حرب باردة جديدة بين واشنطن وبكين؟




