متى يقول ترامب كفى؟!..

ترامب (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام، بينما تتواصل غارات قواته على موانىء إيران وجسورها: متى تتوقف الحرب على إيران؟ فأجاب بثقة: عندما أقول كفى!!

لكنه لم يخبرنا حتى الآن متى تتحقق شروط كفى الأميركية؟ هل تتحقق بمجرد عودة طهران إلى طاولة الشروط الأميركية؟ أم أن ثمة قراءة جديدة لمذكرة التفاهم التي وقعها ترامب بنفسه قبل أيام من اندلاع الحرب مجدداً، قبل أن يعلن بنفسه أنها انتهت؟ فهو الذي خاضها، وهو الذي وقعها، وهو الذي خرج منها من جانب واحد قبل أن تلحق به طهران بعدما أريق ماء وجهها مرات ومرات؟!

 

مذكرات التفاهم، طبقاً لرؤية ترامب، هي مجرد مناسبات لإدارة الوقت في ظل هدنة ما، سواء كانت هدنة أمر واقع، أو هدنة اتفاقية مثل تلك التي استحدثها الفيفا في مباريات الأجواء الحارة، حيث يتوقف اللعب للتروية او للاستسقاء، ريثما يعيد كل مدير فني توجيه بعض مفاتيح اللعب عنده مجدداً.

آخر نوبات التوقف التي حصل عليها الطرفان الأميركي والإيراني، كانت تتوخى في بعض تجلياتها، وقفة تعبوية ريثما تنتهي فعاليات بطولة كأس العالم، فالرئيس ترامب لا يريد تفجير بطولة تستضيفها بلاده، ويأمل في مشهد نهاية مسالم، ينال به وثيقة مصورة، ويقدمه كصانع للسلام وقادر على حمايته. 

بانتهاء البطولة ولو بهزيمة ميسي، على عكس ما بدا وكأنه انحياز بالتمني لفوز الأرجنتين ببطولة كأس العالم، ليس على سبيل المكافأة للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الموالي لإسرائيل، إنما على سبيل معاقبة بيدور سانشيز رئيس الوزراء الإسباني الذي تحدى مطالب وتصورات الرئيس الأميركي ترامب سواء بموقفه من حرب أوكرانيا، أو بتبنيه الدفاع عن فلسطيني غزة الذين تستهدفهم حكومة بنيامين نتنياهو بالإبادة. 

 

أما وقد انتهت فعاليات كأس العالم، وحصل ترامب على حصيلة كافيه من الصور كرجل سلام يحب الرياضة، ويتفاعل بشغف مع الرياضيين، فإن الوقت قد حان للعودة إلى ساحات القتال طلباً لشروط استسلام ما زالت تأباها طهران.

جولات القصف الأميركي لإيران مستمرة دون توقف، ليلاً أو نهاراً، وهذا ما يشير إلى إصرار ترامب على بلوغ "محطة كفى"، لكن الإيرانيين لم يكتفوا بعد، تاركين المنطقة والعالم يضربون أخماساً بأسداس، بحثاً عن مصدر هذا اليقين الفارسي، بإمكانية إنهاء الحرب بتوقيت فارس لا بتوقيت ترامب.

 

تكنس القاذفات الأميركية بنك الأهداف الإيرانية كل يوم، من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، لكن قدرة الإيرانيين على مواصلة تلقي الضربات دون التأوه،  تبدو مثيرة للإعجاب، بينما يتظاهر ترامب كلاعب ورق محترف بأن لديه أوراق قوة بوسعها اكتساح الطاولة، وإجبار المنافس على خلع ثيابه والتعري، قطعة وراء قطعة. 

لكن مقدار الانكشاف و الشفافية التي ميزت الحروب الحديثة، توشك أن تفضح عجز أميركا عن مواصلة الحرب ضد إيران دون توقف، بفعل تراجع مخزونات الذخائر والصواريخ لديها، وهكذا بات بوسع إيران مواصلة الحرب بتباطوء محسوب في إيقاعها، وبدورات توقف زمنية، تتيحها هدنات محسوبة يتظاهرخلالها الأطراف بالتفاوض، على جدول أعمال وإطار زمني لمفاوضات ما تكاد تنتهي، حتى يعيدها إلى ساحات القتال مجدداً، شغف ترامب بالحصول على هزيمة كاملة للخصم، ما عادت ممكنة، بفعل تحولات عميقة شهدتها العلاقات الدولية في نصف القرن الأخير.

 

بانتهاء كأس العالم، يتوقع دونالد ترامب أنه الوحيد فوق هذا الكوكب التعيس الذي يستطيع أن يقول كفى، فتتوقف الحرب، أو تتوقف مفاوضات إنهاءها، بينما يحاول الوسطاء العثور على فرص جديدة لمساومات قديمة، يتطلع البعض إلى إعادة ضخ الدماء في شرايينها مجدداً.

وحده دونالد ترامب من يستطيع إشعال الحرب، أو إخماد نيرانها، هكذا يرى هو ذاته، كلما طالع في مرايا البيت الأبيض، وهكذا أجاب حين سأله مراسل فوكس نيوز متى تتوقف الحرب؟! فالرجل اختزل كل شيء في الأزمة، وقال بثقة وهو ينظر في عيني مراسل فوكس نيوز: عندما أقول كفى!

وأضاف ترامب محذراً "سوف يصبح الأمر سيئاً للغاية بالنسبة لهم..سوف ندمر جميع محطات توليد الكهرباء الخاصة بهم. وسوف ندمر جميع جسورهم إذا لم يعودوا إلى الطاولة ويتفاوضوا".

 

المطلوب إذن لإنهاء المشهد الدموي المدمر على مسرح الشرق الأوسط بمضائقه وبممراته، بحقول نفطه وغازه، هو فقط تبني النهج الذي يقنع ترامب بأن لحظة "كفى" قد حانت، وهي مهمة بالغة التعقيد، ليس فقط بسبب عجز أي من الطرفين عن بسط رؤيته منفرداً على الإقليم، ولكن لأن بعض استحقاقات كفى تقع خارج النطاق الجغرافي للأزمة، فبعضها يقع الآن في اوكرانيا، وبعضها ينتهك بحضوره المباغت أجواء حرب تنتظر قرب بحر الصين وفوق مضيق تايوان.

كفى، بهذا المعنى، تبدو عصية على الحضور والانصراف، فهي تتحين وقتاً، وتختار ظرفاً، وتمتحن إرادة أو إرادات.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث