أظهرت نتيجة انتخابات حركة "حماس" لملء منصب رئيس مكتبها السياسي، بوصفه شاغراً منذ اغتيال يحيى السنوار قبل نحو سنتين، أن فوز خليل الحية بالمنصب حتى حلول الانتخابات الشاملة للحركة خلال الأشهر المقبلة، لم يكن "ساحقاً"، فالفارق عن منافسه خالد مشعل، لم يتجاوز صوتاً واحداً أو صوتين، وفق مصادر "المدن".
فوز بفارق ضئيل
وتعني هذه النتيجة أن المنافسة كانت على أشدها، لدرجة أن مجلس الشورى العام لـِ "حماس" المكون من نحو 70 عضواً ممثلاً للضفة وغزة والخارج وجهازها العسكري وسجون الاحتلال، اضطر لعقد جولة انتخابية ثانية لضمان نيل الفائز نسبة "50 في المئة + 1"، وهي الحد الأدنى لتحقيق الفوز بالانتخابات وفق النظام الداخلي للحركة.
وقالت مصادر من حماس لـِ "المدن"، إن الحية تجاوز في الدورة الأولى مشعل بفارق قليل جداً من الأصوات، لكنها كانت دون النسبة الضامنة للفوز؛ وذلك بعد أن قدم عدد من أعضاء مجلس الشورى "أوراقاً بيضاء" لدوافع متعددة، منها مطالبتهم بـِ "معايير منافسة" تتجاوز "المناطقية"، خصوصاً في ظل ما عدوها "ظروفا استثنائية وحساسة ومعقدة" تواجهها الحركة والمشهد الفلسطيني برمته. مع العلم، أن مصادر في حماس أفادت بحصول الحية على 35 صوتا مقابل 34 لخالد مشعل، أي بفارق صوت واحد، بينما قالت شخصيات مقربة من الحية، إن الفارق هو صوتان.
وأكدت مصادر "المدن" أن نقاشات في أطر مجلس الشورى، أدت إلى إقناع الأعضاء الذين وضعوا "أوراقاً بيضاء"، إلى التصويت لأحد المرشحين، وهو ما أدى إلى تحقيق نسبة الحسم المطلوبة للفوز، وإن لم يكن ساحقاً بالنسبة لخليل الحية. وبينت المصادر ذاتها، أن النقاشات الداخلية بعد الجولة الانتخابية الأولى التي جرت قبل نحو شهرين، كانت ضمن أسباب إطالة مدة الجولة الثانية للانتخابات، إلى جانب العامل الأمني والإجرائي. بمعنىً آخر، تمكنت الجولة الثانية لانتخابات حماس من أن تحقق توازناً بين المتنافسَين الحية ومشعل، وتراجع الأعضاء المحتجين بورقة بيضاء في الجولة الأولى، للتصويت لمصلحة أحد المرشحَين في جولة الإعادة الثانية.
الإعادة في انتخابات 2021.. أيضا!
لكن ممثل حركة "حماس" في القوى الوطنية والإسلامية جمعة الغول، قال لـِ "المدن"، إن فوز الحية بفارق صوت أو صوتين عن مشعل، لا يمثل استقطاباً حاداً بين تيارات أو أفكار أو أشخاص، إنما تأكيداً على العمل بروح النظام الداخلي للحركة، على صعيد تكريس المنافسة الحرة، مبيناً أن هذه الانتخابات التكميلية لملء الشواغر في كافة أطر الحركة، من القيادة الأدنى فالأعلى، خلفاً لتلك التي تم اغتيالها، كانت الأطول منذ نشوء الحركة؛ لأسباب أمنية معقدة بالدرجة الأولى، إضافة إلى أن الجولة الثانية للانتخابات بدت إجراءاتها كأنها أعيدت من الأول، وهي أمور جعلت من مرحلة انتخابات رئاسة المكتب السياسي للحركة، طويلة على نحو غير مسبوق منذ تأسيس حماس.
ونوه الغول إلى أن عقد أكثر من جولة انتخابية للحركة من أجل حسم الفائز برئاسة المكتب السياسي، ليس الأول في تاريخ الحركة، إذ اضطرت حماس في انتخابات عام 2021، أن تعقد 3 جولات؛ لحسم الفائز من بين المتنافسَين يحيى السنوار ونزار عوض الله، وهو ما أظهر تنافساً محتدماً بين الرجلين حينها. ولكن لا يُمكن الجزم إن كانت هذه النتائج المتعاقبة في السنوات الأخيرة، تعكس استنتاجاً معيناً بشأن طريقة التنافس والتوجهات داخل الحركة، ومروراً بالتقاطعات الإقليمية.
التوازنات الداخلية.. والإقليمية
بيدَ أن المتخصص بشؤون الفصائل الفلسطينية ثابت العمور، يرى في نتيجة انتخابات رئاسة المكتب السياسي لحماس، انعكاساً لحالة "توازن" بين رؤيتين تُكمل إحداها الأخرى، وليست "تناقضاً" أو "صراعاً" أو "استقطاباً" داخل الحركة، مضيفاً لـ"المدن"، أن الفارق بصوت واحد، يعني أنه لا استفراد بالقرار، وإنما هي ضمانة لقرار جمعي بالحركة، وأن رئيس المكتب السياسي بحاجة لمواءمة وملاءمة القرارات لضمان موافقة بقية أعضاء المكتب السياسي وكافة أطر الحركة.
وبشأن التأثيرات الإقليمية على الانتخابات، شدد العمور على أنه رغم وجود المحاور، لكن لا تأثير لها في حيثيات انتخاب رئيس المكتب السياسي لحماس، مشيراً إلى أن مصر على سبيل المثال، تفضل خليل الحية، لاعتبارات متعددة، وكان واضحاً في اتصال مدير المخابرات المصرية حسن رشاد بالحية لتهنئته بالفوز، لكن هذا لا علاقة له بالتأثير على نتيجة الانتخابات، وفق العمور.
الدورة الحالية قابلة للتمديد
وبينما يُفترض أن يكون استحقاق الانتخابات الشاملة لحماس مع حلول عام 2027، بموجب نظامها الداخلي، إلا أن مصدراً قيادياً من الحركة، أكد لـِ "المدن"، أن هذا المنصوص عليه في النظام الداخلي، لكنه لم يستبعد أيضاً سيناريو تمديد الدورة الحالية بقرار من مجلس الشورى؛ لأسباب متعددة، خصوصاً أن أروقة الحركة تشير إلى بدء الاستعدادات لإجراء الانتخابات بكافة أطرها بين عامي 2027 و2030، لا سيما وأن هذه الانتخابات تُعد عملية معقدة أمنياً وإجرائياً في الوضع الطبيعي أصلاً، وهي أكثر تعقيداً في الظروف الحالية.
مع ذلك، تُجمع أطر حركة حماس على أن الحية الفائز برئاسة الحركة، سيواجه تحديات وأسئلة كبيرة بشأن مستقبل الحركة وكيفية عبورها للمرحلة المعقدة، وسبل الترميم المطلوبة، مروراً بقطاع غزة والمشهد الفلسطيني برمته.




