عام على أحداث تموز الدامية: خريطة الطريق الثلاثية هي الحل

لؤي مريودالثلاثاء 2026/07/21
السويداء (Getty)
استعادة الاستقرار في السويداء ركيزة أساسية لتثبيت نموذج الدولة التعددية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شكل تاريخ 8 من كانون الأول/ ديسمبر 2024 منعطفاً جذرياً في التاريخ السوري الحديث؛ فمع صعود سلطة جديدة في دمشق برئاسة أحمد الشرع، وُضعت البلاد أمام أولويات معقدة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد الجغرافيا السياسية المجزأة. ومع ذلك، لم تكن طموحات الاستقرار بمنأى عن الهزات الارتدادية شرقاً وجنوباً، وإذا كان مشكلة الشرق قد تم تفكيكها ودخلت مرحلة الاندماج، تبقى محافظة السويداء (جبل العرب)، امتحاناً مصيرياً تداخلت فيه النزعات المحلية مع المخططات الإقليمية لتهديد سيادة الدولة الناشئة. ولفهم آليات التفاعل بين البنية التقليدية لهذا المجتمع وسلطة الدولة المركزية، وصولاً إلى الانفجار المسلح في منتصف تموز/ يوليو 2025، يتطلب تفكيكاً عميقاً للمرجعيات الروحية، والوقائع الميدانية، والاختراقات الخارجية التي حاولت تحويل الجنوب السوري إلى بؤرة اضطراب دائم.

 

البنية الاجتماعية والدينية للجبل 

لا شك أن نظام الأسد الأب والابن عملوا على تفكيك بنية المجتمع السوري وتعميق التناقضات بين السوريين لجعل الحكم أسهل وليكون هو مرجعية الجميع، وهذا الأمر ينطبق على كل سوريا ومنها محافظة السويداء حيث شهدت توترات بين المكومات عدة مرات قبل الثورة ومن ثم يتم الإصلاح فيما بينها لكن بقيت الخشية والتوجس موجودة.

ولكي يفهم السوريون الموقف شبه الجماعي لأبناء جبل العرب من أحداث تموز/ يوليو، لا بد من التوقف عند طبيعة البنية الاجتماعية والدينية التي تشكلت داخل مجتمع الموحدين في سوريا، والتي لعبت تاريخياً دوراً حاسماً في صياغة القرار المحلي وإدارة شؤون المحافظة. وخاصة عند الشعور بخطر خارجي يتهدد الطائفة، فتذوب كل التمايزات.

تعود الجذور التاريخية لهذه البنية إلى ما بعد معركة عين دارة عام 1711 بين القيسيين واليمانيين، حين انتقلت مجموعات من اليمانيين إلى جبل حوران، الذي عُرف لاحقاً بجبل الدروز ثم جبل العرب، حيث استقرت وأسهمت في تشكيل الهوية الاجتماعية والسياسية للمنطقة.

ويتميز مجتمع بني معروف بتنظيم اجتماعي وديني خاص، فبينما تضطلع مجموعة من العائلات التاريخية بإدارة الشأن الاجتماعي وحفظ التوازنات التقليدية داخل الجبل. كمرجعية الزعامة التاريخية للجبل دار عرى والباشوات بيت عامر ومرجعيات أخرى لها احترامها ك آل الهنيدي، وآل أبو فخر، وآل الحلبي، وآل القلعاني، وآل الشوفي، وهي بيوتات لعبت أدواراً محورية في التوازنات الاجتماعية وحل النزاعات وتعزيز التماسك الأهلي الداخلي.

أما المرجعية الدينية، مشيخة عقل طائفة المسلمين الموحدين الدروز فهي تتولى إدارة الشأن الديني وقامت تاريخياً على ثلاث مشيخات رئيسية تتوزع، وفق الأعراف المتوارثة، على المقارن الأربعة التي يقسم إليها الجبل، بما يحقق توازناً بين الامتداد الجغرافي والعشائري.

في المقرن الغربي تتصدر عائلة الهجري المشهد الروحي، وترتبط تاريخياً بمدينة قنوات، ويقودها اليوم الشيخ حكمت الهجري، الذي اكتسب حضوراً شعبياً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، ويمتد تأثيره إلى القرى الغربية والشمالية الغربية المحاذية لسهل حوران.

أما في مدينة السويداء ومحيطها، وصولاً إلى المقرنين الشرقي والشمالي، فتبرز مرجعية آل جربوع بقيادة الشيخ يوسف جربوع، وهي المرجعية التي ارتبطت تقليدياً بتمثيل الطائفة أمام مؤسسات الدولة في دمشق، مع الحفاظ على قنوات تواصل دائمة مع السلطة المركزية.

وفي المقرن الجنوبي، تتمركز مرجعية آل الحناوي بقيادة الشيخ حمود الحناوي، انطلاقاً من بلدتي سهوة البلاط ونميرة، ويشمل نفوذها قرى الجنوب حتى الحدود السورية الأردنية، مثل صلخد والقريّا وعرمان وملح والغارية، وتُعرف بدورها في تعزيز السلم الأهلي واحتواء الخلافات العشائرية.

ورغم هذا التوزع الجغرافي، فإن المرجعيات الثلاث تعمل ضمن إطار واحد هو الهيئة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين، حيث تقوم العلاقة بينها على التكامل أكثر من التنافس، وتتقاطع أدوارها مع الزعامة التاريخية للجبل التي تمثلها عائلة آل الأطرش في دار عرى، بما حافظ لعقود على توازن داخلي دقيق داخل المحافظة.

غير أن هذا التوازن دخل مرحلة جديدة مع مطلع عام 2025. ففي الأول من كانون الثاني، وبعد أقل من شهرين على سقوط النظام السابق، أعلن الشيخ حكمت الهجري والفصائل المسلحة المحيطة به رفضهم تسليم الأسلحة المتوسطة والثقيلة، كما رفضوا الانضمام إلى الجيش السوري الجديد الذي كانت الحكومة الانتقالية تعمل على إعادة تشكيله. وترافق ذلك مع الدعوة إلى إدارة ذاتية بصلاحيات واسعة وتبني نموذج لامركزي، إضافة إلى منع دخول إدارة العمليات العسكرية التابعة للحكومة الانتقالية إلى محافظة السويداء لتولي الملف الأمني.

 

قبل انفجار تموز

خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2025، تطور هذا الموقف إلى حراك سياسي وشعبي، وشهد إنزال العلم السوري في أكثر من مناسبة من مبنى المحافظة وعدد من المؤسسات الرسمية، واستبداله برايات ذات طابع فئوي، في خطوة عُدت تحدياً مباشراً لسلطة الدولة المركزية، ومؤشراً على تصاعد التوتر بين دمشق وبعض القوى المحلية في الجبل.

مع بداية شهر آذار/ مارس 2025، انتقلت الأزمة من مستواها المحلي إلى مستوى التدويل والارتباط المباشر بأجندات إقليمية؛ ففي الثاني من آذار، انطلقت قوافل لوجستية تحت لافتة "المساعدات الإنسانية" الإسرائيلية من الأراضي المحتلة عبر شريط وقف إطلاق النار مباشرة نحو عمق السويداء، وهي القوافل التي أكدت تقارير استخباراتية لاحقة أنها تجاوزت البُعد الإغاثي لتشمل معدات اتصال وأسلحة خفيفة. وفي الرابع من آذار، رُفع العلم الإسرائيلي لأول مرة بشكل علني ووسط حماية مسلحة في ساحات مدينة السويداء، تلاه في السادس من آذار خروج مظاهرات رُفعت فيها بكثافة صور الشيخ موفق طريف، شيخ عقل دروز إسرائيل، كرسالة سياسية تعكس عمق التنسيق العابر للحدود مع شخصيات ذات ارتباط وثيق بالمؤسستين الأمنية والسياسية في تل أبيب.

أمام هذه التطورات الخطيرة، حاولت المجموعات المسلحة المقربة من مرجعية قنوات والمنصات الإعلامية الداعمة لها ترويج سردية تبريرية تزعم أن "التحركات العسكرية والأمنية الذاتية في السويداء كانت مجرد رد فعل وقائي وتدابير حمائية خشية تكرار سيناريوهات العنف الطائفي التي شهدها الساحل السوري".

غير أن التحليل التوثيقي الصارم للتسلسل الزمني ينسف هذه السردية بالكامل؛ فأحداث العنف و في الساحل السوري الناتجة عن محاولة انقلاب حسب البيان الصادر عن الاتحاد الأوربي بدأت في ليلة 6 آذار/ مارس 2025 واستمرت على مدار الأيام القليلة التي تلتها، في حين أن كل الخطوات الإستراتيجية التي اتخذتها الفصائل في السويداء – من رفض تسليم السلاح وطرد إدارة العمليات في مطلع كانون الثاني، إلى إنزال علم الدولة طوال شهرين، وصولاً إلى دخول القوافل الإسرائيلية ورفع العلم الإسرائيلي وصور موفق طريف – هي أحداث موثقة سبقت تاريخياً وزمنياً اندلاع أحداث الساحل. هذا التلازم الزمني يقطع الشك باليقين بأن قرار الانفصال الميداني والارتباط بالخارج كان مساراً معتمداً ومخططاً له سلفاً، مع قسد والفلول ولم يكن وليد مخاوف أمنية طارئة أو رد فعل على أحداث الساحل وهذا ما أكده تقرير الواشنطن بوست 

 

حكم ذاتي للجبل

جاء اتفاق 5 أيار/ مايو 2025 (والذي عُرف بـِ "اتفاق البنود الخمسة") كمحاولة إسعافية عاجلة من الحكومة في دمشق ومرجعيات السويداء لتهدئة الأوضاع، بعد اشتباكات دامية شهدتها مناطق جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا بريف دمشق بين القوات الحكومية ومجموعات محلية.

ورغم إعلان محافظ السويداء بدء تطبيق الاتفاق، إلا أنه انهار سريعاً ولم يُكتب له النجاح على الأرض.

أبرز بنود اتفاق 5 أيار/ مايو 2025 (وثيقة البنود الخمسة)

نصت التفاهمات المبرمة بين الحكومة والهيئة الروحية (مشايخ العقل والوجهاء) على النقاط الأساسية التالية:

  • وقف إطلاق النار الفوري والشامل: إنهاء كافة الأعمال القتالية والعسكرية في جميع المناطق والبلدات التي شهدت توتراً (السويداء، جرمانا، صحنايا، وأشرفية صحنايا).
  • رفع الحصار وإعادة الحياة إلى طبيعتها: فك الأطواق الأمنية ونقاط التفتيش المتبادلة التي فرضتها الفصائل أو قوى الأمن، وإعادة فتح الطرقات فوراً.
  • تأمين طريق دمشق - السويداء الدولي: إسناد مسؤولية حماية الطريق الدولي وضمان سلامة المارين عليه بشكل مباشر وحصري لسلطة الدولة المركزية (وزارة الداخلية والأمن العام).
  • إدارة الأمن الداخلي بأيدي أبناء المحافظة: تفعيل دور قوى الأمن الداخلي (الشرطة) والضابطة العدلية داخل محافظة السويداء لمكافحة الفوضى والسرقات، على أن يتشكل هذا السلك من كوادر وأفراد من أبناء محافظة السويداء حصراً، ويتم التنسيق في إدارته بين مشايخ العقل الثلاثة، والمحافظ، ووزارة الداخلية.
  • تأكيد الهوية الوطنية ونبذ الانفصال: إصدار بيان صريح من المرجعيات يرفض مشاريع التقسيم أو الانسلاخ عن الدولة السورية، مقابل قيام دمشق بإطلاق سراح الموقوفين على خلفية الأحداث الأخيرة ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء.

 

لماذا لم يُطبّق الاتفاق؟ 

تحول الاتفاق سريعاً إلى ترتيب أمني هش بسبب التناقض الجذري في تفسير البنود بين أطراف الصراع:

معضلة السلاح والسيادة: أعلنت مشيخة العقل (وتحديداً الجناح المقرب من الهجري والفصائل المحلية) بشكل حازم بعد التوقيع: "سلاحنا كرامتنا.. ولم يُطرح موضوع تسليمه للحكومة". في المقابل، كانت دمشق ترى أن أي اتفاق لا يفضي في النهاية إلى حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك المظاهر المسلحة هو شرعنه لأمن ذاتي غير قانوني.

  • الرفض الفصائلي الضمني: وافقت مرجعيات مثل آل جربوع وآل الحناوي على الاتفاق لحقن الدماء وإنهاء الفوضى، بينما أبدت الفصائل المقربة من الشيخ حكمت الهجري (والتي شكلت لاحقاً النواة الصلبة لما سُمي بالحرس الوطني) تحفظاً كبيراً على دخول أي عناصر تتبع للأمن العام من خارج المحافظة، واعتبرت الاتفاق محاولة للالتفاف على مشروع "الإدارة الذاتية".
  • أزمة دمج المقاتلين: تعثرت المفاوضات اللوجستية اللاحقة حول آلية دمج المقاتلين المحليين؛ حيث طالبت الحكومة بدمجهم الفردي في سلك الدفاع والأمن، بينما أصرت الفصائل على البقاء ككتل مستقلة تدير أمن الجبل ذاتياً.

النتيجة: أدى عدم تنفيذ بنود هذا الاتفاق وبقاء السلاح المنفلت، إلى جانب استمرار عمليات الخطف المتبادلة على الهوية، إلى تجدد الاحتقان الذي انفجر بشكل أكثر دموية بعد شهرين فقط، وتحديداً في منتصف شهر تموز/ يوليو 2025 في حادثة حي المقوس الشهيرة.

 

أحداث تموز كيف بدأت 

 نتيجة لعدم تنفيذ بنود اتفاق أيار وبقاء السلاح المنفلت، إلى جانب استمرار عمليات الخطف المتبادلة على الهوية، وتجدد الاحتقان الذي انفجر بشكل أكثر دموية بعد شهرين فقط، حيث بدأت الأحداث السبت 12 تموز عندما تعرض تاجر خضار من أبناء السويداء (فضل الله دوارة) لعملية سلب مسلح واحتجاز شاحنته على طريق دمشق - السويداء الدولي من قِبل مسلحين. على إثر ذلك ردّت الفصائل والمجموعات المحلية في السويداء مساء يوم السبت بنصب نقاط تفتيش واحتجاز مواطنين وسيارات من أبناء العشائر كورقة ضغط لاستعادة الشاحنة المنهوبة.

وفي اليوم التالي أي يوم الاحد تطورت عمليات الخطف سريعاً إلى هجوم عسكري واشتباكات عنيفة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة وقصف متبادل تركز في حي المقوس (شرق المدينة)، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وقطع الطريق الدولي، وهي الحادثة التي كانت الفتيل لموجة العنف الواسعة التي شهدها الجنوب في منتصف ذلك الشهر وترحيل أبناء العشائر العربية من بيوتهم في حي المقوس.

إثر ذلك بدأت حملات تحشيد عشائرية (فزعات) في المحافظات السورية وبدأت بإرسال قوات الى محافظة السويداء. 

وصل هذا الاحتقان إلى نقطة الانفجار الشامل، إثر اشتباكات عنيفة اندلعت بين الفصائل المحلية المسلحة وعشائر البدو في أرياف المحافظة وحي المقوس، وشارك الطيران الإسرائيلي في قصف قوات العشائر وأيضا قصفت الطائرات الاسرائيلية قوات الجيش والأمن الداخلي السوري التي تدخلت لفرض حظر التجوال وفض النزاع، وهو ما تحول إلى مواجهات واسعة خلفّت كارثة إنسانية موثقة.

وفي تقريرها الشامل الصادر في آذار/ مارس 2026، وثقت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا" التابعة للأمم المتحدة مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح حوالي 200 ألف مدني، مؤكدةً أن الانتهاكات المرتكبة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفصّلت اللجنة العنف إلى ثلاث موجات؛ بدأت بصدامات مسلحة شملت القوات الحكومية ومسلحين عشائريين مع المجموعات المحلية، تلتها موجة ثانية شنت فيها الفصائل التابعة للهجري حملة تطهير وتهجير قسري واسعة استهدفت مدنيي العشائر والبدو نحو أرياف درعا عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت دمشق، وانتهت بموجة ثالثة من الهجمات الانتقامية المضادة التي شنها مقاتلو العشائر واستهدفت القرى الدرزية في المقارن المختلفة.

ومن جهتها، وثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" في حصيلتها المحدثة مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً وإصابة 903 آخرين، من بينهم 34 سيدة و20 طفلاً و6 من الكوادر الطبية واثنين من الإعلاميين.

 

التحليل الاستقصائي لصحيفة الواشنطن بوست

لم يكن حجم هذا التصعيد العسكري ليتسع لولا وجود شريان إمداد خارجي مستمر، وهو ما كشف عنه التحقيق الاستقصائي الموسع لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية المنشور في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2025. واستناداً إلى مقابلات مع 20 مسؤولاً استخباراتياً وعسكرياً من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول غربية، حيث خلص الصحيفة الى الكشف عن مثلث تنسيق سري يربط بين إسرائيل وتنظيم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في شمال شرق سوريا لدعم وتسليح وتمويل فصائل الشيخ حكمت الهجري في السويداء.

ووفقاً للتقرير، حوّلت السلطات الإسرائيلية مبلغ 500 ألف دولار أميركي مباشرة عبر تنظيم "قسد" الذي تولى نقله إلى القيادة العسكرية التابعة للهجري تحت غطاء دعم مجالس الإدارة الذاتية، إضافة إلى تحويل مبلغ 24 ألف دولار بشكل خاص إلى قيادي ميداني عبر خطوط الإمداد ذاتها، فضلاً عن تكفل تل أبيب بدفع رواتب شهرية ثابتة تتراوح بين 100 إلى 200 دولار لنحو 3000 مقاتل محلي لضمان جاهزيتهم الدائمة.

وعلى الصعيد العسكري، كشفت الصحيفة أن الأسلحة المرسلة للفصائل شملت كميات ضخمة من البنادق والذخائر ومعدات الرؤية الليلية التي صادرها الجيش الإسرائيلي من جبهات غزة ولبنان (حماس وحزب الله) لإخفاء البصمة الإسرائيلية المباشرة، إلى جانب صواريخ متطورة مضادة للدروع تم نقلها عبر مناطق سيطرة "قسد"، وتزويد الفصائل ببيانات أقمار صناعية حية لرصد تحركات الجيش السوري.

والأخطر من ذلك، تأكيد مسؤول في تنظيم "قسد" أن معسكرات التنظيم في الحسكة ودير الزور استقبلت على مدار أشهر مجموعات من مقاتلي السويداء، حيث خضعوا لدورات عسكرية مكثفة قبل إعادتهم إلى الجنوب.

كشف تحقيق الصحيفة الأميركية أيضاً أن الطموحات الفصائلية تجاوزت فكرة الإدارة الذاتية إلى مشاريع تقسيمية أوسع؛ حيث أعدّ الشيخ حكمت الهجري خرائط جغرافية متكاملة لإنشاء دولة درزية مستقلة أطلق عليها في كواليس النقاشات اسم "دروز ستان"، تهدف إلى تمديد حدود الإقليم شرقاً عبر البادية ليصل إلى الحدود العراقية لتأمين منفذ بري وخارجي. وهو ما عززه الهجري علناً في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في كانون الثاني/ يناير 2026، معلناً أن سوريا تتجه نحو التقسيم ومطالباً بإقليم درزي مستقل كامل السيادة.

إلا أن مسؤولي الاستخبارات الأميركية أكدوا لـِ "واشنطن بوست" أن إسرائيل لم تكن جادة في دعم إنشاء دولة "دروز ستان"، بل كانت رؤيتها الإستراتيجية تقوم على استخدام السويداء كـَ "منطقة اضطراب دائم واستنزاف مستمر" لبنية الدولة السورية الناشئة في دمشق، ومنع استقرار الحكومة الانتقالية، وهو ما أثار إحباطاً أميركياً كبيراً اعتبر السلوك الإسرائيلي تقويضاً لجهود الاستقرار الدولي.

 

الطريق إلى الحل

أثبتت نتائج الصدامات الدامية وفشل الرهانات الانفصالية أن المضي قدماً في خيارات الحسم العسكري الأحادية دونه عقبات أمنية وتكلفة بشرية باهظة، كما أن استمرار الفصائل المحلية في الارتهان للمشاريع الإقليمية المشبوهة يعني تحويل المحافظة إلى بؤرة فقر وعزلة وحرب أهلية دائمة مع المحيط الجغرافي والعشائري. ومن هنا، تبرز خارطة الطريق الثلاثية التي تضم (الولايات المتحدة الأميركية، الدولة السورية، والمملكة الأردنية الهاشمية) باعتبارها المقاربة الاستراتيجية الوحيدة القادرة على تفكيك هذه الأزمة المعقدة وإنتاج حل مستدام، نظراً لتداخل أوراق القوة التي يمتلكها هذا المثلث.

تعتبر المملكة الأردنية الهاشمية متأثرة بشكل مباشر من وضعية الجنوب السوري، حيث يهدد غياب السيادة القانونية أمنها القومي عبر خطر تدفق موجات لجوء جديدة، وتحول المنطقة إلى ممر مفتوح لتهريب المخدرات والأسلحة، وتهديد أمن العشائر الممتدة عبر الحدود. ويمتلك الأردن، بفضل علاقاته التاريخية المتوازنة مع كافة المكونات الاجتماعية في السويداء ودرعا من مرجعية آل الأطرش وآل جربوع وآل الحناوي ووجهاء العشائر، القدرة على لعب دور الوسيط والضامن الإقليمي لرعاية مصالحة مجتمعية شاملة تنهي آثار تداعيات معارك تموز 2025، وتضمن عودة آمنة وكريمة لعشائر البدو المهجرين إلى قراهم وأراضيهم.

أما بالنسبة للحكومة في دمشق، فيمثل استعادة الاستقرار في السويداء دون الانجرار إلى حروب استنزاف ركيزة أساسية لتثبيت نموذج الدولة التعددية الجامعة. وتملك دمشق الورقة القانونية المتمثلة في تطوير "قانون الإدارة المحلية" لتقديم صيغة مرنة تمنح أبناء المحافظة الصلاحيات الكاملة لإدارة شؤونهم الاقتصادية والخدمية بشكل مستقل، وتشكيل قوى أمن داخلي ومدني (شرطة محلية) تتألف حصراً من أبناء المحافظة لحفظ الأمن، مقابل التزام المكونات المحلية بالتفكيك الكامل لكافة الأجسام العسكرية غير الشرعية، وتسليم المعابر الرسمية والحدود الدولية لسلطة الدولة المركزية، وإعادة رفع العلم الوطني السوري فوق كافة المؤسسات كرمز وحيد للسيادة.

وفي هذا السياق، تمتلك الولايات المتحدة الأميركية أوراق الضغط الإستراتيجية الأقوى لفرض وإنجاح هذه الخارطة؛ فهي الجهة الدولية الراعية لتنظيم "قسد" في شمال شرق سوريا، وتستطيع ممارسة ضغط حاسم لإجباره على الوقف الفوري والشامل لكافة قنوات التمويل والتدريب وتمرير السلاح الموجه لفصائل السويداء وتفكيك هذه الشبكات العابرة للمحافظات. كما أن الإدارة الأميركية هي الطرف الدولي الوحيد القادر على لجم التحركات الإسرائيلية، ومنع تل أبيب من تقديم الدعم العسكري واللوجستي للمشاريع التقسيمية التي تهدد وحدة البلاد وتفتح الباب أمام عودة التنظيمات المتطرفة.

إن صيانة وحدة التراب السوري وحماية الخصوصية الاجتماعية والدينية لمحافظة السويداء لا يمكن أن تتحقق عبر السلاح المنفلت أو الدويلات الوهمية، بل عبر العودة إلى مظلة السيادة الوطنية وتفعيل القوانين اللامركزية الإدارية. وتظل خارطة الطريق الثلاثية (الأميركية - السورية - الأردنية) هي المخرج العقلاني الوحيد لإنهاء التدخلات الخارجية، وضمان الأمن الإقليمي، ونقل الجنوب السوري من مربع الاضطراب والتمزق الأهلي إلى مربع الاستقرار والتنمية المستدامة الشاملة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث