اتفاق غزة ليست الخطة "ب" بل "د" ماينس

ماجد عزامالثلاثاء 2026/07/21
Image-1775842843
فلسطين تحتاج لتصور وطني موحد لتنفيذ الاتفاق "كاملاً" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كنا سباقين بالإشارة إلى اتجاه الأوضاع في قطاع غزة نحو تنفيذ الخطة "د"، التي أسمتها وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بعد ذلك، بالخطة "ب". بالحقيقة، تحدثنا عن الخطة "د"، لامتلاك إسرائيل خطتين "ب" و"ج"، مع موقف واضح بعدم تنفيذ الاتفاق بأمانة ونزاهة، وفق ما يُعرف بالخطة "أ". وأمام رفض الراعي والعراب الأميركي والوسطاء للخطط الإسرائيلية العدوانية والانتهازية، اتجهت الأمور نحو الخطة "د"، كما شرحنا هنا الأسبوع الماضي.

 

الحفاظ على الوضع الراهن

غير أن تطورات الأيام الماضية، بما في ذلك اجتماع الدول المانحة لفلسطين في بروكسل، بمشاركة المكتب التنفيذي لمجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، أظهرت، ضمن أسباب وعوامل سنفصلها لاحقاً، أن الأمور تتجه بالحقيقة نحو "د" ماينس، مع التذكير أن الخطة "أ" تضمنت تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بحذافيره، بكافة مراحله، وصولاً إلى الثالثة المنسية المتعلقة بإنهاء الانقسام وتوحيد غزة والضفة الغربية تحت سلطة وقيادة جديدة، على الطريق نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.

وبينما امتلكت إسرائيل الخطة "ب" بالعودة للحرب، كما شهدناها خلال العامين 2023-2025، بوجود مشاريع حربية جاهزة على أعتاب الانتخابات العامة، وأمام الرفض الأميركي، امتلكت، بل حبذت، إسرائيل الخطة "ج"، التي يتمثل هدفها الأساسي، رغم التضليل الدعائي المعاكس، في الحفاظ على الواقع الراهن بقطاع غزة، وضمان سيطرتها على ثلاثة أرباع مساحته، وحصر الغزيين في الربع المتبقي، وإعادة طرح مشاريع التهجير القسري تحت مسميات مختلفة.

هذا الخيار رفضته الإدارة الأميركية والوسطاء ومجلس السلام بقيادة الثنائي نيكولاي ميلادينوف وتوني بلير؛ لذلك تم طرح الخطة "د"، المتضمنة تنفيذ الاتفاق جزئياً بالمناطق ضمن الخط الأصفر، وإقامة خمس تجمعات سكانية فيها تحت سيطرة اللجنة الإدارية، تمهيداً لفرض سيطرتها على كامل القطاع. لكن، في الأيام والساعات الماضية، بتنا أمام "د" ماينس، مع نية لإقامة تجمع سكاني واحد بمدينة رفح، ثم التوقف انتظاراً لمآلات الانتخابات الإسرائيلية والحرب الأميركية المتجددة ضد إيران.

إذن، كنا سباقين بالإشارة إلى اتجاه الأمور بغزة نحو تنفيذ الخطة "د" من اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما أسمته وسائل الإعلام العربية والدولية خلال الأيام الماضية بالخطة "ب"، علماً أن إسرائيل، بعد أن تعمدت عدم تنفيذ الاتفاق وفق الخطة "أ"، وضعت خطتين "ب" و"ج"، لكن لم تسمح لها الإدارة الأميركية والوسطاء، وحتى المكتب التنفيذي لمجلس السلام، بالمضي قدماً فيهما، وهذا ما مهد الطريق نحو الخطة "د"، قبل أن نصل، خلال الأيام والساعات الماضية، إلى "د" ماينس.

بتفصيل أكثر، لحظت الخطة "أ" تنفيذ الاتفاق كاملاً بمراحله الثلاث، التي تضمنت وقف إطلاق النار والحرب بشكل دائم، وتبادل الأسرى، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، وانسحاب إسرائيل إلى ما أسمته الخط الأصفر، وهو 53 بالمائة من مساحة القطاع، عند الشروع بالتنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

 

مرحلة شبه منسية

أما المرحلة الثانية، فتضمنت تشكيل مجلس السلام والمؤسسات والهيئات المرتبطة به، بما في ذلك مكتبه التنفيذي، وقوة الاستقرار الدولية، واللجنة الإدارية، ونزع "تجميد - تخزين" السلاح، وانسحاب إسرائيل، بالتوازي، تدريجياً إلى المحيط الأمني، والمنطقة العازلة، ثم نهائياً، مع فرض اللجنة سيطرتها التامة مدنياً وأمنياً وإدارياً في غزة.

جرى تحديد عامين كتفويض زمني للجنة، حسب نص الاتفاق، ابتداءً من شرعنته أممياً بمجلس الأمن عبر القرار 2803، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.

تضمن الاتفاق كذلك مرحلة ثالثة شبه منسية، لحظت فرض السلطة الموحدة المتجددة سيطرتها على الضفة وغزة، على الطريق نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.

تعثر تنفيذ الخطة "أ" مع انتهاكات إسرائيل المتعمدة، وعدم الوفاء باستحقاقات المرحلة الأولى حتى الآن تسعة أشهر على إعلان الاتفاق - التي تضمنت إغراق غزة بالمساعدات الإنسانية، وفتح المعابر أمام حرية الحركة للمواطنين والبضائع ومستلزمات التعافي المبكر والإيواء العاجل، ثم تعثر تنفيذ المراحل التالية، رغم تشكيل مجلس السلام والهيئات المرتبطة به، والإعلان نظرياً عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تعثرت أمام مفاوضات نزع تجميد السلاح، وترتيبات وتفاصيل الحكم الإدارية والمدنية والأمنية، وهو ما استغلته إسرائيل للتنصل من الخطة "أ" والاتفاق برمته، الذي لم تلتزم به أصلاً.

في الحقيقة، امتلكت إسرائيل خطتين، لا واحدة فقط، "ب" و"ج". تضمنت الأولى العودة إلى الحرب، كما شهدناها بالعامين 2023-2025، أي إبادة وقتلاً وتهجيراً وتجويعاً، مع الزعم بامتلاك مشروع جاهز لنزع السلاح بالقوة القهرية عبر احتلال كامل قطاع غزة.

أما الخطة "ج"، فهي، برأيي، الهدف الأساسي لبنيامين نتنياهو والمؤسسة العسكرية، رغم الخطاب الدعائي المعاكس، فتتضمن الحفاظ على الواقع الراهن، والقضم التدريجي، لفرض السيطرة العملياتية على ثلاثة أرباع مساحة القطاع، مع حشر مليوني فلسطيني في المساحة المتبقية -100 كم تقريباً- بأوضاع إنسانية مأساوية وكارثية، ووضعهم أمام خياري الموت البطيء أو الهجرة القسرية، وإظهارها طوعية تحت مسميات مختلفة، من قبيل حرية التنقل وحق التنقل والسفر، وما إلى ذلك.

وعليه، عمل المكتب التنفيذي لمجلس السلام، بقيادة الثنائي نيكولاي ميلادينوف وتوني بلير، "واسع التأثير والنفوذ"، على الخطة "د" وتنفيذ الاتفاق، ولو جزئياً، "لإبقائه حياً على المدى الطويل، ولو بغرفة الإنعاش"، بالمناطق الواقعة ضمن الخط الأصفر، بعد الانسحاب الإسرائيلي من نصفها على الأقل، وانتشار آلاف الجنود من قوة الاستقرار الدولية -4 إلى 5 من أصل 20 ألفاًواللجنة الوطنية بأجهزتها الإدارية والأمنية وشرطتها الجديدة، وبناء مجمعات سكنية جاهزة بالبنية التحتية اللازمة: مدارس، ومستشفيات، ودور عبادة، ومراكز اجتماعية ورياضية، وتنفيذ ما يمكن تسميتها ميني إعادة إعمار.

كما لحظت الخطة إقامة خمس تجمعات سكانية "مئات الآلاف"، تتوسع من رفح جنوباً إلى محافظات بيت لاهيا وبيت حانون شمالاً، مروراً بخان يونس والوسطى ومدينة غزة، مع إطلاق مسميات مختلفة عليها، من قبيل غزة الجديدة، الشرقية، والخضراء، وما إلى ذلك.

 

تجمع سكاني وحيد

تعثرت هذه الخطة لحزمة أسباب سياسية واقتصادية وأمنية، مع الانشغال المتجدد بالحرب الأميركية ضد إيران، ورفض حماس والفصائل وحتى السلطة الفلسطينية، والحاجة لتمويل بمليارات الدولارات، وتعثر تشكيل قوة الاستقرار الدولية والشرطة الجديدة التابعة للجنة الإدارية، لنفس المعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية سالفة الذكر.

أمام هذه الوقائع والمستجدات، وخلال الأيام والساعات القليلة الماضية، وعلى هامش اجتماعات الدول المانحة لفلسطين في بروكسل، جرى التفكير في اختصار الخطة لتصبح "د" ماينس، والاكتفاء بتجمع سكاني وحيد برفح، يضم آلافاً قليلة، مع تقليص مماثل لكل الاحتياجات الأخرى المتعلقة بها.

في هذا السياق، لا بأس من التذكير أن الخطة "د" كانت، ولا تزال، خطيرة، سواء كاملة بلس أو حتى ماينس، كونها تشرعن الواقع الراهن، ولو بمسميات مختلفة، والانقسام السياسي الجغرافي الفلسطيني، حتى داخل غزة نفسها، وتكريس سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من القطاع، وتأجيل عمليات التعافي المبكر وإعادة الإعمار بشكل جدي، لا اسمي وحركي ودعائي فقط.

في الأخير، كنا، ولا نزال، بحاجة إلى تصور وطني فلسطيني موحد لتنفيذ الاتفاق "كاملاً"، باعتباره الوحيد المطروح على الطاولة، بينما باقي الخيارات كارثية، وهذا ما يقتضي، بالضرورة، التوافق على تشكيل قيادة موحدة، واعتبار الانتخابات القادمة، "على علاتها"، مدخلاً لترتيب البيت الوطني بكافة جوانبه، وإلا فالمخاطر جدية وكبيرة، وربما تصل حتى إلى اختفاء الأراضي الفلسطينية تحت وطأة الممارسات والجرائم الإسرائيلية، وفق الصرخة المدوية لشخصيات وقامات سياسية وقانونية مرموقة، كما جاء في بيان رئيسة أيرلندا السابقة ماري روبنسون، ورئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة هيلين كلارك، مع دعوة "لوضع حد لإفلات إسرائيل من العقاب"، وهي المهمة والمسؤولية المنوطتان بقيادتنا الجديدة، مع تقبل ودعم العالم لقضيتنا وروايتنا العادلة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث