قالت وكالة "رويترز" في تقرير لها، اليوم الاثنين، إن المعارضة لرجال الدين الذين يحكمون إيران ظلت تتصاعد ببطء منذ فترة طويلة في جنوب البلاد الفقير، لكن بعد أن تحمل سكان المناطق الجنوبية وطأة الضربات الأميركية هذا الشهر، يوجه كثيرون منهم الآن غضبهم نحو الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحملة الجوية التي يقولون إنها قلبت حياتهم رأساً على عقب.
ولا يزال جنوب إيران المطل على مضيق هرمز هدفاً رئيسياً للهجمات الأميركية على الموانئ ومنشآت الطاقة والبنية التحتية للنقل، وتقول واشنطن إن الغارات تهدف إلى الحد من قدرة إيران على تهديد الملاحة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، بينما تقول طهران إنها تتجاوز كثيراً الأهداف العسكرية المشروعة.
وأجرت "رويترز" مقابلات مع ما يزيد على 20 من سكان جنوب إيران سواء عبر الهاتف أو تطبيقات المراسلة، واتفق معظمهم على أن الضربات تجاوزت الأهداف ذات الغرض العسكري الواضح.
وقال أمين، الذي يدير منزلاً صغيراً لاستضافة السياح في الجنوب، "دمر ترامب حياتنا أكثر مما فعل الحكام الإسلاميون"، مؤكداً أن الغارات الأميركية كانت سبباً في تفاقم الصعوبات الاقتصادية التي يواجهونها.
وعلى الرغم من العداء طويل الأمد تجاه حكومة طهران في العديد من الأقاليم الجنوبية، وأيضاً بين بعض الأقليات العرقية المهمشة في إيران، لم يقل أي ممن تحدثت إليهم "رويترز" إن الصراع أدى إلى تزايد التأييد لاندلاع احتجاجات جديدة مناهضة للحكومة.
لا موجة جديدة من الاضطرابات
ويقول أمين "أشعر وكأنني أختنق"، ويساعد هذا الإحباط من تبعات الضربات في تفسير السبب في أن الحرب لم تؤد إلى مزيد من الاضطرابات، حتى في الأقاليم المعروفة بالاحتجاجات المناهضة للحكومة، وهو ما كان ترامب يأمل في أن يحدث عند بداية الصراع.
وعلى غرار غيره من الإيرانيين الذين تحدثت إليهم "رويترز"، طلب أمين عدم نشر اسم عائلته خوفاً من الانتقام.
وقال رضا (62 عاماً)، وهو محارب قديم شارك في الحرب الإيرانية العراقية التي دارت من 1988 إلى 1989، إن ابنه تعرض للاعتقال خلال الاحتجاجات الجماهيرية في كانون الثاني/ يناير وإنه لم يعد يتحمل حكم رجال الدين، لكنه لا يزال مستعداً لقتال الولايات المتحدة.
وأضاف المعلم المتقاعد من منزله في عبادان بإقليم خوزستان الجنوبي الغربي "إذا احتاجتني بلادي، فسأحمل السلاح مرة أخرى، ليس من أجل هذا النظام بل من أجل التربة التي تحت قدمي، هذا أقل ما أدين به لها".
ومن بين سكان الجنوب الذين تحدثت إليهم "رويترز" أشخاص شاركوا في موجات احتجاجية سابقة وصفوا أنفسهم بأنهم معارضون للنظام الحاكم، لكن لم يقل أحدهم إنه يؤيد عودة الاضطرابات في الوقت الحالي.
ولم يعبر في الوقت ذاته سوى قلة قليلة عن دعمهم لحكام إيران، وهو ما قد يكون مؤشراً على مشكلات مستقبلية لحكومة طهران؛ إذ تخشى القيادة الدينية من أن يؤدي استمرار الصعوبات الاقتصادية لفترة طويلة إلى زيادة غضب قاعدتها الأساسية من الإيرانيين ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، لا سيما إذا ظل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب أمراً بعيد المنال.
تذمر في أقاليم الأقليات العرقية
وتشكل أقاليم هرمزجان وبوشهر وخوزستان وسستان وبلوشستان في جنوب إيران منطقة كبيرة ومتنوعة تمتد على طول ساحل رطب ووعر يمتد من العراق إلى باكستان.
وتعد خوزستان موطناً لأقلية عربية كبيرة، فيما تضم سيستان وبلوشستان أقلية بلوشية عرقية في إيران، وكذلك يقطن هرمزجان أقلية دينية سنية، وهي جماعات عبرت مراراً عن شكواها من التمييز في الجمهورية الإسلامية ذات الأغلبية الفارسية والشيعية.
وتعارض الأقليات في إيران، والتي تشمل أيضاً الأكراد في الغرب والأذريين في الشمال الغربي والتركمان في الشمال الشرقي، حكم رجال الدين المستمر منذ عشرات السنين.
وتمتد الشكاوى من مطالب تتعلق بالحق في استخدام اللغة الأم لكل عرقية في المدارس والمحاكم، وصولاً إلى الاعتراض على سياسات ألحقت أضراراً بمجتمعاتهم المحلية وفاقمت المشكلات الصحية وغيرها من أوجه الرعاية.
تفاقم أزمات الطاقة والخدمات
ورغم أن معظم النفط والغاز الإيرانيين موجودان في الجنوب، يشكو سكان المنطقة من ضعف الاستثمارات وقلة الفرص وتردي الخدمات الحكومية لدرجة أن شبكات الكهرباء تتعطل خلال فصل الصيف شديد الحرارة، مما يجعلهم عرضة للقيظ دون أي متنفس.
وقال صاحب متجر بقالة في خوزستان يدعى هادي "فاقمت الهجمات الأميركية مشاكلنا، انقطاع الكهرباء لساعات يعني انقطاع المياه ساعات أيضاً في هذا الحر".
وأضاف "أحب إيران، لا الجمهورية الإسلامية ولا أولئك الذين يدعون إلى استمرار الحرب، وهم جالسون في منازلهم ومكاتبهم المكيفة، لا بد لهذه الحرب أن تتوقف. لقد طفح الكيل".
وتنفي السلطات وجود أي تمييز على أساس المناطق أو العرق أو الدين، وكانت بعض المناطق الجنوبية مراكز نشطة للمعارضة خلال الاحتجاجات الحاشدة المناهضة للحكومة في كانون الثاني/ يناير وخلال موجات احتجاج سابقة في عامي 2019 و2022.
وأصبحت انقطاعات التيار الكهربائي مصدراً مفاقماً للمعاناة لا سيما في الأقاليم التي ترتفع فيها درجات الحرارة خلال الصيف بانتظام إلى ما يزيد عن 40 درجة مئوية، مما يبقي العائلات بدون مكيفات الهواء ويعطل إمدادات المياه التي تعتمد على المضخات الكهربائية.
وقال الطالب صمد، من بوشهر التي تضم محطة الطاقة النووية الإيرانية الوحيدة العاملة، إنه لم يكن باستطاعته التركيز على امتحاناته بسبب الهجمات الليلية، مستدركاً بالقول: "كنتُ أريد الحرية، ولكن انظروا ماذا جلب لنا ترامب".




