تولى آندي بورنم، اليوم الاثنين، رئاسة الحكومة البريطانية خلفاً لكير ستارمر الذي قدم استقالته إلى الملك تشارلز الثالث، منهياً عامين في رئاسة الوزراء، بعد ضغوط سياسية متزايدة داخل حزب العمال وتراجع شعبية الحكومة، في انتقال للسلطة يفتح مرحلة جديدة يتعهد فيها رئيس الوزراء الجديد بإحداث "أكبر تغيير تشهده بريطانيا منذ 40 عاماً".
وكلف الملك تشارلز الثالث بورنم بتشكيل الحكومة الجديدة، قبل أن يتوجه إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت، حيث ألقى أول خطاب له متعهداً بخطة وطنية تمتد لعشر سنوات، وإجراءات سريعة لمعالجة أزمة تكاليف المعيشة، وإنهاء ظاهرة النوم في الشوارع، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، مع التأكيد على استمرار الدعم البريطاني لأوكرانيا.
استقالة ستارمر بعد عامين في الحكم
وجاء انتقال السلطة بعدما أعلن ستارمر استقالته من رئاسة الحكومة وقيادة حزب العمال، معترفاً بأنه لم يعد الشخص الأنسب لقيادة الحزب في المرحلة المقبلة، وذلك بعد أقل من عامين على فوز العمال الساحق في انتخابات 2024.
وتعرض ستارمر خلال الأشهر الماضية لضغوط متزايدة داخل الحزب بسبب تراجع شعبية الحكومة والنتائج المخيبة في الانتخابات المحلية، إضافة إلى تصاعد المخاوف من تنامي شعبية حزب "الإصلاح البريطاني" بزعامة نايجل فاراج.
وغادر ستارمر مقر رئاسة الوزراء بعد تقديم استقالته رسمياً إلى الملك، معرباً عن فخره بما حققته حكومته، ومؤكداً دعمه الكامل لخلفه.
بورنم: البريطانيون سئموا السياسة
واستهل بورنم خطابه الأول بالإقرار بحجم فقدان الثقة بين المواطنين والسياسيين، قائلاً إنه يدرك أنه سادس شخص يدخل مقر رئاسة الحكومة خلال عشر سنوات، وإن البريطانيين "سئموا السياسة". وأضاف أن جيله من السياسيين "لم يكن جيداً بما فيه الكفاية"، داعياً إلى رفع مستوى الأداء السياسي وإعادة الاستقرار إلى البلاد.
وأكد أن حكومته ستجعل من هذه المرحلة "لحظة فاصلة لبريطانيا"، عبر إطلاق أكبر برنامج للتغيير منذ أربعة عقود، يقوم على التعاون وحل المشكلات، ونقل مزيد من الصلاحيات من الحكومة المركزية إلى المدن والأقاليم.
كما أعلن عزمه تقديم "خطة لبريطانيا" تمتد لعشر سنوات في وقت لاحق من العام الجاري، تتضمن إعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح الخدمات العامة، وتوسيع الاستثمار في الإسكان والرعاية الصحية والتعليم والتدريب المهني.
إنهاء التشرد أول قرار
وأعلن بورنم أن أول تعليماته بعد دخوله مقر الحكومة ستكون العمل على إنهاء ظاهرة النوم في الشوارع في مختلف أنحاء بريطانيا، وهي القضية التي جعلها محوراً أساسياً خلال توليه رئاسة بلدية مانشستر الكبرى.
وبعد دقائق من تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة تخصيص 340 مليون جنيه إسترليني من الأموال غير المخصصة في موازنة وزارة الإسكان لتمويل برنامج يمتد خمس سنوات، يستهدف مساعدة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص من المشردين المزمنين، إلى جانب البدء بشراء مساكن مناسبة لهم.
وكان بورنم قد تعهد خلال توليه رئاسة بلدية مانشستر الكبرى بإنهاء النوم في الشوارع بحلول عام 2020، إلا أن الأزمة السكنية وارتفاع الإيجارات أديا إلى ارتفاع الأعداد مجدداً بعد انخفاضها في السنوات الأولى.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد الأشخاص الذين ينامون في شوارع إنجلترا بلغ 4 آلاف و793 شخصاً خلال الصيف الماضي، وهو أعلى مستوى مسجل.
تسريع الإصلاحات
ويأتي وصول بورنم إلى السلطة في وقت تتطلع فيه قيادات حزب العمال إلى أسلوب حكم مختلف عن نهج ستارمر، الذي تعرض لانتقادات بسبب بطء اتخاذ القرار واعتماده على اللجان والاستشارات والإجراءات القانونية.
وكان ستارمر قد أقر قبل استقالته بأن أكبر إحباط واجهه في رئاسة الحكومة هو "بطء الإنجاز"، معتبراً أن الحكومات المتعاقبة راكمت الإجراءات والهيئات والاستشارات إلى حد أعاق قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سريعة.
وفي المقابل، قال بورنم إنه سيتحرك "بسرعة أكبر"، فيما توقعت وزيرة الثقافة السابقة ليزا ناندي أن تكون حكومته "أكثر جرأة وسرعة" من حكومة ستارمر.
ورأت صحيفة "الغارديان" أن بورنم يحاول تقديم نفسه كزعيم مستعد لتحمل المخاطر السياسية واتخاذ قرارات مباشرة، بخلاف ستارمر الذي وُصف بأنه كان يميل إلى الحذر والإجراءات المطولة، سواء في ملف الرعاية الاجتماعية أو في تعامله مع القضايا الدولية، ومنها الحرب في غزة.
الرعاية الاجتماعية واختبار التمويل
ويضع بورنم إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية في مقدمة أولوياته، متعهداً بإنفاق "رأس مال سياسي" لإنجاز إصلاحات طال انتظارها، بعدما أحالت حكومة ستارمر الملف إلى لجنة مستقلة لن تقدم توصياتها النهائية قبل عام 2028.
غير أن الصحيفة تشير إلى أن العقبة الأساسية أمام الحكومة الجديدة ليست الإرادة السياسية، بل التمويل، إذ إن جميع مقترحات إصلاح الرعاية الاجتماعية، بما فيها تحسين الخدمات، ووضع سقف للتكاليف، وزيادة أجور العاملين، تحتاج إلى إنفاق حكومي إضافي. كما سيواجه بورنم اختباراً مبكراً في كيفية تمويل وعوده، وسط ضغوط على المالية العامة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
خفض فواتير الطاقة
ومن بين الأفكار المطروحة داخل فريق بورنم الاقتصادي، اعتماد نظام جديد لدعم الطاقة يقوم على تخفيض أسعار الكهرباء والغاز حتى مستوى معين من الاستهلاك، بدلاً من دعم جميع الاستهلاك المنزلي.
ويقترح الاقتصادي مايكل جاكوبس، أحد مستشاري بورنم غير الرسميين، تمويل هذه الخطة عبر رفع الضريبة على الأرباح الرأسمالية لتصبح مماثلة لضريبة الدخل، بدلاً من اللجوء إلى الاقتراض.
وترى "الغارديان" أن هذه الخطوة قد توفر دعماً سريعاً لمعظم الأسر البريطانية، لكنها قد تواجه معارضة من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال.
استمرار دعم أوكرانيا
وفي أولى رسائله الخارجية، أكد بورنم أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سيكون أول زعيم أجنبي يتواصل معه، إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال إن بريطانيا ستواصل دعم أوكرانيا "بشكل كامل"، مضيفاً أنه سيبلغ زيلينسكي بأن "لا شيء سيتغير" في موقف لندن، وأن الدعم البريطاني سيظل "راسخاً وحازماً"، كما كان في عهد ستارمر. وأوضح أنه عمل خلال السنوات الماضية مع رؤساء بلديات أوكرانيين، وأن هذه الخبرة سترافقه إلى رئاسة الحكومة.
تحديات مبكرة
ورغم الوعود بإطلاق مرحلة جديدة، يواجه بورنم تحديات كبيرة منذ يومه الأول، في مقدمتها أزمة تكاليف المعيشة، وضغوط المالية العامة، وتمويل إصلاحات الرعاية الاجتماعية والإسكان، إلى جانب استعادة ثقة البريطانيين في الطبقة السياسية بعد سنوات من عدم الاستقرار.
وترى "الغارديان" أن نجاح بورنم لن يقاس فقط بسرعة اتخاذ القرارات، بل بقدرته على تحويل تعهداته إلى سياسات قابلة للتنفيذ في ظل القيود المالية، بعدما جعل من "السرعة والجرأة" عنواناً رئيسياً لبداية عهده في رئاسة الحكومة.




