حادي عشر: كسر الحصانة الحزبية وعلاقة المركز بالإقليم
بالتزامن مع هذا الانسداد السياسي، أحدثت الحملة القضائية والأمنية الصارمة التي أطلقها رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في بغداد تحت اسم «صولة الفجر» ارتدادات واسعة داخل الفضاء الكردي. لم تعد أربيل والسليمانية بمنأى عن تدقيق المركز، حيث تتصاعد المطالبات الشعبية ومن قوى المعارضة الكردية (مثل تيار الموقف والاتحاد الإسلامي) بضرورة كسر الحصانة الحزبية عن الإقليم، بوصف أربيل تحولت لسنوات إلى حواضن وملاذات لبعض الشخصيات المتهمة بالفساد.
تتركز ركائز الفساد البنيوي المطلوب تفكيكها في الإقليم عبر التنسيق مع الأجهزة الاتحادية في ثلاثة ملفات أساسية:
-
الملف النفطي وعقود الظل العائلية: التحكم العائلي بإنتاج وعقود النفط عبر شبكة موازية تضم ما لا يقل عن 35 شركة ومؤسسة وقنوات فضائية تدار بأموال الشعب الكردستاني وتمتلك عقارات ومشاريع استثمارية في أوروبا والإمارات والولايات المتحدة.
-
جيش "الفضائيين" والموظفين الوهميين: تضخم الجهاز الإداري الريعي لوجود ما يفوق 200 ألف شخص وهمي يتسلمون رواتب ومخصصات مالية شهرياً دون وجود فعلي في مؤسسات الدولة الكردية، مما يثقل كاهل التمويل المستقطع من بغداد.
-
التغول الميليشياوي على المنافذ والجمارك: سيطرة عوائل السلطة في الحزبين على المطارات، الجمارك، الضرائب، وشبكات التهريب، في ظل خضوع المؤسسات الرقابية المحلية للابتزاز والتبعية الحزبية التامة.
ورغم إبداء السلطات الأمنية في أربيل مرونة غير معتادة بتسليم مطلوبين بارزين للقضاء الاتحادي (مثل زياد الجنابي وأشواق الجبوري والمياحي)، فإن هذا الامتثال مرده خشية حكومة الإقليم من خسارة الرضا والدعم الأميركي؛ إذ تبدو واشنطن داعمة بقوة لخطوات حكومة الزيدي لإعادة هيبة الدولة واسترداد الأموال لرفد الموازنة العامة. وحتى المواقف الرسمية للحزبين (بين مطالبة الديمقراطي بمد الحملة لكافة المحافظات وإعلان الاتحاد الوطني الاستعداد لتسليم أي متهم) باتت مجبرة على التماهي مع هذا الزخم القضائي والرقابي الفيدرالي.
ثاني عشر: ديفيد بترايوس David Petraeus بين عراقين.. جنرال مكافحة التمرد يعود كمستشار
هناك شخصيات عسكرية تتحول، مع الزمن، إلى أكثر من مجرد قادة ميدانيين؛ لتصبح سردية كاملة عن تصور الدولة، والقوة، وإدارة الفوضى. الجنرال ديفيد بترايوس (David Petraeus) كان واحداً من هذه الشخصيات، وكلما عاد اسمه إلى العراق، عاد معه جزء من ذاكرة سنوات الاحتلال، الصحوات، صولة الفرسان، والجدل القديم حول الدولة العراقية.
-
من الجنرال-المثقف إلى مستشار السوق الأمنية والالتباس العراقي
في العراق، ينظر جزء كبير من الطبقة السياسية بسطحية إلى الولايات المتحدة بوصفها كتلة واحدة متماسكة. وفكرة استقلال الصحافة أو وجود مساحات للتجاذب بين الإعلام والبنتاغون ومراكز التفكير والشركات، تبقى أحياناً بعيدة عن المخيال السياسي العراقي الذي تشكل تاريخياً داخل بنى مركزية. وحين يتعلق الأمر ببترايوس، يصبح الالتباس أكبر؛ فالرجل ليس مجرد جنرال متقاعد يزور بغداد ممثلاً لمؤسسة استشارية خاصة تنشط في الخليج والعراق، بل قُرأت لقاءاته الأخيرة (مع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس البرلمان هيبة الحلبوسي) كرسائل سياسية مقنّعة ومبطنة وكعودة لـ "فاعل تاريخي".
في الواقع، كثير من الجنرالات والسياسيين الأميركيين بعد التقاعد يتحولون إلى مستشارين وأصحاب شبكات علاقات وضغط اقتصادي (مثل زلماي خليل زادة، غالبريث، وغيرهم). وبترايوس يتحرك اليوم داخل هذا العالم: عالم الاستشارة الأمنية والجيوسياسية، حيث تتحول الخبرة إلى رأسمال. لذلك، فإن عودته تبدو في جوهرها أقرب إلى بيع الأفكار والاستشارات منها إلى مهمة رسمية مخوّلة من الإدارة الأميركية، حتى لو ظل العراقيون يقرأون كل حركة كرسالة صادرة عن الدولة العميقة.
-
العراق كمختبر: إستراتيجية "المركز المشرعن للعنف"
حين دخل بترايوس العراق عام 2003 قائداً للفرقة المجوقلة 101، أُرسل إلى الموصل وحاول الحفاظ على جزء من البنية الإدارية ومحافظة نينوى والتواصل مع الوجهاء والعشائر. لم يكن ذلك منسجماً تماماً مع مزاج المحافظين الجدد في واشنطن، ولا مع الرغبة الانتقامية لبعض القوى السياسية العراقية العائدة من المنفى التي فككت الدولة تحت عنوان اجتثاث البعث.
بلورت تلك المرحلة قناعته الأساسية: لا يمكن إدارة مجتمع مركب مثل العراق فقط عبر القوة العسكرية الخام؛ فالمركز والضرورة المؤسسية لا يمكن تفكيكهما من دون إنتاج فراغ قاتل. يحمل الرجل دكتوراه في العلاقات الدولية، وقرأ بعمق تاريخ حروب العصابات والتجارب الاستعمارية وكيفية تعامل الجيوش الحديثة مع المجتمعات التقليدية.
وما حاول فعله في العراق، خاصة عبر الطفرة العسكرية (Surge)والصحوات عام 2007، كان محاولة لقلب معادلة الفشل السياسي التاريخي للجيش الأميركي: ليس الانتصار على خصمه فقط، بل إعادة هندسة البيئة الاجتماعية التي تمنح الخصم ملاذه وسرديته المحلية. لذلك كان اهتمامه بالمجتمع المحلي والقبيلة جزءاً مركزياً من تفكيره، وجاء محاطاً بفريق من المستشارين والأنثروبولوجيين (مثل ديفيد كيلكولن، العسكري والباحث الأسترالي والعقل النظري في مكافحة التمرد).
أثارت هذه الاستعانة بالأنثروبولوجيين زوبعة احتجاجات في الجامعات الأميركية لاعتبارها تحويلاً لمعرفة المجتمعات المحلية إلى أداة يد القوة العسكرية الغازية. والمشكلة المقابلة كانت الغياب العراقي التام عن فهم قيمة العلوم الاجتماعية في ظروف النزاع؛ فمؤسساتنا الرسمية لم تبذل جهداً لفهم "الآخر" الذي كان يعيد تشكيل بلادنا. كانت مقاربة بترايوس مشروعاً لإعادة بناء مركز قادر على فرض معنى للسلطة واحتكار السلاح.
-
استراتيجية السيرج وتعني حرفياً "الزيادة"أو "التصعيد" هي خطة عسكرية وأمنية أمريكية شهيرة طُبقت في العراق عام 2007 بإشراف ديفيد بترايوس وأمر من الرئيس جورج بوش الابن. جاءت هذه الاستراتيجية كطوق نجاة أخير لإنقاذ العراق من الانزلاق الكامل نحو الحرب الأهلية الطائفية الشاملة وتفادي هزيمة أميركية محققة آنذاك.
تنقسم الاستراتيجية إلى ركائز عسكرية وسلوكية واجتماعية حددت ملامح العراق لسنوات طويلة:
- زيادة القوات (البُعد العسكري)
إرسال تعزيزات عسكرية إضافية ضمت أكثر من 30 ألف جندي أميركي إلى العراق.
توجيه الثقل الأكبر من هذه القوات لتأمين العاصمة بغداد ومحافظة الأنبار اللتين كانتا بؤرة الصراع الرهيب.
- مكافحة التمرد وحماية السكان (تغيير العقيدة العسكرية)
غير بترايوس أسلوب قتال الجيش الأميركي من "المطاردة والعودة للقواعد الكبرى" إلى عقيدة حماية السكان .(Population-Centric)
أُجبرت القوات الأميركية على مغادرة القواعد الحصينة والعيش داخل الأحياء السكنية الساخنة عبر مخافر صغيرة مشتركة مع الأمن العراقي، وذلك لكسب ثقة الأهالي وفصلهم عن المسلحين.
اعتمدت فلسفة ميدانية تقوم على ثلاثية: الإخلاء (طرد المسلحين)، الحفظ (منع عودتهم)، والبناء (إعادة الخدمات للمنطقة).
- مشروع "الصحوات" (البُعد العشائري والسياسي)
اعتبرت الاستراتيجية أن الحل العسكري وحده لا يكفي، بل يجب تفكيك الحواضن الاجتماعية للمسلحين.
نجح بترايوس في عقد تحالفات مع عشائر السُنّة في الأنبار ومناطق أخرى فيما عُرف بـِ "مجالس الصحوة".
قامت واشنطن بتمويل وتسليح أبناء العشائر ليتولوا بأنفسهم قتال تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، مما أدى إلى طرد التنظيم من معاقله التقليدية وتحقيق هبوط حاد في مستويات العنف.
النتائج والجدل حول الاستراتيجية
- النجاح الأمني المؤقت: انخفضت معدلات العنف والقتل الطائفي في العراق بنسبة تجاوزت 75% خلال 18 شهراً من تطبيق الخطة.
- التبعات السلبية: واجهت الخطة انتقادات شديدة بسبب التكلفة البشرية والمادية الهائلة. فقد تسببت المداهمات وحظر التجول في تحويل أحياء إلى أنقاض وعزلت مناطق ببغداد بجدران كونكريتية، فضلاً عن تعميق الشكوك السياسية طويلة المدى بين المكونات العراقية بعد دمج فصائل العشائر المسلحة
-
السيرج، الصحوات، وصناعة "المالكي الأول"
في سنوات الانهيار (2005-2007)، تحولت الحرب الطائفية إلى حرب أهلية وأغلقت بغداد فضاءاتها الاجتماعية ولفظ دجلة الجثث. في تلك اللحظة، أخذت ترتفع داخل واشنطن أصوات تدعو إلى حلول تقسيمية، ومن أبرزها مشروع جو بايدن عام 2006 (رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ آنذاك) الذي دعا إلى تقسيم البلاد فعلياً إلى ثلاث مناطق كبرى ضمن إطار كونفدرالي فضفاض.
عاد بترايوس (وتبعه السفير رايان كروكر) بقناعة مضادة: لا يمكن مواجهة التفكك بتفكيك إضافي، بل ينبغي إعادة تقوية المركز في دولة ريعية مركزية كالعراق. وهذا يقتضي بناء مؤسسات مخولة بممارسة العنف المشرعن عند الحاجة، لا تركه موزعاً بين الميليشيات.
هكذا وُلد "المالكي الأول" بوصفه نتاج لحظة أميركية ـ عراقية معقدة، وصنعته شبكة من السياسيين العراقيين والجنرالات الأميركيين (سانشيز، بترايوس، جون آلن، ستانلي ماك كريستال، ريموند أوديرنو). ثم جاءت "صولة الفرسان"كاختيار لمصداقية الدولة الناشئة: هل تستطيع السلطة أن تواجه الجماعات المسلحة القريبة منها مذهبياً لإنتاج الشرعية والخروج من منطق الجماعة إلى منطق المؤسسة؟ غير أن المفارقة ابتلعت التجربة؛ إذ انتهى "رجل الدولة المحتمل" بالتحول إلى "مختار العصر" وأحد أكبر رعاة الفصائل. ومع ذلك، تمكنت إستراتيجية "السيرج" والصحوات مؤقتاً من عزل الجهادية الراديكالية عبر تحالفات عشائرية وفصل التمرد المحلي عن الجهادية المعولمة.
-
من وكالة الاستخبارات إلى السقوط الشخصي
بعد ذلك، صعد نجم بترايوس في أفغانستان، ثم تولى رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) أثناء الأزمة الليبية، وبدا كمرشح رئاسي محتمل. غير أن دخوله هذا العالم المغلق كان خطأً؛ إذ لم يسقط بقذيفة جهادية بل بضربة عاطفية بعد تسريب مغامراته مع حسناء من المشرق العربي، فتحولت كاريزما الجنرال إلى مادة إعلامية وأخلاقية وضُربت صورته في منطقة هشاشته الشخصية.
-
المفارقة المعاصرة وعودته لعراق 2026
واليوم يعود بترايوس إلى عراق مختلف ومتشابه؛ أقل احتراباً أهلياً لكنه أكثر تشظياً وممتلئاً بالشبكات والفصائل والاقتصاد الريعي والميليشياوي الموازي. عراق يبدو فيه المركز قائماً شكلياً لكنه موزع عملياً.
تطرح عودته اليوم أسئلة حارقة: هل ما زال ممكناً إنتاج "مالكي أول" جديد بأفق واعد لا يقود لاحقاً إلى “مختار العصر” والهجوم على ساحات الاعتصام وانهيار ثلث العراق؟ وهل يستطيع تحويل رجل أعمال اغتنى عبر علاقاته بالدولة (في إشارة للزيدي) إلى قائد منقذ؟ وهل يمكن بناء سلطة ذات صدقية من دون احتكار فعلي للعنف المشرعن للدولة، ومن دون أن تتلقى هذه الدولة الدرونات والصواريخ من فصائل تدفع هي لها مرتباتها؟
الدولة التي كان يحاول تقويتها آنذاك كانت ضعيفة، لكنها لم تكن قد امتلأت بالكامل بعد بكل هذا العدد من المراكز الموازية والسلطات التي تعيش داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه. وزيارته تكشف كيف ما زال العراق يبحث عن تفسير خارجي لأزمته، وكيف لم تستطع نخبته بعد عقدين أن تنتج معرفة جادة بذاتها، ليظل السؤال العراقي المؤجل قائماً: لماذا فهمنا الآخرون، ولو لأغراضهم، أكثر مما حاولنا نحن أن نفهم أنفسنا؟
-
سيرج الزيدي السياسي الإداري
ثمة رابط مباشر بين "استراتيجية السيرج " (The Surge)العسكرية التي وضعها الجنرال بترايوس تاريخياً، وبين الاستراتيجية الراهنة لحكومة علي الزيدي في تموز/يوليو 2026 لإعادة ترتيب علاقات العراق الإقليمية (إيران، سوريا، تركيا، الخليج) وحملة السلاح والفساد قبيل زيارته لواشنطن.
توظف حكومة الزيدي اليوم مفهوم "السيرج" ولكن بصيغة مغايرة تماماً: "سيرج دبلوماسي وإداري"بدلاً من "السيرج العسكري العنيف". إليك كيف ترتبط خيوط الخطة التاريخية بالواقع السياسي الحالي للعراق وجيرانه:
-
من "السيرج العسكري" (2007) إلى "السيرج السياسي " (2026)
- في 2007 (خطة بترايوس): اعتمدت الاستراتيجية الأميركية على اندفاعة عسكرية كبرى عبر زيادة عدد الجنود وحصر السلاح ميدانياً لتهيئة أجواء تفاوضية سياسية وتثبيت الأمن.
- في 2026 (خطة الزيدي): ينفذ رئيس الوزراء الحالي اندفاعة (Surge) دبلوماسية وقانونية مكثفة. يسعى من خلالها إلى فرض سلطة الدولة داخلياً عبر ضرب الفساد الإداري وتحديد مهلة 30 أيلول/ سبتمبر 2026 لتسليم سلاح الفصائل. هذه "الزيادة" في الحزم الداخلي هي ورقة الاعتماد الأساسية التي يحملها في زيارته المرتقبة لواشنطن للقاء دونالد ترامب لنيل الدعم المالي والإفراج عن الـ 30 مليار دولار المحتجزة.
-
انعكاس "السيرج الإداري" على علاقات الجوار (إيران وسوريا)
-
- تفكيك الامتدادات المالية: كانت "استراتيجية السيرج" القديمة تبحث عن قطع خطوط الإمداد العسكري العابر للحدود. أما اليوم، فتستهدف حملة الزيدي تجفيف قنوات التمويل وشبكات الفساد المرتبطة بتهريب النفط، وهي شبكات لطالما استفادت منها أطراف إقليمية.
- إيران ومصالح الطاقة: بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي الأخير وزيارة وزير الخارجية الإيراني لبغداد، يهدف هذا "السيرج" القانوني إلى وضع تفاهمات واضحة مع طهران؛ قوامها احترام سيادة العراق وتأمين حدود سوريا، مع ضمان استمرار إمدادات الغاز الإيراني دون تداخل السلاح بالسياسة.
-
تأمين الجبهة الشمالية والشرقية (تركيا والخليج)
-
- تركيا: الاندفاعة الحكومية لضبط المنافذ الحدودية ومحاربة الفساد في الحقول النفطية بكركوك ونينوى تتقاطع مباشرة مع المصالح التركية. يسعى الزيدي لطمأنة أنقرة أمنياً بفرض القانون لفتح الطريق أمام الشركات والاستثمارات التركية فور عودته من واشنطن.
- السعودية والخليج: يمثل نجاح هذا "السيرج" الداخلي (حصر السلاح بيد الدولة) شرطاً أساسياً واجهته به دول الخليج. وقد استقبل الزيدي مؤخراً الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، حاملاً رسالة دعم للخطوات الإصلاحية، مما يمهد الطريق لجولته الخليجية المرتقبة لعرض "صندوق الطاقة والتطوير العراقي الجديد" وجذب الاستثمارات السعودية والخليجية لإنهاء الاعتماد الاقتصادي الأحادي.
باختصار، "السيرج" الجديد هو نقل المعركة من السلاح إلى الاقتصاد والقانون، واستخدام فرض هيبة الدولة داخلياً كأداة تسوية إقليمية شاملة مع الجوار وواشنطن.
خاتمة استشرافية: معضلة شراء الوقت وبناء الدولة
يقدم المشهد العراقي الشامل لعام 2026- بامتداداته المعقدة من بغداد إلى أربيل- نموذجاً تاريخياً مكثفاً لـ"لحظة الانكشاف" التي تواجهها النماذج الريعية والزبائنية عند نفاد هوامش المناورة. لقد أثبتت التحولات الراهنة أن الاعتماد المطلق على الريع النفطي المتقلب والمحاصر بتهديدات الجغرافيا السياسية (كأزمات مضيق هرمز والانكماش المالي) لم يعد قادراً على شراء الوقت الاجتماعي، أو تأجيل استحقاقات الصدام بين بنية "الدولة العميقة" ومتطلبات البناء المؤسساتي الحديث.
فسواء نجحت حكومة علي فالح الزيدي في تحويل "صولة الفجر" إلى استراتيجية بنيوية شاملة تضرب الفساد في المركز والإقليم معاً، أو تمكنت القوى الكردية من صياغة توازن قوى جديد ينهي التفرد الحزبي، فإن التحدي الوجودي الحقيقي يكمن في مدى القدرة على الانتقال من "اقتصاد الانتظار والتوزيع الريعي" إلى "اقتصاد الإنتاج والتنمية المستدامة".
والحال، أنه في غياب رؤية استراتيجية شمولية قادرة على تحويل الوفرة والموارد المستردة إلى قواعد إنتاج وطنية، وفي ظل استمرار العجز عن تحقيق "الاحتكار الشرعي والفعلي لأدوات العنف" تحت مظلة القانون والمؤسسات، ستبقى الدولة العراقية تدور في حلقة مفرغة من الطوارئ وإدارة الأزمات. ستبقى البلاد تتأرجح عند كل صدمة طاقة أو اهتزاز جيوسياسي، ليظل السؤال العراقي المؤجل قائماً برسم المستقبل: متى تنتج هذه المؤشرات، على قسوتها، نُخبة تمتلك المعرفة الجادة بذاتها وبشروط بناء مركز سيادي حقيقي لبلد ما زال يبحث عن دولته وهويته؟




