كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية أنّ الحكومة الإسرائيلية صعّدت خطواتها الرامية إلى توسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عزمه إنشاء ثلاث بؤر استيطانية من نوع "ناحال" في شمال قطاع غزة، بالتزامن مع تخصيص 1.3 مليار شيكل (أكثر من 400 مليون دولار) لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، في إطار تحركات متسارعة لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة لترسيخ سيطرتها على الأراضي الفلسطينية قبل الانتخابات العامة المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
وقالت الصحيفة إن كاتس أعلن خلال زيارة إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة عزمه إقامة ثلاث بؤر من نوع "ناحال" في المواقع التي كانت تضم مستوطنات إسرائيلية قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005، موضحاً أن هذه البؤر ستكون في مرحلتها الأولى مواقع عسكرية تمهد لاحقاً لإقامة مستوطنات مدنية. وقال في تصريحات لقناة "14" الإسرائيلية: "أنوي إنشاء ثلاث بؤر ناحال، وهي أيضاً كيان عسكري، في تلك الأماكن التي كانت تضم مستوطنات إسرائيلية في شمال غزة".
وأضافت "الغارديان" أنّ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش كان قد أعلن الشهر الماضي اكتمال الخطط الخاصة بإقامة ثلاث مستوطنات في قطاع غزة، مؤكداً أن تنفيذها يمكن أن يبدأ بمجرد حصوله على موافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فيما لم يرد مكتب نتنياهو على طلبات الصحيفة للتعليق على هذه الخطط.
مشروع استيطاني مدني
ونقلت الصحيفة عن درور إتكيس، مؤسس منظمة "كيريم نافوت" الإسرائيلية المتخصصة في مراقبة الاستيطان، قوله إن بؤر "ناحال" لا تكون في الأصل مشاريع عسكرية دائمة، وإنما تشكل المرحلة الأولى من مشروع استيطاني مدني. وأوضح أن الجيش يقيم أولاً في هذه المواقع لتهيئتها أمام المستوطنين، مشيراً إلى أن عشرات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية أُنشئت بهذه الطريقة. وأضاف إتكيس أن نموذج "ناحال" بدأ استخدامه في المناطق الحدودية خلال خمسينيات القرن الماضي، بما فيها محيط قطاع غزة، ثم توسع بعد احتلال عام 1967 إلى غور الأردن قبل أن يمتد إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية.
وأشارت "الغارديان" إلى أن كاتس، الذي يدعو إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة عبر تشجيع الهجرة الجماعية، قال خلال زيارته إنه شعر بـ"الارتياح" وهو يشاهد مساحات الركام التي حلّت محلّ المنازل والأحياء الفلسطينية في معظم المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي داخل القطاع.
وفي السياق، قالت الصحيفة إن نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الميجور جنرال تمير يداي أبلغ وزير الدفاع خلال إحاطة ميدانية أن الجيش بات يسيطر على نحو 65% من مساحة قطاع غزة، وهي نسبة تتجاوز بكثير نسبة 53% التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الماضي. وأضاف يداي أنّ الجيش الإسرائيلي قتل "أكثر من 70 ألف إرهابي"، معتبراً أن السيطرة على 65% من القطاع تمثل "انتصاراً"، فيما لفتت "الغارديان" إلى أنّ نحو مليوني فلسطيني ممن نجوا من الحرب أصبحوا محاصرين داخل الثلث المتبقي من مساحة القطاع.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرقم الذي أورده يداي يعني، إذا أخذ كما ورد، إدراج أكثر من 21 ألف طفل فلسطيني قتلوا في الهجمات الإسرائيلية ضمن فئة "الإرهابيين"، بينهم أكثر من ألف رضيع لم يبلغوا عامهم الأول. وأضافت أن الجيش الإسرائيلي سبق أن أقرَّ بأن قاعدة بيانات قتلى الحرب التي أعدتها السلطات الصحية الفلسطينية دقيقة إلى حد كبير، إذ تضم أكثر من 73 ألف قتيل مسجلين بالأسماء وأرقام الهويات، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، وأكثر من 10 آلاف امرأة دون سن الستين، إضافة إلى أكثر من خمسة آلاف مسن.
وذكرت "الغارديان" أن الجيش الإسرائيلي رفض الإجابة مباشرة عندما سُئِل عما إذا كانت تصريحات يداي تعني تصنيف النساء والأطفال وكبار السن ضمن "الإرهابيين"، وقال متحدث باسمه إن المؤسسة العسكرية لا تزال تجري تقييماً داخلياً لتصنيف قتلى الحرب، وإن هذه العملية لم تكتمل بعد ولم تُعرض على المستوى السياسي.
تمويل سري للاستيطان في الضفة
وفي الضفة الغربية المحتلة، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تخصيص 1.3 مليار شيكل (نحو 318 مليون جنيه إسترليني، أي أكثر من 400 مليون دولار) لتمويل عشرات المستوطنات الجديدة، فيما أوضحت "الغارديان" أن مجلس الوزراء أقرّ التمويل الشهر الماضي لكنّه أبقى القرار سريّاً بسبب توقعاتٍ بمعارضة الولايات المتحدة، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية. وأضافت الصحيفة أنّ حكومة نتنياهو تسابق الزمن لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين منها قبل الانتخابات المقبلة.
وفي خطوة أخرى، نقلت "الغارديان" عن قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية الميجور جنرال آفي بلوث، إشادته بسكان البؤر الاستيطانية المتطرفة، مؤكداً أنه "يقدر عملهم" ويعتبرهم "شركاء أمنيين" للجيش الإسرائيلي.
وجاءت تصريحات بلوث خلال اجتماع لـ"جمعية المزارع"، التي تمثل بؤراً استيطانية تعد غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي، والتي قالت الصحيفة إنها تؤدي دوراً رئيسياً في حملات عنف وترهيب أجبرت فلسطينيين على مغادرة منازلهم وأراضيهم في أنحاء الضفة الغربية.
عنف المستوطنين هو عنف الدولة
واستشهدت الصحيفة بتقرير جديد لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، جاء فيه أن "عنف المستوطنين هو عنف الدولة"، موضحاً أن إسرائيل تستخدم المستوطنين لقيادة جهود ضمِّ الأراضي، بينما يؤدي الإفلات المنهجي من العقاب إلى اتساع دائرة الاعتداءات.
ونقلت "الغارديان" عن هاغيت عوفران، من حركة "السلام الآن"، قولها إن الجرافات تعمل حالياً في ما لا يقل عن سبع مستوطنات جديدة يتوقع إسكانها قبل موعد الانتخابات، معتبرة أن الحكومة تخوض "سباقاً انتخابياً متهوراً" لإنفاق الأموال العامة وفرض وقائع جديدة على الأرض.




